تجددت في مصر الدعوات لإنشاء كيانات اقتصادية في شتى مجالات المال, والصناعة, والتجارة, والخدمات, والتسويق, مع اقتراب توقيع اتفاق الشراكة المصرية الأوروبية, وانتهاء الفترة الانتقالية لاتفاقية التجارة الحرة العالمية. وإذا كان السوق المصري قد شهد حالات للاندماج في مجالات إنتاج السلع الغذائية أو المستحضرات الطبية أو السلع الاستهلاكية إلا أن خبراء الاقتصاد والمال يشددون على أهمية أن تطال عمليات الاندماج قطاعات البناء والتشييد, والخدمات, والبنوك, ومؤسسات التقييم والاستثمار لمواجهة انفتاح السوق الذي لن يعترف إلا بالكيانات الاقتصادية الكبيرة التي تقدم خدمات أفضل وأسعار أقل. (البيان) ناقشت مع الخبراء قضية الاندماج وتحديد الفارق بين الاندماج والبيع أو الدمج وتقييم الخبراء لعمليات الاندماج التي تمت وتحديد إيجابيات وسلبيات هذه التجربة التي مضى عليها قرابة عامين في مصر خاصة أن الخبراء يطالبون بأن يتم التوسع في عمليات الاندماج في قطاعات استراتيجية مثل الخدمات والأدوية, والسلع الاستراتيجية مع الأخذ في الاعتبار أن يتم ذلك بين كيانات مصرية وطنية. و يرى علي الهجان رجل أعمال وسكرتير شعبة مستحضرات التجميل والعطور في اتحاد الغرف الصناعية أن ما شهده السوق المصري من شراء شركة نستلة العالمية إلى الشركة المصرية للصناعات الغذائية دولسي وغيرها ليس اندماجا بل بيع بدليل اختفاء اسم منتج شركة وعلامة تجارية من السوق لصالح اسم وعلامة تجارية أخرى عالمية وتفضيل المستثمر المصري الانسحاب مقابل الحصول على مكسب عن القيمة الرأسمالية لمشروعه الذي حصل منه على أرباح ووضع اجتماعي لافتا أنه في الغالب تكون تلك العمليات لمشروعات انتهت فترة الامتيازات الضريبية (الإعفاء) والتسهيلات البنية الأساسية من طرق وكهرباء, وخدمات مكتفيا بتحقيق أرباح سريعة خاصة أنه صاحب المشروع نفسه يعلم أن الفترة الانتقالية التي منحتها الجات للدول النامية أوشكت على الانتهاء ولا يريد أن يغامر برأسماله, في ظل منافسة محتملة ستكون شرسة لا شك. ويرى أن الاندماجات التي يمكن أن تكون ذات فائدة في نطاق الشركات المحلية هي الشركات التي تطرح أسهمها في البورصة أو الخاصة التي تزيد من رأس مالها بطرح أسهم جديدة بهدف التوسعات بحيث تزيد من نسبتها في السوق وتحسين منتجاتها, وإدخال نظم تكنولوجية جديدة بعيدا عن الاحتكار مطالبا أن تطال الاندماجات قطاعات حيوية لنا مثل المقاولات والتشييد والبناء والخدمات والاستشارات الهندسية, والبنوك ومؤسسات المال والتقييم والأدوية حيث أن إحدى شركات الأدوية العالمية تنفق 5 مليارات دولار سنويا على الأبحاث العلمية بينما في مصر نجد رأسمال 48 شركة أدوية في حدود هذه القيمة. ومن جانبه يوضح الدكتور هاني رزق عضو المجلس الرئاسي المصري الأمريكي ورئيس مجموعة ميلكي لاند أن عمليات الاندماج ترشد الوظائف بنسبة تتراوح بين 25 إلى 40% في الشركتين المندمجتين وتزيد الإنتاجية والقدرة التسويقية وتشغل الطاقات العاطلة في المصانع إلا أنه يختلف في أن يكون الاندماج بين شركتين أو أكثر في نفس النشاط حيث قد يكونان في نشاط مكمل مثل إنتاج وتسويق أو غيره بحيث يزداد الوزن النسبي للشركة في السوق العالمي والمحلي وتعظيم الأرباح بما يعود على الاستثمار لافتا أن قانون الاستثمار الحالي يتيح الاندماج والتوسعات والحصول على إعفاءات ضريبية جديدة إذا كانت تشغل عمالة جديدة وتزيد الإنتاج بحد أدنى ثلث الطاقة الإنتاجية القائمة. ويشير رزق إلى أن الاندماج يشجع المنشأة على تخفيض تكاليف التشغيل وشراء مستلزمات الإنتاج والسلع الوسيطة وتقليل السعر المنتج النهائي للمستهلك مما يوسع من نسبة مبيعاتها إذ أن الفترة المقبلة في السوق العالمي لن تسمح سوى بالمنتجات الأفضل بناء على المواصفات العالمية, والمعايير القياسية والسعر الأقل. ويؤكد عضو المجلس الرئاسي أننا يجب إن نشترك في قواعد اللعبة الدولية التي تشهد كل يوم اندماج كيانات ليست صغيرة معا بل قوية ولم تنحصر على قطاع بعينه بل طالت الإعلام, والاتصالات مثلما طالت البنوك وشركات الأدوية والأسمنت والسيارات مضيفا أننا إذا أردنا الدخول مع هذه الشركات العالمية في المنافسة لابد من الالتزام بهذه القواعد وهذا المنهج فلا يوجد وجود الآن في العالم لأسواق تغلق على نفسها أو تمتنع عن استغلال العمالة والمدخلات المستوردة في عملها. وعلى المستوى الاكاديمي يرى الدكتور حمدي عبد العظيم مدير معهد البحوث والدراسات باكاديمية السادات للعلوم الادارية أن عمليات الاندماج التي تمت والمستمرة حقق بعض منها نجاحا, فيما أخفق البعض الآخر, إلا أنها في مجملها تعد تجربة ناجحة, والقطاع الخاص حاليا لديه القدرة على خوضها في جميع المجالات إذ أن التوجه العالمي بدوره يتطلب تغيير النمط السائد بالنسبة للشركات الخاصة من وحدات صغيرة الى كيانات لها القدرة على الدخول في المنافسة العالمية حيث أن نظام العولمة وضخامة حجم اعمال الشركات العابرة للقارات والجنسيات سيقضي على أية شركات صغيرة. ويضيف عبد العظيم قائلا: الاندماج هو الحل لعبور الازمة التي باتت مقبلة, حيث أن العديد من الشركات المصرية التابعة للقطاع الخاص بدأت تفكر في الاندماج فعليا, ويتطلب ذلك تغير المفاهيم الراسخة لدى بعض اصحاب الشركات من بقاء قيادة الشركة في أيديهم واعتبار أن مشاركة أحد لهم يمثل تقليلا من شأنه, إذ أن العالم تحول من شركات عائلية إلى شركات توسع قاعدة الملكية الخاصة, وطالب في الوقت نفسه تغير مفهوم الادارة وتطويرها وعدم اتباع مركزية الادارة المتبع حاليا في العديد من المنشآت الخاصة. القاهرة ـ حسين عبد الهادي