أكدت د. سهير السبع الخبيرة الصناعية بغرفة تجارة وصناعة دبي ان غياب قانون للاستثمار في الدولة وبالتالي غياب رؤية للاستثمار بشكل عام يجعل من الصعب الاستفادة من مزايا الاستثمار الاجنبي. وقالت ان فتح الباب للاستثمار الاجنبي في هذه المرحلة من تطورنا الاقتصادي أمر ضروري للاسهام في نقل التكنولوجيا وتحقيق التنمية. واشارت الى انه ليس امامنا اختيار في هذا الامر بحكم عضوية الدولة في منظمة التجارة العالمية (الجات) . وذكرت ان الاستثمار الاجنبي سلاح ذو حدين يمكن أن يكون في صالحنا كما حدث في دول كثيرة مثل دول شرق آسيا ويمكن ان يكون في غير صالحنا كما حدث مع دول كثيرة خاصة في افريقيا التي قتلها الاستثمار الاجنبي. مصالح خاصة وقالت ان عدم وجود قوانين للاستثمار وعدم وجود سياسة محددة تجاه الاستثمار الاجنبي اطلق يد المستثمر الاجنبي لتحقيق مصالحه فقط دون مراعاة للمصلحة العامة وجعله يتصرف بدون أية التزامات وافرز استثمارات هامشية غير مرتبطة بالبلد ولا تنتمي الى الامارات بأي رابطة سوى المكان فقط وهو اضعف الروابط. وطالبت د. سهير السبع بأهمية تأصيل هذه الاستثمارات الاجنبية وتحويلها الى استثمارات محلية ترتبط باقتصاد الدولة بروابط وثيقة فتستخدم المواد الخام المحلية وتدرب وتوظف المواطنين وتبيع نسبة من انتاجها بالسوق المحلي ويكون لها دور اجتماعي ودور في مراكز البحوث والدراسات ونقل التكنولوجيا. ليس تجربة وقالت ان الاستثمار الاجنبي بالدولة بشكله الحالي لايرقى الى مستوى التجربة لأنه يعمل بدون ضوابط ولا قانون يحكمه. وبما ان رجال الاعمال ليسوا مبشرين ولا فاعلي خير وانما هم بشر يبحثون عن المصلحة فإن العقد يكون ضروريا لتحديد التزامات كل طرف. وما يجري الآن هو مجرد التزامات من جانب الدولة لهؤلاء المستثمرين دون اية التزامات او ضوابط من جانبهم. وأكد اهمية تعديل القوانين لسببن اولهما: الانضمام لمنظمة التجارة العالمية (الجات) وثانيهما: ان هذه القوانين قديمة ولم تعد تساير روح العصر الذي هو عصر العولمة. فلابد من تشريعات لمعادلة ظاهرة الشريك القائم والغاء ما يعرف بورقة الضد وعدم الاعتداد بها في المحاكم. ولابد من توعية الناس بخطورة المتاجرة بالوطن من خلال بيع التأشيرات وغير ذلك من الظواهر السلبية التي ستظهر آثارها مستقبلا على اولادهم. هذه الآراء وغيرها كانت محور هذا اللقاء مع الخبيرة الصناعية بغرفة تجارة وصناعة دبي د. سهير السبع: * هل توافقين على فتح الباب للاستثمار الاجنبي, وما هي الضوابط التي يجب ان تحكم هذه العملية من وجهة نظرك؟ قانون الاستثمار ـ قبل الحديث عن فتح الباب للاستثمار الاجنبي لابد من الاشارة الى غياب استراتيجية للاستثمار بشكل عام متمثلة في غياب قانون للاستثمار اصلا. وما يحكم عملية الاستثمار الآن ليست إلا اشلاء في قوانين متفرقة والمستثمر بشكل عام والمستثمر الاجنبي خاصة في حيرة ويريد ان يعرف قانوناً يحكم عمله وضوابط والتزامات محددة وهذا في صالحه وفي صالح الاقتصاد الوطني. ان غياب قانون للاستثمار قد اطلق يد المستثمر الاجنبي لتحقيق مصالحه الخاصة فقط دون مراعاة للمصلحة العامة ومتطلبات الاقتصاد الوطني. ونحن اذا تتبعنا تطور الاستثمار الاجنبي بالامارات سنجد انه مر بثلاث مراحل. المرحلة الأولى في فترة السبعينات وكانت فترة ترحيب بهدف ترويج اسم الدولة الوليدة عالمياً, ونجحت العديد من الاستثمارات الاجنبية في هذه المرحلة. وفي الثمانينات سعت الدولة لجذب الاستثمارات الاجنبية لمواجهة حالات ركود كانت تمر بها المنطقة. وكان افتتاح المنطقة الحرة بجبل علي أحد اهم القنوات التي اسهمت في جذب الاستثمارات الاجنبية في هذه الفترة. وزاد عدد الاستثمارات الاجنبية في الثمانينات بشكل كبير. وفي التسعينات اصبحت الامارات اسماً معروفاً على الخريطة العالمية وشهدت رواجاً كبيراً ثم اشتهرت بالتسهيلات والخدمات العالمية التي تقدمها وزاد عدد المناطق الحرة بالدولة الامر الذي ادى لمزيد من الاستثمارات الاجنبية وخاصة ان المناطق الحرة بدأت تنافس بعضها في هذا الغرض. البورصة واتوقع ان تكون هناك زيادة في الاستثمارات الاجنبية بالدولة في هذه المرحلة التي يمكن تسميتها ما بعد 2000 خاصة بعد افتتاح البورصة الرسمية التي ستعمل على جذب الاستثمارات سواء الوطنية المهاجرة او الاجنبية إلى الداخل. * هل توافقين على السماح للاجانب بالاستثمار المباشر في سوق المال؟ ـ السماح للاجانب بالتداول في البورصة المحلية شرط اساسي لتنشيط سوق المال ولكن يتم ذلك من خلال ضوابط ومحددات تمنع الممارسات السلبية. ونحن ليس امامنا خيار في هذا الامر لاننا اعضاء في الجات من ناحية ولانه لا غنى لأي دولة عن الاستثمار الاجنبي من ناحية اخرى. فهو اداة ضرورية للتنمية ونقل التكنولوجيا. والاستثمار الاجنبي سلاح ذو حدين يمكن ان يكون في صالحنا كما حدث في دول عديدة. ان النهضة الضخمة التي حدثت في شرق آسيا تعود اساساً إلى الاستثمار الاجنبي. ويمكن ان يكون في غير صالحنا كما حدث في دول عديدة بأفريقيا قتلها الاستثمار الاجنبي. والعنصر الاساسي الذي يتحكم في هذا الامر هو رسم سياسة واضحة للاستثمار بشكل عام والاستثمار الاجنبي بشكل خاص بحيث يكون جزءاً من النسيج العام. وهذه السياسة تختلف بالطبع من دولة لأخرى حسب المعطيات الاقتصادية لهذه الدولة. والامارات كدولة غنية وتتمتع بمعدل نمو مرتفع ومعدل استثمار وطني عال ومتوسط دخل فردي عال اذن فالمطلوب ليس سيولة وانما الهدف الرئيسي من الاستثمار الاجنبي هو زيادة الموارد الطبيعية وزيادة الانتاج من خلال التوظيف الجيد للموارد المالية. استثمارات هامشية * اذا كان الاستثمار الاجنبي يحقق هذا الهدف فلماذا لم تحققه الاستثمارات الحالية؟ ـ الاستثمارات الاجنبية الحالية هامشية غير مرتبطة بالبلد بأكثر من مجرد المكان وهذه اضعف الروابط والمطلوب تأجيل هذه الاستثمارات وتحويلها إلى استثمارات محلية. والمفترض ان تكون هناك ضوابط تلزم هذه الشركات بالتفاعل مع الاقتصاد المحلي من خلال العديد من الاجراءات مثل توظيف وتدريب المواطنين والمساهمة في عملية التوطين ونقل التكنولوجيا ودعم واقامة مراكز للبحوث والدراسات تكون بمثابة جسر لتوطين التكنولوجيا بدلاً من ان تظل معتمدة على الاستيراد. اضافة إلى ادوار اخرى اجتماعية والمساهمة في حماية البيئة المحلية. ما هو البديل * اذن لا يمكن الحكم على الاستثمار الاجنبي من خلال هذه التجربة الطويلة؟ ـ لا يمكن ان نحكم على تجربة الا بعد تقييمها. والتجربة كانت بدون ضوابط وبالتالي فكيف نقول انها تجربة, في الحقيقة هي لا ترقى إلى مستوى التجربة, وعلينا ان ندرك ان هؤلاء المستثمرين ليسوا مبشرين ولا فاعلي خير وبالتالي فهم يبحثون عن الربح وهذا مشروع. المهم ان نضع نحن الضوابط التي تحدد التزاماتهم تجاه الاقتصاد الوطني. ما حدث في الفترة الماضية ان العقد كان التزاماً من جانبنا فقط بدون اية التزامات من جانب المستثمر الاجنبي. والمطلوب هو تصحيح هذه العلاقة. ثم ما هو البديل لفتح الباب للاستثمار الاجنبي هل نرفض؟ ان هذا غير ممكن ولم تعد روح العصر تقبل هذا. كما ان الاستثمارات الوطنية وحدها غير قادرة على تحقيق الهدف. والاستثمارات الاجنبية من اهم قنوات نقل التكنولوجيا وكون ذلك لم يحدث مثلاً فهذا ليس عيباً في الاستثمار الاجنبي وانما له اسبابه وعلينا علاج هذه الاسباب. لص وليس مستثمرا * البعض يعتقد ان الاستثمار الاجنبي اسفر عن ظواهر سلبية عديدة اضرت بالاقتصاد الوطني مثل ظاهرة هروب التجار فهل هذا صحيح؟ ـ أولا نحن قلنا ان الشكل الحالي للاستثمار الاجنبي لا يرقى الى مستوى التجربة حتى نحكم من خلالها على الاستثمار الاجنبي, كما اننا تحدثنا عن غياب القانون والضوابط, واضافة الى هذا فإن باتيل لم يسرق لأنه مستثمر اجنبي وإنما لأنه لص واستغل الثغرات وغياب الضوابط, ونحن علينا علاج هذه الثغرات ووضع الضوابط. جانب آخر مهم في هذه العملية هو ان الاستثمارات الاجنبية ضرورية ومهمة, ومع ذلك فإن لها بالتأكيد آثارا جانبية مثل أي دواء, ونحن مهمتنا من خلال الضوابط تقليل هذه الآثار الجانبية, ولا يمكن تجنب هذه الآثار الجانبية ألا ان نأخذ الدواء. بنود عجيبة * وما هي الضوابط المطلوبة من وجهة نظرك؟ ـ لابد من تعديلات جذرية في التشريعات, وهذه عملية لازمة لأسباب عديدة أهمها الانضمام للجان من ناحية ولأن هذه القوانين ذاتها باتت قديمة ولا تناسب التطورات المتسارعة الحالية, قوانين قديمة وتحتوي بنودا عجيبة جدا لا يمكن ان تناسب هذه المرحلة, كما ان كل دول العالم تراجع تشريعاتها كل فترة بما يتناسب مع حجم التطورات, ولا شك ان التطورات الحالية متسارعة ومتلاحقة بشكل لا يمكن تصور ان تظل ثابتة في مكانها. قانون الصناعة مثلا عام 1979 وآخر تعديلاته كانت عام 8191. * هل تؤيدين مثلا تعديل نسبة 49 الى 51% للشريك المواطن؟ ـ هذه النسبة أنا أشجعها في الوقت الحالي مادامت المفاوضات مع منظمة الجات تسمح بذلك, ولكن في الوقت نفسه لابد من تشريعات معادلة تلغي ظاهرة الشريك النائم, بحيث يكون المواطن شريكا فعليا, مثل الغاء ورقة الضد وعدم الاعتداد بها في المحاكم. كما لابد من جوانب توعية للناس بأن المتاجرة بالتأشيرات هي متاجرة بالوطن, وان هذا اذا كان له فوائد عاجلة فإن آثاره السلبية بعيدة المدى ستنال أولاده. وبالتالي يكون تعديل القوانين متوازيا مع وضع الضوابط ورفع الوعي وسن القوانين الجديدة التي تسد الثغرات, ولابد ان نراعي هذا لان هذه مشاكل ظهرت على مدى 30 سنة وعلاجها لن يكون بين يوم وليلة. كما إننا عندما نطلب فتح الباب للاستثمار الاجنبي فلا يمكن ان نطلب فتح الباب على مصراعيه, فهذا يضر بالمستثمر الوطني, ولهذا لابد ان يتم الامر بتدرج وبخطوات محددة ومحسوبة وبنسب معينة حسب احتياجات كل قطاع, ومن يريد 100% فهناك المناطق الحرة. وهناك قطاعات يفترض ان فتح الباب للتملك الاجنبي فيها مثل العقارات يقتصر على الخليجيين والعرب وذلك من باب المعاملة بالمثل من ناحية وخلق نوع من التوازن من ناحية اخرى. ويكون التملك بشروط تسهم في تفعيل الاستثمار الاجنبي مثل ان تكون الملكية لوحدات منتجة أو اشخاص منتجين. وان يتم البدء في تعمير الارض مثلا في فترة زمنية محددة. وهناك مجالات عديدة يجب ان يقتصر العمل فيها على الخليجيين والعرب مثل القطاع الاعلامي, أما القطاعات الاخرى مثل الصناعة وغيرها من القطاعات التي تحتاج تكنولوجيا متطورة فيجب فتح المجال فيها بشكل واسع. أزمة وطنية * فتح المجال في سوق المال يهدد بتكرار ما حدث في صيف 1998 وزيادة حجم المضاربات واشعال الاسعار؟ ـ مشكلة سوق الأسهم في 1998 كانت وطنية 100% ولا علاقة للاستثمار الأجنبي فيها, كما ان قيام سوق منظم تحكمه ضوابط سيمنع هذه الممارسات السلبية. من ناحية اخرى, فإن فتح الباب في سوق المال يجب ان يكون بشكل أوسع للعرب والخليجيين وبشكل أقل للأجانب, فهذا من شأنه انعاش السوق والتقليل من مخاطر المضاربات. واذا لاحظنا ما حدث في أسواق دول شرق آسيا سنجد ان الباب كان مفتوحا للأجانب بشكل كبير جدا, ولكن نسبة 20% للأجانب مثلا مناسبة جدا ولا تشكل خطورة حتى اذا حدث ركود خارجي لن يكون هناك تأثير كبير علينا. حوار: عبدالفتاح فايد