متابعة للمنتدى الاقتصاي العالمي الأخير في دافوس الذي عقد في وقت سابق من هذا العام, فإن (المنتدى الاقتصادي يوروايشيا 2000) الذي عقد في نهاية ابريل الماضي في المآتا, العاصمة السابقة لكازاخستان ربما يكون قد مثل نوعاً من العلاقة الفارقة لمناطق قزوين ووسط آسيا. في البداية, كان من المفترض ان يكون مجرد نوع من المنتديات المختصة بنشاطات الأعمال, اي مجرد منتدى آخر من بين منتديات اخرى عديدة. ولقد تم بحث العديد من الخطط في دافوس سابقاً, تماما كما كان الحال في اسطنبول في نوفمبر الماضي خلال قمة منظمة الأمن والتعاون الأوروبي حيث اجتمعت الدول نفسها. غير انه لا مجال لاخفاء حقيقة انه كان هناك نوع من التباين النوعي بين مؤتمر اسطنبول في نوفمبر والمؤتمر الذي عقد مؤخراً, في المآتا. وفي الواقع, ان تقاربا في الاحداث الصناعية والاقتصادية ممتزجا بالسياسة الدولية يبدو انه قد اوجد نوعا مختلفا تماما من اللعبة السياسية. وبتزامن مع مؤتمر المآتا, اختارت السلطات الكازاخستانية إعلان الانباء القائلة بأن عمليات الحفر الجارية في القطاع الكازاخستاني من بحر قزوين فيما يسمى بحقول (كاشاجان) قد اثبتت نجاحها. وتشير النتائج الأولية الى وجود احتياطيات محتملة قد تصل الى 4 مليارات طن من البترول. واذا ما تأكدت هذه النتائج, فإن حقل (كاشاجان) سيكون اكبر بكثير من حقول نفط تنجيز التي تعتبر المصدر الرئيسي للانتاج النفطي الكازاخستاني في هذه المرحلة, والتي تدار في اطار مشروع مشترك بين (كازاكس أويل) وشيفرون. وفي الوقت الحاضر, فان كازاخستان تنتج حوالي 600000 برميل يومياً, وعلى الرغم من ان الانتاج في حقل تنجيز من المتوقع ان يزداد في السنوات المقبلة, إلا ان التهيؤ للانتاج في كاشاجان سيحدث وضعاً جديداً تماماً. وبحسب ما يقول الرئيس الكازاخستاني نور سلطان نزاربييف, فإن الانتاج قد يصل سريعاً الى عدة ملايين برميل في اليوم, وحدد ذلك بدقة بقوله: (بحلول عام 2015, سيبلغ نتاجنا 400 مليو طن في السنة أو ثمانية ملايين برميل في اليوم) . وباختصار, فان كازاخستان ستقف على درجة المساواة مع أكبر منتج في أوبك وهو السعودية. ومن نافل القول انه, وقبل ان يتحقق ذلك, فسيتعين تخطي بعض العقبات. اولا, سيكون هناك حاجة لعمليات حفر اضافية في وقت لاحق من هذا الربيع لتأكيد النتائج في كاشجان, وخاصة نسبة النفط والغاز. فمعظم عمليات الحفر الاخيرة في بحر قزوين كانت نتيجتها اكتشاف كميات كبيرة من الغاز والقليل من النفط. ومهما يكن الامر, فسيكون هناك حاجة لبذل الكثير من العمل الفني, كما ان هذا سيتطلب بعض الاستثمارات. وحتى قبل ان تبدأ بانتاج اي شيء, فانه سيتعين على السلطات الكازاخستانية ان تتخذ بعض القرارات الصعبة كتلك المتعلقة بكيفية تصديره ولأي جهة. وبينما من المحتم ان يؤدي هذا بالطبع الى اثارة اهتمام متجدد بمنطقة كانت فيها خيبة الامل هي السائدة في السنوات الثلاث الماضية, فان هذا من المتوقع ايضا ان يثير خصومة سياسية واقتصادية متجددة. ومن المتوقع ان يكون هذا هو الحال بشكل خاص مازالت مسألة استغلال موارد النفط والغاز في بحر قزوين موضوع خلاف في هذه المرحلة. وباستثناء كونسورتيوم ايوك الدولي في اذربيجان, التي تستغل عدة حقول بحرية, فان الدول الساحلية الاخرى مثل روسيا وتركمانستان وكازاخستان وايران كانت حذرة حول المسألة. وفي الواقع انه, وباستثناء الاكتشافات الاخيرة في كازاخستان, فان الاكتشاف الجدي الوحيد قد قامت به مؤخراً, شركة لوك اويل على الجانب الروسي من بحر قزوين. وقد اصبح هذا ممكنا فقط بفضل اتفاقية ثنائية بين روسيا وكازاخستان مع اتفاق كلتا الدولتين على تحديد حدودهما البحرية بشكل دقيق. غير ان جميع الدول الاخرى فشلت في التوصل الى اي اتفاقية, حيث تعتبر باكو بوجه عام ان معظم موارد بحر قزوين تعود الى اذربيجان. وهذا يتوقع ان يتغير الان على نحو سريع وبالتأكيد, ستحتاج استانة قبل استغلال حقول كاشجان, الى ضمانات بأن السيادة على ذلك الحقل لن تكون موضع شك من قبل اي كان. ويقال بأن هذا يتزامن مع مزاجية مماثلة في روسيا. ففي اعقاب اجتماع لمجلس الامن القومي في 21 ابريل, اعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ان الوقت قد حان كي تولي روسيا اهتماما اكبر بالمنطقة. وقد يكون لهذا الاعلان مضامين سياسية. غير ان الرئيس الروسي يقال بأنه فكر في استراتيجية مغايرة تعطي موسكو بموجبها مهلة اكبر للشركات الخاضعة للدولة مثل ترانز نفط وجاز بروم وكذلك لوك اويل لتلعب دوراً اكبر في مشروعات اقليمية. ويقال بأن هذا يلبي احتياجات اقتصادية اساسية في روسيا ايضا. فعلى سبيل المثال, هناك تقولات بأن موارد جاز بروم من الغاز التي اعتمدت بشكل كبير حتى الآن على الحقول السيبيرية تتضاءل بشكل سريع. وبالتالي, فان جاز بروم ستحتاج بشكل متزايد لان تكون في وضع يسمح لها باستغلال الموارد الموجودة في القوقاز ووسط آسيا. ومن اجل القيام بذلك, يتعين عليها ان توافق على فتح شبكات خطوط انابيبها امام الغرباء. وعلى امتداد سنوات عديدة, كان هذا الامر موضع خلاف, حيث رفضت جاز بروم السماح لتركمانستان بتصدير ما يكفي من غازها عبر خط انابيب قائم بالفعل وحجتها في ذلك ان الأولوية هي لتصدير الغاز الروسي في البداية. والمؤشر على التغيير كان تأكيد توقيع اتفاقية جديدة بين موسكو وعشق اباد ستدخل حيز التنفيذ بدءا من العام 2001, وستتيح لتركمانستان تصدير ما يصل الى 30 مليون متر مكعب من الغاز سنويا عبر روسيا. وخلاصة القول انه وبعد سنوات عديد اعتقدت خلالها روسيا ان احدى افضل الطرق لاعادة تأكيد سلطتها السياسية على هذه المناطق هي كبح تطورها فقد توصلت موسكو الان الى نتيجة معاكسة. وفي هذا السياق, فان من المتوقع والحالة هذه ان تكون موسكو قريبا مستعدة للانضمام الى كازاخستان وكذلك الدول الساحلية الاخرى من اجل التفاوض على وضع نهائي لبحر قزوين يكون مقبولا من قبل الجميع. وقد كانت هذه القضية, في الواقع, موضع نقاش في مؤتمر المآتا. وفي ذلك السياق, أثار الوفد الايراني الذي كان يرأسه النائب الأول للرئيس حسن حبيبي ـ اثار اعتراضات على الاتفاقية الروسية ـ الكازاخستانية الثنائية في بحر قزوين. إلا ان هذه الاعتراضات لم تتسبب باثارة جدل عنيف. وبدلا من ذلك, فإن المندوبين الروس قالوا على الفور ان موسكو ستكون على استعداد لمراجعة تلك الاتفاقية من اجل ضمان قبولها من قبل الاخرين ايضا. وكما هو معترف به الان بوجه عام, فان هذا المناخ الجديد من التعاون بين دول وسط اسيا وروسيا وايران هو نتيجة لتغير سياسي عميق وقع على الصعيد الدولي. وكما جرى تقييم الوضع, على سبيل المثال, في الثامن والعشرين من ابريل من قبل خدمة ستاتفور الاخبارية, فان النقطة الجوهرية هي ان الولايات المتحدة قد تخلت عن المنطقة. فمنذ سنوات تحاول الولايات المتحدة ان تجعل المنطقة تعتمد على الغرب. غير انه يتضح الآن ان احدى النتائج الرئيسية للجولة الاخيرة التي قامت بها مادلين اولبرايت في المنطقة كانت التأكيد على فشل هذه الاستراتيجية. وفي الواقع انها اكدت طوال جولتها وفي كل مؤتمر صحفي عقدته على (الخلافات العميقة) بين واشنطن ومضيفها المحلي. ولقد كانت الجولة كارثة سياسية كبيرة. فبينما كان القادة المحليون مهتمين بقضايا الأمن والتنمية, عرضت مادلين اولبرايت صفقة عالمية بمقدار عشرة ملايين دولار للتعامل مع القضايا الامنية في حين قضت وقتها في توجيه اللوم لها على اخفاقهم في تطبيق اصلاحات ديمقراطية. وقد اتضحت الهوة المتنامية بين الولايات المتحدة والقادة المحليين على لسان نزاربيف خلال مؤتمر المآتا عندما ادان صراحة (التدخل الأمريكي) في الشئون الداخلية. ثم تبعه قادة آخرون. وربما باستثناء اذربيجان, التي لا تزال الولايات المتحدة مصممة على جذبها الى الجانب الغربي بقوة من خلال تركيا, فان النفوذ الامريكي في وسط آسيا يتوقع الآن ان يتراجع سريعاً. وفي الواقع ان هذا قد يلقى ترحيبا من جانب شركات النفط الامريكية التي كانت في اغلب الاحيان في خصام مع الأولويات الجيوسياسية لواشنطن. ومن نافل القول, فإن هذا ايضا يحظى بترحيب من جانب روسيا وكذلك إيران. وفي نهاية المطاف, فإن هذا التغير السياسي قد حدث بفعل حقائق اقتصادية. فأثناء شهادة حديثة في مجلس الشيوخ الأمريكي, اقر جون وولف, المبعوث الامريكي الخاص الى المنطقة, بأن المشروع الاقليمي الرئيسي لواشنطن, وهو خط انابيب باكور جيهان من غير المتوقع الآن ان يتم بناؤه في الوقت المحدد, هذا إن بني من أصله. فهو مكلف للغاية ولا يوجد نفط اذربيجاني يكفي لجعله مربحاً. كما ان الخطط الرامية إلى بنائه بموازاة خط انابيب آخر للغاز تتقدم بخطى متعثرة بسبب وجود خلاف بين اذربيجان وتركمانستان. وبالطبع, فإن انتاج النفط الاضافي من حقول كاشجان قد يكون ذا فائدة لخط انابيب باكور جيهان. غير ان نورلان بالجيمباييف, رئيس شركة كازاكس أويل اوضح في المآتا بأن اولوية استانة ستكون في التصدير عبر خط انابيب (سي. بي. سي) إلى روسيا الذي سيكون جاهزا للعمل في العام المقبل. وعلى لسان نزاربيف, فإن كازاخستان ستركز صادراتها عبر روسيا (خلال السنوات العشر المقبلة) . وبعد ذلك, قد يكون لدى استانة بعض الاهتمام في استخدام خط انابيب باكو ـ جيهان (وكذلك خطوط انابيب اخرى) . غير ان خط انابيب باكوجيهان لا يمكن بناؤه الان اعتماداً على توقع محتمل بأن يصبح مربحا في غضون عشرة اعوام. وعوضاً عن ذلك, فإن التركيز سينصب على استخدام طرق ارخص. وعلى نحو متوقع, فإن ايران تقدمت بخططها الخاصة مقترحة استثمارات بقيمة 1.2 مليار دولار لتوسيع شبكة خطوط انابيبها التي قد تتيح تصدير النفط الكازاخستاني عبر الخليج العربي. وقد اعتبر هذا الطرح خطيراً بما فيه الكفاية حيث انه تزامن ايضا مع تأكيد اتفاقية بين ايران وشركة بتروتشاينا الصينية وشركة فايتول أس إيه السويسرية من أجل بناء امتداد لخط انابيب يربط بين (نيكا) على بحر قزوين ومحطات تكرير البترول في شمالي طهران. وعلى الرغم من ان دول وسط آسيا تظل متشككة ازاء ايران, الا ان العرض الذي تقدمت به الاخيرة يقال بأنه اثار اهتماما لديها, حيث انه تزامن ايضا مع محادثات حديثة مع اطار منظمة (الايكو) لتوسيع خطوط الطرق وسكك الحديد من أوروبا الى وسط آسيا وإلى آسيا والخليج فعلى سبيل المثال, اقترح الرئىس الجورجي, مؤخراً, ان شبكة الطرق الممولة اوروبيا المعروفة باسم (تراسيكا) والتي تمتد من اوروبا الى اسيا, وهي حلقة وصل بين الغرب والشرق, ينبغي ان يوازيها حلقة وصل اخرى من الشمال الى الجنوب, عبر روسيا, مع موافقة موسكو على اقامة شبكة طرق من الصين الى المانيا عبر روسيا وبيلاروس (روسيا البيضاء). وبالمثل, ركز وزراء المواصلات في منظمة (الايكو) مؤخراً على مشروع توسعة لشبكة طرق من باكستان الى ايران وصولا الى وسط اسيا. وبالفعل, فان المناطق الايرانية والباكستانية في بلوشستان قد اصبحت مراكز تجارية رئيسية للتجارة بين منطقة الخليج وباكستان وتركمانستان. وهذه الطرق من المتوقع ان تمتد الآن من تركمانستان الى كازاخستان ودول اخرى. وبغض النظر عن الحاجة الماسة لها, فإن هذه الخطط التي من شأنها ان تتيح لدول وسط اسيا ارتباطا مباشرا بالعالم الخارجي لايمكنها ان تتحقق حتى الآن لاسباب اقتصادية وقيود سياسية كذلك. إن قدرة تركمانستان على زيادة انتاجها من الغاز بشكل كبير والاكتشافات النفطية الجديدة في كازاخستان توجد الآن حافزا اقتصاديا للقيام بذلك. وفي الوقت نفسه, فان التعاون الوثيق بين جميع الدول يبدو انه على وشك ان يزيل آخر القيود السياسية التي لا تزال قائمة.