آن أوان المصالحة بين باكستان وصندوق النقد الدولي سواء استطاعت ان تحل خلافاتها مع الهند أو الولايات المتحدة بشأن قضايا استراتيجية. فقد اجرت بعثة صندوق النقد الدولي محادثات من أجل وضع أساس برنامج يتضمن مليارات الدولارات لمكافحة الفقر في البلاد, وباكستان في حاجة شديدة الى الاتفاق مع صندوق النقد الدولي العام الجاري, وسوف يكون لهذا الاتفاق أثر على ميزانية البلاد التي تبدأ في الأول من يونيو. قد يكون الاقتصاد الباكستاني في وضع جيد وهو أمر غريب بالنسبة لدولة مرت باضطرابات سياسية. لكن هذا الوضع الاقتصادي يرجع الى الانتعاش في بقية دول آسيا من ناحية وارتفاع الصادرات من ناحية اخرى, اضافة الى التحسن في الاستثمارات في صناعة المنسوجات, الصناعة الحيوية في الاقتصاد الباكستاني. ومن المتوقع ان تحقق باكستان نمواً اقتصادياً يفوق 4% خلال العام الجاري, وهناك تقديرات رسمية بأن التضخم سوف يكون تحت السيطرة, ويقول المسئولون ان جهود الحكومة في تحصيل الضرائب تسير حسب الخطة الموضوعة حيث بلغت عائدات الضرائب 210 مليارات روبية (4 مليارات دولار) خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام مقابل مستهدف يبلغ 360 مليار روبية بالنسبة للعام بكاملة. التزامات خدمة الدين واستطاعت الحكومة ان تفي بالتزامات خدمة الديون والحفاظ على احتياطياتها من العملة الاجنبية عن طريق شراء العملة من السوق. وقد أمكن تحقيق ذلك دون ان تكون هناك ضغوط على سعر الصرف, بفضل ارتفاع مستوى التدفقات المالية, برغم انها ترتبط بشكل كبير بالاقتصاد الخفي أو غير المشروع. إلا ان خبراء الاقتصاد يقولون ان باكستان حرمت من المساعدات منذ الانقلاب الذي وقع في أكتوبر العام الماضي, ولايمكن توقع ان تستطع تمويل العجز في الحساب الجاري المقدر بأن يكون 3% من اجمالي الناتج المحلي هذا العام. وقد تعرضت الحكومة العسكرية الباكستانية الجديدة للنقد بسبب بطء خطواتها تجاه التحديات الهيكلية الهامة المطلوبة من اجل إنعاش الاقتصاد. لقد وقعت الحكومة في فخ الديون حيث تبلغ الفوائد على الديون الخارجية والداخلية نحو ثلثي عائدات الضرائب. وليس هناك مرونة في الانفاق على الرعاية الاجتماعية والتعليم. ومن العوامل الاخرى المثيرة للقلق ان الباكستان لم تحل بعد النزاع مع شركة هوبكو المنتجة للطاقة وهي استثمارية اجنبية, مما يعد عائقاً كبيراً أمام الاستثمارات الاجنبية, ولم تطبق بعد اجراءات تهدف الى توسيع القاعدة الضريبية والتخلص من التشوهات التي استمرت طويلاً في مجال الزراعة والتي أعاقت التنمية الصناعية والتجارية في الباكستان. ويقول شوكت عزيز وزير المالية الباكستاني ان هناك حاجة الى تغيرات كبيرة من اجل ان تتمكن باكستان من التغلب على هذه المشكلات. ويضيف ان باكستان لن تحقق السيادة الاقتصاديةاذا لم تنتشر بين الناس فكرة انه لابد من دفع الضرائب. ويعني ذلك ان مستويات الضريبة لابد ان تكون معقولة ولاينبغي ان يكون فيها نوع من الجبر الشديد ويرجع سبب الوقوع في فخ الديون الى الاقتصاد الخفي أو غير المشروع الأكبر كثيراً من الاقتصاد الرسمي وان الناس لم تستوعب بعد ثقافة دفع الضرائب والاحتفاظ بدفاتر حسابات دقيقة ومناسبة. ويقول انه لابد من تغيير هذا الوضع. وفي اطار جهود الحكومة تم تطبيق ضريبة المبيعات على الكهرباء هذا العام وسوف يتم تطبيقها على مبيعات التجزئة قبل نهاية العام المالي. كما تعتزم الحكومة تطبيق ضريبة الدخل على الزراعة خلال العام المالي المقبل. وتعتزم الحكومة أيضا دفع عجلة الخصخصة بطرح اسهم البنك الوطني ومشروعات اخرى مملوكة للدولة للبيع للقطاع الخاص. وسوف تنفق الحكومة 90% من الأموال المتحصلة من هذه المبيعات في سداد جزء من الديون, والجزء الباقي على مكافحة وتخفيف الفقر. قلق لدى المنتقدين هناك قلق لدى المنتقدين لسياسة الحكومة بسبب بطء تحركاتها. ويقول ساكب شيراني الخبير الاقتصادي في بنك بن عمرو ان الحكومة لاتزال متأخرة في وضع أساس لتقييم الدخل الزراعي وبالتالي تقدير ضريبة هذا الدخل. والأهم من ذلك ان الحكومة كان ينبغى أن تطارد رجال الأعمال الذين استولوا على قروض مصرفية باجراءات تماثل اجراءات مطاردة المتهربين من الضرائب. ومما يثير السخرية ان الحاجة لعائدات ضريبية أعلى ليست من اجل خفض العجز المالي بالدرجة الأولى فقط, وبلغ هذا العجز 4.3% من اجمالي الناتج المحلي العام الماضي قبل ان تفرج الولايات المتحدة عن الأموال التي كانت مودعة لشراء طائرات اف ـ 16 المقاتلة ولم تستلمها باكستان, بل هناك حاجات اخرى لتحصيل عائدات ضريبية اعلى. ويقول بعض خبراء الاقتصاد الغربيين ان العجز بهذا الحجم الذي لايزال أقل في نسبته من اجمالي الناتج المحلي مقارنة بعجز الهند, لايتفق مع التخفيض المتوقع في حجم الدين. ويضيفون انه لابد ان يكون هناك عجز في الميزانية الباكستانية في ظل احتياجاتها الكبيرة للتنمية, برغم انه مستوى أسعار الفائدة كان ضمن القضايا التي تم بحثها خلال المحادثات مع صندوق النقد الدولي. ان عبء الديون المستحقة على باكستان يزداد ثقلاً مع ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية التي تدفعها الحكومة على الدين الداخلي, والذي يخفق التنمية الاقتصادية. لقد خفضت الحكومة العسكرية بالفعل أسعار الفائدة على الدين الداخلي منذ توليها السلطة. والفائدة الأساسية من توسيع القاعدة الضريبية وتحصيل عائدات ضريبة أعلى هي استعادة المرونة في انفاق الحكومة بحيث تستطيع مواجهة المشكلات الاجتماعية العاجلة. واذا لم تستطع باكستان تسوية المشكلات التي تواجه تمويل الحكومة, فسوف يكون التحدى المقبل أمامها وأمام المسئولين الذين يتعرضون لضغوط كبيرة هو أن تتعلم الاقتصاد في انفاق عوائد مصادر التمويل الجديدة, أو بمعنى آخر تضطر أيضا الى ترشيد انفاقها, حتى في ظل مصادر تمويل جديدة.