يأتي النمو المضطرد في عدد منتجي البتروكيماويات في دول مجلس التعاون متسقاً مع توجه الحكومات الخليجية, لتقليل اعتماد اقتصاداتها الوطنية على عائدات البترول المتذبذبة, ونظراً لكون الوحدات الانتاجية الخليجية تتميز بطاقاتها الانتاجية الكبيرة بالمقاييس العالمية, ونظراً لصغر حجم السوق الخليجي تبنت الصناعة استراتيجية (التصنيع للتصدير) الامر الذي نتج عنه تنافس منتجي البتروكيماويات الخليجيين في الاسواق المحلية والخارجية. وفي مثل هذا المناخ فإن التنسيق بين المنتجين الخليجيين يكتسب اهمية متزايدة لتفادي المنافسة الضارة التي تنعكس سلباً على الجميع. لماذا يشكل التنسيق ضرورة ملحة؟ هناك العديد من العوامل والتطورات العالمية التي تجعل التنسيق ضرورة ملحة, لعل اهمها: ـ تذبذب دورة عمل الصناعة: يشكل التذبذب الدوري في دورة عمل صناعة البتروكيماويات العالمية احدى السمات المميزة لهذه الصناعة. وتأسيسا على ذلك فإن السمة تتطلب من المنتجين تكييف اوضاعهم للتعايش معها من خلال تقليل اثارها السلبية قدر الامكان. وهذا الامر يمكن تحقيقه من خلال تحقيق تكامل اكبر وتعاون اوثق بين المنتجين الخليجيين على وجه الخصوص. ـ ظاهرة الاندماج والاستهلاك: في نهاية عقد التسعينيات شهدت صناعة البتروكيماويات عملية اعادة هيكلة. اسفرت عن عدد كبير من الاندماجات وعمليات الاستهلاك بين الشركات والتحالفات التسويقية والتقنية. ولعل ابرز الاندماجات, تلك التي تمت او اعلن عنها بين شركات: بي بي ـ اموكو, اكسون ـ موبيل, وداو ـ يونيون كاربايد, شيفرون ـ فيليبس. ومن بين هذه الاندماجات يعتبر الاندماجات المخطط لها بين داو ويونيون كاربايد, ذو اهمية خاصة, لان الشركتين متخصصتان في انتاج الكيماويات, فيما تعتبر الشركات الاخرى شركات نفطية يشكل النفط ومشتقاته اكبر واهم انشطتها. اضافة إلى ذلك فإن الاندماج المخطط له بين داو, ويونيون كاربايد, سيجعل الشركة الجديدة ثاني اكبر شركة في انتاج الكيماويات على مستوى العالم. والقراءة الاولية لحركة اعادة الهيكلة في صناعة البتروكيماويات العالمية تنبيء بأنها ستؤدي إلى ما يلي: ـ سيكون للشركات المندمجة حصة اكبر في الاسواق العالمية وانتشار جغرافي اكبر. ـ سيؤدي إلى توفير اكبر في نفقات التشغيل نتيجة لدمج عمليات الانتاج والتسويق. فعلى سبيل المثال من المتوقع ان توفر الشركة الجديدة (داو ـ يونيون كاربايد) نحو 500 مليون دولار خلال السنتين الاولتين من اندماجهما. ـ تشكيل تحالفات تقنية تهدف إلى توحيد الجهود والامكانيات لتطوير تقنيات جديدة. ويتساءل التقرير الصناعي لمنظمة الخليج للاستشارات الصناعية الذي جاء بالنشرة الشهرية الاخيرة: ـ التعاون والتنسيق على المستويين الكلي والجزئي: في العادة يتم التعاون بين الاقتصاديات على مستويين: كلي وجزئى فعلى المستوى الكلي يتضمن ذلك تكامل اقتصاديات متعددة في تكتلات كبرى, يكون التركيز فيها على رفع حواجز التبادل التجاري فيما بينها. اما على المستوى الجزئى فيحصل التعاون والتنسيق بين الشركات والمؤسسات الانتاجية على مستويين: افقي ورأسي. ويوضح التقرير الذي وضعه د.عبدالوهاب السعدون مدير دائرة الاعلام والتنسيق الصناعي بالمنظمة انه لتقييم واقع التعاون على المستوى الجزئى بين شركات البتروكيماويات المنتجة في دول مجلس التعاون. تم تصميم استمارة استبيان جرى تعميمها على شركات منتجة للبتروكيماويات والاسمدة هي: سابك (السعودية), قابكو وقالفكو (قطر), ايكويت, وشركة الكيماويات البترولية (الكويت), وشركة الخليج للبتروكيماويات (البحرين). ويتضمن الجدول ملخصا لنتائج الاستبيان التي تم استلامها من الشركات المذكورة. وتظهر النتائج المدرجة في الجدول المذكور ان مستوى التعاون القائم بين منتجي البتروكيماويات, والأسمدة في دول المجلس غير مرض, وقد يكون أحد الأسباب الكامنة وراء ضعف مستوى التعاون عائد الى أن تلك الشركات مملوكة بالكامل أو بالأغلبية من قبل الحكومات, مما يجعل عملية اتخاذ القرار طويلة ومعقدة بعض الشيء. وعلى الرغم من ذلك فمن المؤمل ان يحصل تعاون أوثق في المستقبل القريب, من خلال مبادرات للشركات يتم من خلالها التعاون في مجالات لاتحتاج إلا الى قدر بسيط من الموافقات الرسمية, مثل: التعاون في مجالات: التدريب, تبادل المعلومات, تبادل مدخلات الانتاج, تبادل قطع الغيار.. الخ). مجالات التعاون المقترحة هناك مجالات كثيرة للتعاون فيما بين منتجي البتروكيماويات في دول مجلس التعاون وعلى أكثر من مستوى. وندرج فيما يلي بعض هذه المجالات المقترحة للتعاون: ـ تبادل المعلومات: يشكل تبادل المعلومات حجر الزاوية في أي تعاون وعلى أي مستوى. ومن هذا المنطلق, فان انشاء قاعدة بيانات للصناعات البتروكيماوية ستساعد ليس فقط في تحقيق قدر أكبر من التعاون والتنسيق بين منتجي البتروكيماويات في دول المجلس, بل تخدم كذلك تحقيق تعاون فيما بينهم وبين منتجي البتروكيماويات في مناطق اخرى من العالم. ومن المهم التأكيد على ان البيانات التي تتضمنها هذه القاعدة ليست بيانات ذات طابع سري, بل تلك التي يمكن مشاركة الآخرين بها. وبدون توفر هذه المعلومات فان التخطيط لإقامة المشروعات البتروكيماوية سيواجه الكثير من المصاعب, بعضها يمكن تجاوزه لو توفرت خبرة الآخرين ممن سبقوا في هذا المجال.. وتأسيساً على ذلك فإن ايجاد نظام لتبادل المعلومات في صناعة البتروكيماويات الخليجية أصبح حاجة ملحة تتطلب التنفيذ في أسرع وقت. ـ التسويق: بما ان القسم الأعظم من منتجات البتروكيماويات الخليجية يصدر الى الخارج, فان الحاجة تبدو ملحة لايجاد آلية للتعاون في مجال التسويق, بما يضمن تحقيق مصالح جميع منتجي البتروكيماويات في دول المجلس. وفي هذا السياق قد يكون مناسباً التفكير في تكوين تحالفات تسويقية.. ومن المعلوم ان هذا النوع من التحالفات الاستراتيجية يمكن ان يكون محدداً بتسويق منتجات معينة, أو ينحصر في أسواق معينة. وفي الوقت الحاضر هناك تحالف وحيد من هذا النوع في صناعة البتروكيماويات الخليجية, وهو التحالف القائم بين شركة الخليج للبتروكيماويات (البحرين) وكل من شركتي: سابك (السعودية), وشركة الكيماويات البترولية (الكويت). وبموجب هذا التحالف التسويقي تقوم شركة سابك بتسويق كامل انتاج شركة الخليج من الميثانول, فيما تقوم شركة الكيماويات البترولية بتسويق كامل انتاج شركة الخليج للأمونيا. ومما لاشك فيه ان مثل هذا التحالف يخدم مصالح الأطراف الثلاثة. وفي هذا السياق تقتضي الموضوعية القول بان هذا التحالف تم لأن شركة الخليج للبتروكيماويات هي مشروع مشترك بين حكومات كل من المملكة العربية السعودية والكويت, والبحرين, وبالتالي فان الشركات المذكورة تقوم بعملية التسويق لكونها تمتلك حصة في شركة الخليج للبتروكيماويات, وليس لكونه تحالفا تسويقيا بين منتجين مستقلين. وعلى العموم فان نجاح هذه التجربة تستدعي التفكير في تكرارها بين المنتجين القائمين لتقليل كلفة التسويق من خلال تسويق كميات كبيرة, بما يعطي الجهة القائمة بالتسويق موقفاً اقوى في عقد صفقات البيع مع الزبائن. ـ برامج البحث والتطوير: من المعلوم ان البحث والتطوير يحتاج الى استثمارات كبيرة, وفترة حضانة طويلة نسبياً قبل ان يعطي مردوداً اقتصادياً. وعلى هذا الأساس فان القسم الأعظم من برامج البحث والتطوير يتم ـ حتى في الدول الصناعية ـ من خلال مشاركة أكثر من طرف. ومن هذا المنطلق فان توحيد الجهود بين منتجي البتروكيماويات في دول مجلس التعاون, سيساعد ـ بلاشك ـ في تجاوز الصعوبات المبينة. وفي هذا السياق فإنه من المقترح ان يتم مثل هذا التعاون من خلال: * برامج بحث تعاونية يشترك فيها عدد من المنتجين في دول المجلس, يساهم كل منهم في تمويل هذه البرامج وتوفير الكفاءات البشرية المتخصصة للقيام بها: داخلياً, أو من خلال التعاقد مع مراكز البحث والتطوير الاقليمية أو الخارجية. * المشاركة في برامج بحث وتطوير تركز على تطوير طرق الانتاج المتماثلة المستخدمة في الوحدات الانتاجية بالذات في مجال طرق انتاج المنتجات الأساسية والوسيطة. وعلى الرغم من ضعف القاعدة العلمية وحداثة الدخول في ميدان صناعة البتروكيماويات, فان التعاون في مجال البحث والتطوير يكتسب أهمية متنامية للمنتجين في دول المجلس: لتقوية مركزهم التنافسي من جهة, ولتقاسم الكلفة العالية التي يتطلبها البحث والتطوير: المادية منها والبشرية, لتحقيق أهداف المنتجين في عملية توطين التقنية. ـ الانتاج: تحتم طبيعة صناعة البتروكيماويات التي تتطلب استثمارات ضخمة المشاركة بين أكثر من طرف. وعلى الرغم من هذه الحقيقة, فان الملاحظ في صناعة البتروكيماويات الخليجية غياب مثل هذه المشاركة في مجال الانتاج. ومن المعلوم ان هذا النوع من التعاون يحقق للأطراف المشاركة فيه مزايا كثيرة منها: إمكانية تقاسم التكاليف الاستثمارية العالية التي يتطلبها إقامة وحدات انتاج ذات طاقات انتاجية عالية, فعلى سبيل المثال يمكن اقامة وحدة لتكسير الإيثان بطاقة انتاجية تبلغ نحو 800 الف طن من الايثيلين, من خلال مشاركة 3 من منتجي البتروكيماويات في دول المجلس, يحصل كل منهم على نحو 270 ألف طن من الايثيلين, وهي أقل بكثير من الحد الاقتصادي الادنى لإقامة وحدة لانتاج الايثيلين. ومثل هذه الوحدات التي تتطلب كميات ضخمة من الايثيلين, من الممكن ان تقام في الدول الخليجية الغنية بالغاز لتجاوز أزمة توفر الايثان التي تعيق بناء مثل هذه الوحدات في بعض دول المجلس. ـ آلية التعاون المقترحة: ان اتساع القاعدة الانتاجية للبتروكيماويات في دول مجلس التعاون, يتطلب من المنتجين التفكير جدياً في تكوين تجمع أو جمعية لمنتجي البتروكيماويات, يتم من خلالها تبادل الخبرات والمعلومات والموارد في المجالات المشتركة مثل: التسويق, الانتاج, التدريب... الخ, ومثل هذا التجمع سيشكل منبراً لمناقشة التحديات والفرص الخارجية التي تواجه صناعة البتروكيماويات الخليجية واتخاذ موقف مشترك منها, بما يحمي مصالح جميع المنتجين. ومن خلال هذا التجمع يمكن التوصل الى سياسات واستراتيجيات موحدة الى أقصى حد ممكن تساعد في تبادل المعلومات, والبيانات وتبادل مدخلات الانتاج وقطع الغيار, كذلك سيتم من خلال هذا التجمع تحقيق تنسيق أكبر فيما بين منتجي البتروكيماويات في دول المجلس: في قيام مشاريع مشتركة في مجال انتاج البتروكيماويات الأساسية والوسيطة, وكذلك التعاون في مجال الشحن المشترك للمنتجات لتقليل التكاليف وتحقيق المصالح المشتركة الكفيلة, الأمر الذي سينعكس على تحقيق قدر أكبر من التنسيق والتعاون بين المنتجين في دول المجلس في المستقبل المنظور, بإذن الله.