لم يأت القرار الحصيف الذي اتخذه الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع بوضع الأسس العملية لأول حكومة إلكترونية إلا من خلال النظرة الثاقبة والرؤية الصافية والواقعية لمستقبل العالم في ظل ثورة المعلومات, عندما سيتولى الكمبيوتر انجاز كل المعاملات دون استثناء. كما لم يأت هذا القرار إلا بعد تهيئة الارضية الملائمة لتطبيقه عملياً على أرض الواقع من خلال قرار سابق بتأسيس مدينة الانترنت التي ستجعل من دبي مركزاً عالمياً رائداً لاستقطاب قواعد البيانات والمعلومات واثرائها والاستفادة منها في تحقيق التحول الاجتماعي الكامل إلى العصر الرقمي. ولاريب ايضاً في ان المسألة لا تقتصر على مجرد اتخاذ القرارات, بل ان سمو الشيخ محمد يعلم اكثر من غيره بأن (الحواضر الالكترونية) في امارة دبي اصبحت على درجة من الانتشار والعمق والتنوع بحيث يمكن عدها وفقاً لاحدث المقاييس المتعلقة بالسباق لاقتحام عصر المعلومات من اكثر البنى التحتية الالكترونية تكاملاً وتنوعاً. وكان هذا بلا شك هو الدافع الاساسي الذي جعل قائداً لا حدود لطموحه في الارتقاء ببلده إلى اعلى المراتب لاتخاذ هذين القرارين معاً. وقد حظيت البنى التحتية الالكترونية في دبي بما يكفي من اعجاب الكثير من المراقبين عبر العالم, حتى اصبح يشار اليها بالبنان كنموذج يحتذي في دول العالم النامي برمتها. ولم يعد مما يثير استغراب كل مقيم فوق ارضيها ان يرى المستوى العالي من الاتمتة الالكترونية التي اقتحمت كل انواع المعاملات واساليب الاداء الحكومي لانجاز المعاملات وتقديم الخدمات. ومن امثلتها: المعاملات البنكية والمصرفية والاتصالات ومعاملات الحالة المدنية ودفع الفواتير والحجز في الفنادق والطائرات وقبض الرواتب وتنظيم المرور والاشراف الكامل على ادارات الرعاية الطبية والاسعاف وباقي الخدمات التي قد لا تعد او تحصي. وهكذا يمكن القول بأن الارضية المناسبة لاقامة الحكومة الالكترونية اصبحت جاهزة لوضع هذا المشروع الطموح موضع التنفيذ. ويمكن وضع تعريف عام للحكومة الالكترونية في انها مؤسسة للادارة وتقديم الخدمات تختفي فيها البنى التحتية الجامدة (المباني والمنشآت) لتحل محلها البنى التحتية الإلكترونية (الحواسيب والأكشاك الإلكترونية), ويقوم فيها المواطنون بإنجاز معاملاتهم بأنفسهم. التجربة العالمية ويمكن للحكومات أن تستفيد من فعالية الأساليب والخدمات المتطورة التي أفرزتها الأساليب الرقمية أكثر من باقي المنظومات الإدارية الأخرى. وسوف تقود الدول المتطورة دول العالم أجمع في مجال ابتداع طرق المعالجة الإدارية الخالية من الأوراق في أثناء سعيها الحثيث لاجتثاث جذور البيروقراطية (حكم المكاتب). ولاريب في أن الدول النامية ستتمكن بدورها من تقديم خدمات جديدة لمواطنيها دون الحاجة للاعتماد على الطرق العتيقة التي تستهلك كمّاً هائلاً من الورق. ولقد بدأت معظم الحكومات منذ زمن بعيد باعتماد أساليب جديدة للعمل باستخدام أدوات العصر الرقمي. وبقيت عملية تحويل المعالجة الإدارية التقليدية إلى الأساليب الرقمية مصحوبة بتزايد هائل في أعداد النماذج الورقية, وذلك لسبب وحيد يكمن في أن معظم الحكومات تخلفت عن ركوب موجة الشبكة الرقمية (الإنترنت). والعجيب في الأمر هو أن هذا القصور ليس ناجماً عن الافتقار للأموال والإمكانات المادية بقدر ما هو قصور في النظرة الثاقبة لتقدير الأمور في الشئون الإدارية والتنظيمية. ونظراً لكون المعاملات الحكومية من النوع الذي يتطلب هدر الكثير من الورق وجهود الموظفين, فلقد بقي الأداء الحكومي يتمّ على حساب التراجع الكمّي والنوعي في القدرة على تقديم الخدمات. واليوم, أصبح (طراز ويب في الحياة) , وأساليب المعالجة الرقمية, تقدم للحكومات كلها الفرصة لإعادة ترتيب أمورها وفقاً للمعطيات الجديدة التي تمكّنها من القضاء على البيروقراطية. ويمكن للحكومات أن تسلك خمس خطوات رئيسية أثناء مضيّها في الطريق لجعل العصر الرقمي حقيقة واقعة في بلدانها. وتتضمن الخطوتان الأولى والثانية تحسين الخدمات الحكومية. فيما تتضمن الخطوات الثلاث المتبقية خلق البنى التحتية التي تدفع مؤسساتها إلى اقتحام العصر الرقمي.وهذه النقاط الخمس هي: ـ ضع الموظفين الحكوميين على خطوط البريد الإلكتروني, وابدأ بالتخلي عن الملفات الورقية عن طريق استبدالها بالملفات الإلكترونية. وعليك أن تكون متأكداً من أن كل المعلومات المشتركة داخل الحكومة أصبحت رقمية. ـ ضع الخدمات الحكومية على الخطّ, وبالشكل الملائم لاستخدامات كل الناس. وانشر كلّ تعليماتك ومعلوماتك وبياناتك على الإنترنت. ـ اجتذب الاستثمارات الأجنبية عن طريق الشركات ذات الطابع التكنولوجي, وبادر إلى تشجيع التجارة الإلكترونية بتقديم الحوافز المادية أحياناً وبالمشاريع ذات الطابع التعاوني في معظم الأحوال. وعليك الإسراع في تأسيس ديوان للتوثيق الإلكتروني للمؤسسات والمواطنين. ـ أعد النظر في النظام العام للاتصالات السلكية واللاسلكية. وبادر إلى تشجيع الاستثمارات الأجنبية والوطنية في البنى التحتية للاتصالات. 5ـ بادر إلى تدعيم مهارات المواطنين في استخدام التكنولوجيا بجعلها جزء امن العملية التعليمية وأنظمة التدريب المهني وعلى كافة المستويات. وداعاً للمعاملات الورقية ومثلما يمكن للمؤسسات الاستفادة من استخدام أدوات زيادة الإنتاجية والبريد الإلكتروني للحصول على عوائد الاستثمارات التكنولوجية, فإن بإمكان الحكومات أن تلتزم بهذا السلوك ذاته. ففي الدول المتطورة أصبح الكثير من الموظفين الحكوميين يمتلكون الحواسيب الشخصية فوق مكاتبهم. والآن, وفي مقابل ذلك, أصبح في وسع الدول النامية تشييد البنى التحتية من الحواسيب الشخصية بتكاليف متوسطة. ولابد من تشديد القول على أن استخدام البريد الإلكتروني وحده يقوّي من أسس التعاون بين الموظفين والمسئولين ويجعلهم أكثر قدرة على الاستجابة لمعالجة مشاكل الناس. وتحتاج الحكومات إلى وضع سياسات واضحة وحصيفة للاستفادة من تدفق المعلومات حتى يصبح بديلاً للورق. وسوف يغدو الإفراط في طباعة معلومات الإنترنت على الورق واحداً من أوضح مظاهر التخلف. ويجب أن تصبح المستندات المطبوعة على الورق مجرّد استثناء وليس قاعدة أو عادة. وعندئذ سيكون الوفر المحقّق هائلاً. فحكومة الولايات المتحدة وحدها تنفق نحو مليار دولار سنوياً على طباعة المستندات الورقية بالرغم من أنها جاهزة بطبيعة الحال على صفحات الويب. ومعظم نسخ هذه المستندات ـ التي تتوزع بين 30 مليون نسخة للسجلات الحكومية الفيدرالية, ومليون نسخة لتقارير قبول المستخدمين الجدد, و65000 نسخة لميزانية الرئيس ـ مُعدّة لاستخدامات الموظفين الحكوميين الذين يعملون في مكاتب متصلة بطبيعة الحال بشبكة الويب. ومعظم هذه النسخ تنتهي إلى سلال المهملات على حساب خزينة الدولة. ويأتينا المثال الآخر لظاهرة الوفر الناتج عن استبدال النماذج الورقية المكلفة لدليل أرقام الهواتف والعناوين البريدية ومواقع المؤسسات والمنشآت والمنازل في ولاية فلوريدا بالنماذج الإلكترونية, وحيث أدى إدخال كل هذه المعلومات على خط الويب, إلى توفير 295000 دولار سنوياً بسبب الانصراف عن أسلوب طبعها على الورق. وأدى هذا أيضاً إلى تراجع معدل الأخطاء في التسجيل بمعدّل 30 بالمئة, وهي الأخطاء التي تعود في سببها إلى تغيّر البيانات الشخصية للموظف, ولايمكن إعادة تسجيلها في دليل الهاتف المطبوع على الورق. وإذا مافكّرت في ضرب هذا الرقم بعدد الولايات الأمريكية البالغ 50 ولاية فسوف تجد أن مقدار الوفر المحقق عن طريق التخلي عن أسلوب التسجيل الورقي سيصبح هائلاً. ولاشك بأن نشر الفهارس والعناوين والأرقام ودلائل الهاتف والفاكس وماشابهها على صفحات الويب وحدها من شأنه أن يحقق هدفين رئيسيين: توفير الأموال, وتسهيل عملية البحث والعثور على المعلومات والبيانات. الأكشاك الاولكترونية ولاشك في أن الاعتماد على خط الويب من شأنه أن ينطوي على مايفوق من حيث الأهمية مجرّد توفير تكاليف الورق. فلقد سمحت تكنولوجيا الويب للحكومات بتوفير نقطة منفردة للاتصال بالمواطنين تقدم من خلالها كافة الخدمات التي يبحثون عنها. ففي بلديات السويد المختلفة مثلاً, تقدم صفحات الويب العديد من الخدمات التي يطلبها المواطنون بشكل متكرر, وحيث يمكن للمواطن أن يتصل عن طريقها وبسرعة البرق بمصالح الضرائب ومكاتب التأمين ومكاتب جوازات السفر وغيرها. ويمكن للمواطنين أيضاً الدخول إلى مواقع الويب للاطلاع أولاً بأول على نتائج وتوصيات المؤتمرات والاجتماعات العامة, وأن يطلعوا على مواعيد سفر الحافلات والقطارات والطائرات إما من الإنترنت أو من (الكشك الإلكتروني) electronic kiosk, وهو مكتب صغير مزوّد بحاسوب شخصي مخصص لخدمة عامة الناس. وفي ولاية أوهايو الأمريكية خصّصت الحكومة المحلية موقعاً واحداً على الويب يسمح للناس بالاطلاع منه عن كل مايتعلق بالوظائف الشاغرة في كل من القطاع العام والخاص. وأنشأت ولاية فيكتوريا الأسترالية مايسمى بـ(نظام ماكسي) MAXI System على الويب. وهو نظام متخصص بمتابعة تغيّرات الأحوال المدنية الفردية للأستراليين والتي من شأنها أن تغيّر البيانات المدنية المتعلقة بالناس, كالزواج, وبلوغ السن القانوني, وتغيير العنوان وماشابه ذلك. فإذا غيّرت مكان إقامتك مثلاً يكون عليك أن تملأ خانة العنوان الجديد على الويب إما عن طريق حاسوبك الشخصي أو عن طريق الكشك الإلكتروني العمومي. وسرعان مايتم حفظ هذه المعلومات في قاعدة البيانات المركزية الحكومية. وهكذا, لم يعد مطلوباً من المواطنين الأستراليين أن يبحثوا عن عناوين وأمكنة الدوائر والمؤسسات والمكاتب في الأماكن المزدحمة بالسيارت وحركة المرور, بل أن يحتكموا إلى مجرّد معرفة القواعد البسيطة لاستخدام الحاسوب في الدخول إلى مواقع الويب المتخصصة. ومادامت الإنترنت توفّر أفضل طريقة للاتصال بالحكومة, فإن المواطنين جميعاً أصبحوا بحاجة لتوفير وسائل الدخول إلى الخطّ حتى إذا كانوا لا يمتلكون الحواسيب الشخصية, وذلك لأن الأكشاك الإلكترونية التي تعمل وفق مبدأ مشابه لذلك الذي تعمل بموجبه آلات صرف النقود الرقمية, أصبحت تضمن للمواطنين جميعاً الاستفادة من فرص متكافئة من الأساليب الجديدة للتعامل مع الحكومة. وهذه الأكشاك التي توزّع على المكاتب البريدية والمكتبات والمدارس والأبنية العمومية يمكنها أيضاً أن تساعد الحكومة في تطوير خدماتها وتخفيض تكاليف إنجازها التي تترتب على المواطنين. ويأتينا المثال الثاني عن هذه الفعالية في الأداء من أوستراليا أيضاً. وحيث استخلفت الحكومة هناك لجان ومجالس تشغيل الأيدي العاملة بخدمات الأكشاك الرقمية التي أصبحت تختزن وتستظهر باستمرار فرص العمل المتوفرة. وبالنظر للمعلومات الحديثة والمتكاملة التي وفرتها هذه الأكشاك فلقد ساعدت الحكومة على تقديم خدمات التوظيف بسرعة للجهات التي تواجه نقصاً مفاجئاً في طواقم العمالة المتخصصة. ولاريب في أن أنظمة الدخول على الخطّ عن طريق الأكشاك الإلكترونية أو الحواسيب الشخصية تحمل في طياتها الفوائد الجمّة للمواطنين وللحكومة على حد سواء, خاصة عندما تتنوّع أهدافها ومجالاتها لتغطي كافة المجالات والمعاملات. وحتى تنجح الحكومة في اعتماد هذه الطريقة يكون عليها أن تجمع معاملات مؤسساتها ووكالاتها كافة في نظام موحّد ومنفرد يسمح بجعل أداء الخدمات وإنجاز المعاملات يتم بطرق متكررة ومتشابهة. ولقد تمكنت الحكومة الإيرلندية من تحقيق هذا الهدف بطريقة مثالية عندما وضعت الأكشاك الإلكترونية في خدمة كل الناس لدفع الفواتير واستخراج جوازات السفر ورخص قيادة السيارات ودفع الأموال لصناديق التوفير وشراء تذاكر السفر وإجراء عمليات الحجز في الفنادق والطائرات والقطارات وشراء أوراق اليانصيب والطوابع بالإضافة لعدد لايكاد يحصى من أنواع الخدمات اليومية الأخرى. ويمكن تشبيه الكشك الإلكتروني الواحد بقاعة حكومية ضخمة لإنجاز كافة المعاملات والحصول على كل أنواع الخدمات. ولم تعد هذه الأكشاك تغطي من حيث توزيعها المدن الإيرلندية الكبرى وحدها, بل امتدت حتى إلى كافة القرى والتجمعات السكانية التي يفوق عدد سكانها 2000 نسمة. وأصبحت هذه الأكشاك تتولى خدمة 1.26 مليون مواطن كلّ أسبوع أو مايساوي نصف العدد الكلي لسكان إيرلندا. وأصبحت جملة الصفقات المالية التي تتم عبر هذه الأكشاك تفوق 9 مليارات من الدولارات سنوياً. ويضاف إلى ذلك أن أسلوب أداء الأكشاك الإلكترونية يشهد مزيداً من العصرنة والتجديد وبطرق وأساليب أصبحت غاية في الدقة والسهولة. ولاشك في أن الصفقات والمعاملات التي تتم على الخط بهذه الطرق الإلكترونية المتطورة تتطلب توفير الكثير من عناصر الأمن والحماية لها حتى يمكنها اجتذاب المزيد من مستخدميها. ولعنصر أمن المعلومات في هذه الطرق والأساليب بعدان رئيسيان: حماية البيانات الشخصية أثناء تناقلها عبر الشبكة, وتوثيق المعلومات المتعلقة بالشخص الذي أنجز المعاملة أو الصفقة. ولقد تم في هذا الصدد ابتكار تكنولوجيات بالغة التطوّر للتوثيق تنطوي على أعلى مستويات حماية المعاملات من تدخل المتطفلين والإبقاء على سريتها الكاملة. وتكون عملية توثيق المعلومات والبيانات الخاصة بمستخدم الشبكة الحكومية غاية في الأهمية. فأنت لايمكنك أن تقبل أن يدخل محتال إلى سجلاتك الحكومية, أو أن يطلع موظف لاعلاقة له بك على رصيدك البنكي. وقد تفسّر الحاجة للتوثيق السبب الذي يجعل الحكومات التي تنجز الصفقات والمعاملات على الخط هذه الأيام تفضّل قصر التعامل بها على تلك التي لايكون فيها التوثيق الشخصي مهماً, كتجديد رخصة قيادة السيارة أو سجلّ السيارة أو دفع الضرائب. ويمكن للبطاقات الذكية التي يمكن للمستخدمين تشغيلها في حاسوبهم الشخصي أو في الأكشاك الإلكترونية أن تمثل حلاً لمشكلة التعرف على الأشخاص كما هي الحال بالنسبة لبطاقات الصرف الآلي للنقود. وإذا اقترنت البطاقات الذكية برقم التعريف السري الشخصي أو بأي كلمة مرور أخرى (رمز تشفير) ـ وفي بعض الحالات بصمات الإصبع أو الطابع الصوتي ـ فإن من الممكن لهذه الطريقة أن تجعل النظام قادرا على التعرف على الأشخاص الذين يحاولون الدخول إلى المعلومات الشخصية المتعلقة بتصاريح الأرباح والضرائب وصفقات البيع والشراء. ويجري في أسبانيا الآن بناء أكشاك يمكن عن طريقها الاطلاع على المعلومات العامة ذات الصفة الاجتماعية عن طريق قائمة الخيارات المرسومة على شاشة لمسيّة إلا أن مستخدمها سيحتاج إلى بطاقة ذكية للدخول إلى المعلومات الشخصية المتعلقة بأي إنسان آخر. وبالرغم من أن مثل هذه البطاقات تشبه إلى حد بعيد البطاقات الذكية البنكية التي انتشر استخدامها في العالم, فإن بعض الناس مهتمون بمشكلة حاجة الحكومة في هذه الحالة إلى تجميع معلومات كثيرة عن المواطنين حتى تجعل من هذا النظام عملياً, وهو الأمر الذي يلقى الكثير من المعارضة في أوساط المدافعين عن الحريات الشخصية. ولبعض البلدان قوانينها الصارمة لحماية خصوصية المعلومات الشخصية التي تحظر على أي إنسان أو مجرّد بطاقة صغيرة أو حتى محطة بيانات أن تمتلك كل المعلومات المتعلقة بمواطن ما. وأعتقد أنه من المرجح أن يتم استخدام نوعين من البطاقات في بعض البلدان: إحداهما مخصصة لإنجاز المعاملات المالية مع الحكومة أو باقي المؤسسات, والثانية خاصة بالرعاية الصحية. ولاشك بأن الانتشار الواسع لظاهرة الدخول إلى المعلومات والقدرة على تسجيل المعلومات على البطاقات الذكية, سوف تدفع المجتمعات إلى إعادة التساؤل حول الاستراتيجيات الصحيحة لاستخدام المعلومات. فهل يجوز تمكين المؤسسات التي تعرض ترشيحات لوظائفها الشاغرة أن تطلع على التاريخ القضائي لكل من المترشحين للوظائف المعروضة؟ وهل يجوز لمستأجر جديد لإحدى شقق بناية سكنية أن يطلع على المعلومات المتعلقة بالسير الشخصية للناس الذين سيسكن بجوارهم؟. وعلى كل حال, تبقى مثل هذه الأسئلة ذات طابع سياسي بأكثر مما هي ذات طابع تقني. وعلى كل دولة أن تحدّد أنواع المعلومات الشخصية التي ستسمح بتعميمها في البطاقات الذكية. وأصبح من الجليّ الآن بأن استخدامات هذا النظام ستكون بلا حدود, وستخترق كافة المجالات, وستمس كل أنواع الأعمال والنشاطات الحكومية. ففي الولايات المتحدة مثلاً سمحت البرمجيات المتتخصصة بجدولة أعمال المحاكم. وأصبحت بعض الوكالات الولائية والاتحادية على حد سواء تستخدم التقنيات الرقمية لضبط وبرمجة مواعيد حضور المحامين ووكلاء الادعاء والدفاع من أجل تنظيم جلسات المحاكم. وسمحت هذه الأساليب الرقمية المتطورة بتوفير الوقت على رجال الشرطة الذين كانوا يتكفلون بتنظيم هذه الأمور وينتظرون القضايا المكلفين بمتابعتها. ولقد أصبح من الواضح أن تطبيق هذا النظام سمح لرجال الشرطة بكسب المزيد من الوقت للانصراف لضمان الأمن وملاحقة مخالفي القانون في الطرق والشوارع. الحكومات الإلكترونية في الدول النامية قد تظن الدول الأقل تطوراً بأن إدخال التكنولوجيا الرقمية في المعاملات الإدارية لم يزل بعيداً جداً عن متناولها. ولكن الدول التي لاتمتلك الأنظمة الإلكترونية يمكنها أن تبدأ الآن انطلاقاً من تكنولوجيا جديدة تماماً, وهذه التكنولوجيا الجديدة ستكون أقل تكلفة على أي حال من الاستمرار بإنجاز المعاملات بالطريقة اليدوية. ولابد من الإشارة إلى أن الدول المتطورة أصبحت تمتلك أنظمة رقمية شبه بالية تحتاج في معظم الأحوال إلى إضافات كثيرة ومعقدة حتى تساير عملية التحول نحو الأساليب الجديدة في تسيير المعاملات الحكومية. ولقد أوضحت الأمثلة الميدانية في العالم حول سرعة تطور الأنظمة الرقمية بأن معظم الابتكارات تحدث الآن في الحكومات والمؤسسات الصغيرة, كالدول والمقاطعات والبلديات والأقاليم الصغيرة, وكذلك على المستوى الإقليمي ضمن الدول الكبرى. ولابد للحكومات أن تلجأ للاستثمار في استقدام خبراء مدرّبين في مجال إعادة هندسة تصميم أساليب العمل مثلما فعلت الكثير من الحكومات, وذلك من أجل تسهيل تحقيق هدف إدخال كافة المعاملات الخدماتية على الخطّ. وذلك لأن المواطنين الذين أصبحوا واعين بالقوى الكامنة في شبكة الويب لن يقبلوا بعد الآن فكرة أن تبقى الخدمة الحكومية بطيئة أو منطوية على الفوضى. ولم يعد من السهل أن تقنع شخصاً بالبقاء لمدة ساعتين في صف طويل لإنجاز معاملة بسيطة بعد أن سمع أن بإمكان الإنترنت أن تنجز معاملته في دقائق أو ثوان. والحكومة وحدها عندما تبني خدمات أساسية ضمن محيط الإنترنت فإنها ستوفر بذلك دافعاً قوياً لمواطنيها للانتقال إلى عصر الحكومة الإلكترونية. كتب عدنان عضيمة