تؤدي الرغبة الشديدة لاحراز النجاح في أقصر وقت ممكن الى التشتت الفكري وعدم التركيز وفقدان الانتباه, الأمر الذي يقود مباشرة الى الوقوع في المصيدة والتوغل فيها بدرجة يصعب معها الرجوع ولا يجدي فيها الندم. وقد اجتاز الاخصائيون النفسانيون في الاسباب التي تؤدي لأن يسلك الناس الطريق المؤدي الى المصيدة وهم في وعيهم الكامل في بعض الاحيان, الا ان هناك احتمالين لهذا: الاحتمال الأول هو الفشل في رؤية المصيدة وادراكها, يتصور صانعو القرار الذين يقعون في المصيدة ـ وهم مدركون ذلك ـ ان تورطهم سيكون محدودا للغاية, الا انه يتبين لهم بعد فترة ان الأمر بخلاف ما كانوا يتصورون. واذا نظرنا الى أهداف الدخول المبدئي للقوات الأمريكية على سبيل المثال في حرب فيتنام نجد ان أهم تلك الأهداف كان اخافة العدو واحتواء التصعيد والحد منه. وقد وفرت هذه الاستراتيجية سببا بديهيا للدخول في الحرب, إلا انها من ناحية اخرى أسهمت بدرجة كبيرة في اذكاء نيران الحرب التي كانت أساسا تهدف لمنعها. ولتوضيح صحة هذه النظرية نفترض ان أحد احياء مدينة من المدن الاوروبية يشتهر بالعنف والعلاقات غير الودية مع السلطات المحلية, ويشهد هذا الحي اضطرابات نتيجة لارتفاع معدلات البطالة وتفشي الفقر. وفي أحد الأيام يتلقى المسئول المحلي عن الحي مكالمة هاتفية من أحد مساعديه يطلب فيها منه المساعدة لحل مشكلة تواجهه, فقد احتجزت مجموعة من الشباب موظفي النادي الرياضي كرهائن ان لم يتم اصلاح القاعة الرياضية التي كانت مغلقة وخاضعة لاصلاحات ضرورية. وكان كل ما حدث هو ان المسئول المحلي انتقل الى مسرح الاحداث وقرر ان يراقب الموقف وألا يظهر نفسه ولا يتدخل. وينجح مساعده في نهاية المطاف في اقناع الشباب باطلاق الرهائن والانصراف في هدوء, الا انه وبعد نجاحه في تهدئة مشاعر الشباب أصيب باحباط شديد لعدم اهتمام رئيسه بمعاونته في علاج الموقف فتقدم باستقالته. وعلى الرغم من تفهم مشاعر الموظف المستقيل, الا ان رئيسه كان محقا في قراره بعدم التدخل, فقد كان الموقف شديد التوتر وعلى وشك الانفجار. وكان الموظف المستقيل هو الشخص الوحيد الذي يمثل وجود السلطات المحلية ولو ظهر بالموقع مسئولون آخرون لانتشرت انباء المواجهة وتقاطرت جموع الشباب استعدادا للمواجهة. وينتقل السيناريو الى المشهد التالي وهو ضرورة اخضاع الطرف الآخر لتطغى على كل احتمالات الانسحاب الهادىء ويصبح من الضرورة استدعاء الشرطة للقيام بتفريق الجموع الحاشدة, ثم ينفجر الموقف بعد ذلك ويتحول الى صراع بين السلطات المحلية والشرطة من جهة وجموع الشباب من جهة اخرى (وقد تنحاز السلطات المحلية الى جانب جموع الشباب لانها هي الجهة المسئولة عنهم وعن النادي ايضا). ولكن ولحسن حظ الجميع فإن هذا السيناريو لم يتحقق لأن المسئول كان يتمتع ببصيرة نافذة وقام بتقويم كل هذه الجوانب من خلال المشهد القائم أمامه وأبقى نفسه بعيدا مع وجود احتمالات عديدة للحل السلمي. ونظرا لأن المنافسة تكون احيانا مدمرة بحيث يتشدد كل طرف من الاطراف في تصعيد الاوضاع مدفوعا بآمال احراز النجاح فإن الاولويات تتبدل مع تصاعد الصراع وتصبح الرغبة في الانتقام هي الهدف الذي لا يعلوه هدف حتى ولو كان انسحابا تكتيكيا مدروسا لتفادي مزيد من الخسائر وبعد ان يصل الجميع الى طريق مسدود تصبح الرغبة في انقاذ ماء الوجه هي كل شيء. فعلى سبيل المثال تتسابق المتاجر ومحال السوبر ماركت ومراكز التسوق في تخفيض الاسعار وتصل الى المرحلة التي ينتفي معها العمل بسياسات اقتصادية قابلة للتطبيق, وتأتي عندها الرغبة في الانتقام أولا وتنحسر لتليها محاولات المحافظة على ماء الوجه. وفي أحوال كثيرة تعلن بعض المتاجر افلاسها وذلك لعدم رغبة أصحابها في التراجع والنكوص عن سياساتهم التسويقية التي تتسم بالجشع والعناد في آن واحد. ويمكن ان يعرف هذا الشكل من أشكال التصعيد بالتصعيد اللولبي لأن الانسان عندما يبدأ في التصعيد يجد نفسه ينزلق بسرعة فائقة نحو الاسفل وجسده يدور بحسب دورات اللولب. ومع ان المعلومات تلعب دورا أساسيا في صنع القرار, الا ان التحيز يغلب دائما على الاسلوب الذي نعالج به هذه المعلومات وهذا التحيز هو ما عرفه الاخصائيون بالتحيز الادراكي والذي يظهر في تلقي المعلومات التي تؤيد موضوعا ما اهتماما أكثر من المعلومات التي تتعارض معه وسعي البشر وراء المعلومات التي تتعارض معها. ففي مثل هذه الحالات يتجاهل صانعو القرار جميع علامات التحذير والتنبيه ويعملون على تعزيز آرائهم بالتركيز على المعلومات التي يمكن تفسيرها لتؤيد وتؤكد حكمهم على الأمور. ويوفر التحيز الادراكي لصانعي القرار فرصة تجنب سيطرة هذه الأوضاع على الواقع من خلال تشويه وتغيير الانطباعات العامة حتى وان تمت مواجهتهم بمعلومات تصحيحية تختلف عن آرائهم فإننا نجدهم يعمدون الى التصعيد خاصة ان وجدوا أنفسهم أمام أي من المواقف التالية: ـ المشكلة المؤقتة. ـ الهدف على وشك التحقيق. ـ نتجت المشكلة بسبب تأثيرات خارجية. ـ عدم احتمال وقوعهم في الخطأ. وكمثال على المشكلة المؤقتة والسهلة نفترض ان مقسم الهواتف باحدى المؤسسات والذي يعمل بنظام الربط مع جهاز الكمبيوتر تعطل في أول يوم من تشغيله وسادت شائعة بين موظفي المؤسسة والمهندسين بأن سعة المقسم غير كافية وفي المقابل أكد الاداريون لمسئولين عن شراء المقسم ان العطل كان بسبب توصيلات الأسلاك فقط. بعد أسبوع كامل تم حل مشكلة التوصيلات وعاد المقسم للعمل, ولكن خلال ساعتين فقط تعطل المقسم مرة اخرى. كيف يتصرف الموظف المسئول في هذه الحالة؟ هل يقبل تأكيدات الشركة البائعة بأنه ومع بعض التعديلات الطفيفة يمكن للمقسم ان يعمل بكفاءة أم يطلب من الشركة استلام نظام وازالة التوصيلات؟ كان يتعين على مشتري النظام أولا وقبل كل شيء ان يستفسر من الدائرة القانونية حول الموقف القانوني عن نقض التعاقد, الا ان هذا لم يحدث ولأسباب عدة منها انه سيبدو كالاحمق وايضا ستكون من الصعوبة ازالة أو تبديل شبكة هاتفية ضخمة على هذا النحو. ولذلك عمد المسئولون الى التأكيد على ان المشكلات كلها وقتية فقط, ولكن في الواقع كان للشائعات أساس من الصحة, فقد كانت سعة المقسم غير كافية ولم يعمل بكفاءة الا بعد قطع ربع الخطوط التي تم تركيبها في أول الأمر. والموقف الآخر الذي يقود الى التصعيد هو حين يشعر صانع القرار بأنه على وشك ان يحقق الهدف ولا شك في ان الاحساس بقرب تحقيق الهدف يعد حافزا قويا, فمثلا كان يمكن ان تكتب النجاة للمكتشفين الذين أبحروا لاكتشاف القطب الجنوبي لو أنهم أدركوا مدى قربهم من اليابسة والنجاة, الا أنه وفي واقع الأمر فان هذه الظاهرة سلاح ذو حدين حيث يمكن ان تؤدى الى تصعيد في الموقف بسبب طول فترة صنع القرار والتسويف الذي يواكبها. وتتبادر هذه الظاهرة الى الأذهان عندما نسمع عبارات مثل (لقد انتهينا تقريباً من تشييد المصنع وكل ما نحتاجه الآن هو بعض العمال الاضافيين وقليل من الوقت الاضافي فقط) ثم تأتي عبارات مثل (بعد فترة) ثم (بعد اسبوع واحد فقط) ثم بعد شهر واحد. وتمضى الأشهر والموقف كما كان عليه حتى يحول الحول ويكتمل المشروع. ومن المعروف ان ارجاع المشكلة لأسباب خارجية يسهل التبرير الذاتي ويضفى عليه نوع من الشرعية ولذلك فهو يؤدى سريعاً الى التصعيد. قد تحدث في بعض الأحيان مشكلة حقيقية وغير متوقعة وهذا أمر مقبول إلا أن الخطر يأتي عندما يحاول صانعو القرار إقناع أنفسهم بأن الموقف عرضي ومؤقت في حين ان المشكلة تعكس في حقيقة الأمر سوءاً في التخطيط مثلاً. وغالباً ما يمكن اختلاق التبريرات لأي فشل فمثلاً برر مؤيدو حرب فيتنام الهزائم الأولى في دلالاتها بعوامل خارجية مثل الإعصار الموسمي وتعطل المعدات العسكرية فحتى وان كانت هذه المبررات مقبولة وحقيقية فانها توحي بغرابة موقف العسكريين لان المناورات والتدريب على أرض المعركة والتخطيط لها وتوقعات الظروف المناخية تعتبر من أبجديات العلوم العسكرية ومع هذا لقيت حجج العسكريين القبول وهذا أقوى مثال على ما يمكن ان تحققه المعلومات التأكيدية. أما عدم احتمال الوقوع في الخطأ فيعتمد أساساً على تشتيت الانتباه عن أوجه القصور الشخصية وذلك بالقاء اللوم على الجميع واعطاء انطباع بأنهم جميعاً مخطئون إلا نحن. ونظراً لأن صانع القرار من المحتمل ان يبحث عن ـ وأحياناً يتوق الى ـ الدلالات الايجابية فيمكن دائماً تعزيز قوة مركزنا لديه بتوفيرها له. واذا أردنا ان نقنع مديرنا التنفيذي بأننا نثابر على أمر معين فان هذا سيصبح أكثر سهولة اذا طبقنا ما يلي: ـ تزويده بمعلومات تأكيدية وتعزيزها. ـ تقديم كل المشكلات القائمة على أنها وقتية فقط. ـ التأكيد على ان الانجاز وشيك التحقيق. ـ القاء اللوم على المؤثرات والاسباب الخارجية. ـ منافقة صاحب العمل ومدح حكمه دائماً. ولكن اذا حدثت مجموعة من المشكلات في وقت واحد فيمكن تقديمها منفردة واضافة بعض التأكيدات بأنه سيتم التغلب عليها في زمن وجيز واضافة مزيد من المعلومات التي تؤكد ذلك.ويمكن في مثل هذه المواقف استخدام أقوال مثل (سيدي المدير التنفيذي.. أعرف انك لاتتخذ القرار الخاطىء ابداً) , أو (سيدي.. نحن نعتمد عليك في التخلص من هذا الموقف) . ولنجاح هذه الأساليب الماكرة يستحن تطبيقها على مراحل تبدأ بالتطبيق الشفهي وتنتهى كتابة. فعلى سبيل المثال يمكن للانسان ان يحمى نفسه من أحد المواقف بأن يسجل: (سيدي المدير.. حاولت ان أراك بالأمس ولكنك كنت مشغولاً في اجتماعات مهمة وسوف أكون مسافراً طول هذا الأسبوع وكنت أفكر في نهاية الاسبوع الماضي في قراركم بشأن.. واتساءل ما إذا..) فعندما تكون المقابلة الشخصية غير ممكنة تصبح الفرصة سانحة للهروب والاعتذار كتابة. فطبيعة هذا الشكل من أشكال الاتصال تبعد الشكوك تماماً عن أي شيء بينما تعمل الاشارة الى (نهاية الاسبوع) في الخطاب على تأكيد صورة الموظف المرؤوس المخلص المهتم بالأمر. ومن الكلمات الأساسية في هذه الرسالة الموجزة (قراركم) فهي تحدد المسئولية وتعمل من ناحية اخرى على تعزيز وهم السيطرة على الأمور لدى المسئول. وأخيراً فان عبارة (وأتساءل ما اذا) تعطى انطباعاً مناسباً إلا انه مغاير للانطباع العام وهو غير مهم حقيقة ولكنه يؤكد جدية الموظف كاتب الخطاب وسبب كتابته ذلك الخطاب الموجز.
لإحراز النجاح في أقصر وقت خمسة أساليب لاقناع المديرين التنفيذيين في صنع القرار رغم أهمية دور المعلومات إلا ان التحيز يغلب دائماً على أسلوب معالجة تلك المعلومات
