أعدت الحكومة المصرية تقريرا حول الضوابط اللازمة عند تنفيذ مشروعات البناء, والتشغيل, ونقل الملكية نظام B.O.T فضلا عن تحديد ملامح البرنامج المستقبلي للحكومة لتشجيع دخول رؤوس المال الخاص سواء المحلي أو الأجنبي أو العربي في كافة مجالات الاستثمار التي يحتاج لها الاقتصاد من بناء محطات كهرباء, وتحلية مياه الشرب, وخطوط السكك الحديدية والموانىء. (البيان) تتناول ماهية الضوابط التي يراها خبراء الاقتصاد والقانون عند تنفيذ المشروعات بنظام B.O.T وتحديد إيجابيات وسلبيات هذا النموذج للاستثمار في مشروعات المرافق والبنية الأساسية. في البداية يقول المستشار محمود فهمي رئيس هيئة سوق المال السابق وصاحب خطر القوانين الاقتصادية في مصر مؤخرا أن هذا النظام ليس جديداً علينا كما يروج البعض إذ أن مصر عرفته منذ عام 1854 حيث تم تأسيس شركة قناة السويس كشركة مساهمة بهذا النظام ثم هيئة السكك الحديدية أثناء الحرب العالمية الأولى وهيئة التليفونات تضمن أول دستور مصري خرج عام 1923 في ظل حكومة الوفد في المادة 137 الخاصة بعقود الإدارة والتشغيل ونقل الملكية, وحافظ عليها الدستور الحالي الذي صدر عام 1971 في مادته رقم 123 بخصوص تنظيم قواعد وإجراءات عقود الالتزام. ويضيف فهمي أن القانون المدني رقم 129 لسنة ,1947 وقانون عام 1996 بشأن تنظيم منح الالتزامات المرافق العامة للمستثمرين المحليين والأجانب مشددا على أن القانون الأخير ألزم القطاع الخاص القيام بعمليات الصيانة للمشروع قبل إعادته إلى الحكومة عقب انتهاء فترة الامتياز التي تراوحت في مصر بين 20 إلى 50 عاما حسب نوع المشروع وحجم الاستثمارات الداخلة فيه, وموقع إقامة المشروع بحيث يكون المشروع صالحاً للاستخدام والتشغيل. ويطالب بضرورة أن يكون للحكومة دور بارز في حفظ التوازن بين مصالح المجتمع, والقطاع الخاص المنفذ للمشروع بحيث يمنع تسريح العمالة أو رفع سعر المنتج النهائي عن قيمة تفوق قدرات فئات المجتمع وألا يسمح بتحويل نسبة من الأرباح تفوق 20% من إجمالي الأرباح سنويا للخارج فضلا عن تدبير أصحاب المشروع جزء من رأسمال المشروع من الخارج وليس عن طريق الاقتراض من البنوك المحلية تجنبا للضغط على حجم السيولة في السوق مثلما حدث في الشهور القليلة الماضية. ويشير فهمي إلى أن هذه المشروعات ليس لها تأثير سلبي على حركة التداول داخل البورصة وإنها ستشجع على الاستثمار وجذب صغار المستثمرين أو عند زيادة رأسمال صناديق الاستثمار أو الشركات المفيدة في البورصة علاوة على أنها ستستوعب أيدي عاملة جديدة في قطاعات حيوية مثل توليد الكهرباء وإدارة الموانىء وتحلية المياه إلا أنه أبدى تخوفه من زيادة عمليات جلب العمالة الأجنبية لهذه النوعية من المشروعات B.O.T مما يشكل ضغطا على الفرص المحلية للعمالة والتوظيف في سوق عمل يشغل نسبة البطالة فيه نحو 13% من إجمالي عدد السكان البالغ 62 مليون نسمة. وينصح فهمي أن تقوم الحكومة بالتدقيق في نوعية المشروعات المقدمة من ناحية دراسات الجدوى الاقتصادية, تفاديا ما حدث في مشروع إنشاء ميناء العلمية (غرب مصر) من مخالفات بعد مرور عامين على الترخيص للشركة الخاصة بالامتياز. ويتفق الدكتور سيد الشرقاوي أستاذ القانون التجاري بكلية حقوق عين شمس مع ما سبق و يضيف أن عمليات إتاحة الترخيص بمشروعات الـ B.O.T انتشرت مثل فيروس (الانفلوانزا) ووصلت إقامة جراجات متعددة الطوابق في شوارع مثل الأزهر, وجامعة الدول العربية بمنطقة المهندسين ثم اكتشف بعدها انها غير صالحه للتنفيذ ويستغرق إقامتها من 4إلى 5أعوام ويصعب تنفيذها عمليا ويضر بمصلحة المواطن بتعطيله طوال فترة تنفيذ المشروع في مناطق متكدسة مروريا مطالبا أن يتم التروي في منح هذه الرخص للشركات عموما والأجنبية خصوصا من قبل الحكومة والإدارات المحلية حتى يتم دراسة جدواها والتأكد من إيجابيتها للمجتمع علاوة على البدء في تنفيذها خطوة خطوة في قطاعات بعينها دون غيرها فقط على أن يتم تقييم مدى نجاحها في هذا المجال قبل التشعب والتنوع في مجالات أخرى ذات حيوية للاقتصاد المصري. وقد خلصت إحدى الدراسات الاقتصادية الحديثة إلى توصيات هامة يجب الأخذ بها عند تنفيذ مشروعات الـ B.O.T تشمل إنشاء جهاز خاص بمجلس الوزراء لمتابعة تنفيذ وإدارة المشروعات التي تقام بنظام حق الانتفاع يتولى هذا الجهاز تقييم المشروع والإشراف والمراقبة على مدى التزامه بنص اتفاقية إنشائه مع التركيز على نقل التكنولوجيا في هذه المشروعات الجديدة. واقترحت الدراسة الذي أشرف عليها الدكتور جمال الدين نصار وتمت مناقشتها في كلية هندسة عين شمس مؤخرا إقامة نظام متكامل تستطيع من خلاله الدولة المستفيدة من المشروعات بنظام B.O.T اتخاذ قرارها السليم بما يضمن أقصي عائد ممكن من هذه المشروعات. وحددت الدراسة النظام المقترح في عدة إجراءات تبدأ ببناء البنية الاقتصادية والقانونية, والإدارية لتشجيع واستقبال الاستثمارات الأجنبية بشكل عام واستثمارات مشروعات الـ B.O.T بشكل خاص مع المفاضلة بين تنفيذ المشروع بهذا النظام أو التنفيذ الحكومي لها. مؤكدة على أهمية العمل على تطوير الصناعات المحلية ودعمها لتستطيع المنافسة والدخول بتلك المشروعات بشكل افضل مع الاتجاه لدعم نظام (اللامركزية) في إدارة وتشغيل مشروعات حق الانتفاع. اعتماد هذه النوعية من المشروعات في مصر يعود إلى قلة الموارد الذاتية لدي الحكومة لتمويل جميع الاحتياجات الاستراتيجية من المشروعات بعدما أنفقت نحو 320 مليار جنية طوال 19 عاما مضت على إعادة تهيئة وإصلاح المرافق الأساسية وندرة فوائض رأس المال (المدخرات) المحلية 18% من إجمالي الناتج القومي, وقد وضعت الحكومة نصب أعينها الوصول بمعدل النمو الاقتصادي من 3.5% إلى 8% سنويا في غضون عشر سنوات وهو ما يتطلب استثمار نحو 25% من إجمالي الناتج القومي المحلي لن يتأتى ذلك إلا بمنح مزايا للاستثمارات الأجنبية والعربية, وإعفاءات ضريبية لتوطين هذه الاستثمارات في مصر إلا أن الخبراء يؤكدون على ضرورة التدقيق والتمحيص في طلبات المشاركة في عمليات تنفيذ المشروعات بنظام التشغيل والانتفاع التي تتزايد يوميا, محذرين من خطورة عدم التزام المستثمر الأجنبي بتوفير التمويل اللازم من الخارج لتنفيذ هذه المشروعات حتى لا يؤدي سحب هذه الملايين من الجنيهات من السوق المحلي إلى تأثير سلبي على محاولات حل مشكلة الطلب على الدولار لسد الاحتياجات الأخرى. ومن جانبه يؤكد المهندس جميل مسعد مستشار وزير قطاع الأعمال العام في مصر على أننا نحتاج إلى 10 مليارات دولار سنويا استثمارات خارجية مباشرة من الخارج أي يأتي المستثمر ويقيم مشروعات في مصر توفر فرص عمالة للمصريين وتنشيط الاستثمار غير المباشر في مصر عبر البورصة والبنوك وشركات التأمين مع الزيادة المضطردة للسكك ونقص التمويل اللازم من الدولة للمشروعات بحيث يصبح الحل هنا جذب أموال من الخارج لاستثمار بدلا من تقديم السيولة محليا على أن تساهم الدولة بالأراضي لمشروعات حق الانتفاع التي تقوم بتمويلها الشركات الكبرى التي لديها الأموال اللازمة من الخارج. ويلفت مسعد إلى أن البنوك المصرية يمكن أن تساهم مع هذه الشركات مما يحسن أداء هذه البنوك المحلية خصوصا أن دول العالم ومنها أمريكا وأوروبا والصين نجحت في جذب الاستثمار الخارجي المباشر كمناطق حرة أو غير مباشر خلال البورصة للأوراق المالية وشركات التأمين والبنوك. بينما يرى محمود عبد العزيز رئيس اتحاد البنوك العربية أن نظام حق الامتياز ليس بجديد على مصر فلو عدنا بالتاريخ إلى الوراء فنجد عدة نماذج للاستثمار بهذا النظام منها شركة كهرباء الإسكندرية وقناة السويس, الشركة المصرية الجديدة وتلجأ الدولة إلى هذه الاستراتيجية لتوفير المرافق والخدمات لجميع أفراد الشعب عندما تعجز الدولة عن توفير هذه الخدمات خلال فترة قصيرة منبها إلى أن الحل البديل يكون في قيام شركات خاصة بتنفيذ هذه المشروعات من خلال جهات تمويل تسترد المبالغ التي صرفتها خلال مدة الامتياز. ويتفق عبد العزيز في وجهة النظر بضرورة حدوث تعديل المشروعات والقوانين بما يتيح تنفيذ المشروعات بهذا النظام وكذلك لضمان حقوق الشركات التي سيسند اليها تنفيذ هذه المشروعات خصوصا أنه سيتم استردادها بنظام B.O.T خلال فترات زمنية طويلة حيث أن مناخ الاستثمار في هذه المشروعات يحتاج الى نوع من الأمان والاستقرار الاقتصادي والسياسي للدولة. ويضيف عبد العزيز انه يجب ان تضمن اشتراطات الاتفاقيات حق الانتفاع نوعا من تعظيم استخدام جانب من المنتجات المحلية في تنفيذ المشروعات وكذا العمالة المصرية حيث أن ذلك من شأنه إتاحة فرص عمل للمصريين وفي نفس الوقت الحد من الاستيراد من الخارج لمنتجات لها مثيل في السوق المحلي مؤكدا أنه كلما تم فتح فرص للمنتج المصري للبيع فإن المصنع سوف يضطر ويجود من إنتاجه وينافس في الأسعار بزيادة التوزيع. وينبه رئيس اتحاد البنوك العربية حاليا والمصرية سابقا إلى ضرورة أن يكون التمويل لهذه المشروعات من بنك خارج البلاد خاصة بالنسبة للشركات الأجنبية المستثمرة من أجل توفير النقد الأجنبي اللازم من الخارج لشراء المعدات اللازمة للمشروعات وذلك تجنبا لحدوث ضغط طلب على الدولار من البنوك المصرية مطالبا أن ينفي الاتفاقيات على هذه النقطة الهامة في بنود العقد. وفي نفس الوقت يلفت رئيس بنك الإسكندرية والتعمير المهندس طلعت أبو سعدة على نقطة أخرى مهمة هي أنه لا يوجد في مصر قطاع خاص ذات كيان اقتصادي قوي ومصادر تمويل محلية تستطيع القيام بتنفيذ هذه المشروعات العملاقة لذلك لا يلزم اللجوء إلى مساهمة الشركات الأجنبية للقيام بتنفيذ هذه المشروعات بالمشاركة مع الشركات المصرية. وبالنسبة للاستعانة ببيوت الخبرة والاستشارات الأجنبية يؤكد أبو سعدة على أن الخبراء المصريين لديهم قدر عال من الكفاءة على وضع الشروط الملائمة لظروف الدولة أكثر من الخبراء الأجانب خصوصا انه يجري حاليا تنفيذ مشروعات بهذا النظام سبق أن تم تنفيذ مثيل لها محطات المياه والصرف الصحي, والاتصالات, والسكة الحديد بمعرفة أجهزة الدولة كما أن هذه الأجهزة لديها الخبرة الكاملة لوضع الشروط والمواصفات لمثل هذه المشروعات. وعلى مستوى القطاع الخاص يفند المهندس هشام طلعت مصطفى نائب رئيس إحدى مجموعات المقاولات والتشييد التي حصلت على عدة مشروعات بحق الانتفاع مع شركاء سعوديين ادعاءات أن القطاع الخاص يريد السيطرة على السوق ونقل الاحتكار الحكومي للمرافق والخدمات إليه مشيرا إلى أن الحكومة اعتمدت منهج منذ 1981 أن القطاع الخاص شريك أساسي في عملية التنمية مما يؤكد على نجاحه في إدارة هذه المشروعات الخدمية بحق الانتفاع الذي تعود بالنفع على قطاعات اجتماعية في مناطق نائية عديدة كما أنها تعطي (النظام) فرصة لتكوين شركات يساهم فيها بحيث تضمن لهم عائدا معقولا يزيد على فوائد الودائع والبنوط وذلك عبر تأسيس شركات مساهمة وتطرح سندات أو أسهم في البورصة للاكتتاب العام. ويقلل من مخاوف مشاركة القطاع الخاص الأجنبي لنظيره المصري هذه المشروعات إذا كانت الريادة في المشاركة للشريك المصري وإن ذلك يشجع التمويل الأجنبي على الاستخدام من الخارج إلى التوطين في مصر من خلال هذه الشركات المساهمة الاستثمارية ويجب تشجيع ذلك خصوصا أنها محل الحكومة في حمل أعباء الاستثمار في إقامة البنية الأساسية من طرق, وإنفاق, وموانئ, ومطارات أو استخراج الثروات الطبيعية أو إدارة المرافق عموما. ويؤكد على أن الحكومة قدمت ومازالت تقدم الكثير من التسهيلات لتشجيع المستثمرين المحليين والعرب والأجانب, وتدخل التعديلات اللازمة في القوانين الاقتصادية الحالية لكي تتواءم مع طبيعة المرحلة مثل الإعفاءات الضريبية, وتخفيضات بشرائح الضرائب مؤكدا على أن هذه الإجراءات تعد أحد العوامل الأساسية في تشجيع الامتياز علاوة على توافر الاستقرار السياسي الذي يعتبر الحافز الرئيسي لتشجيع المستثمرين. بينما يتحفظ الدكتور حمدي عبد العظيم أستاذ الاقتصاد وعميد معهد البحوث والدراسات الاقتصادية بأكاديمية السادات للعلوم الإدارية على أنه يجب تفضيل الشركات المصرية منح حق الانتفاع من هذا النظام وأن تكون آليات التمويل مصرية حتى تعود الربحية من خلال هذه المشروعات الخدمية إلى داخل الدولة بدلا من نزح الأرباح وخروجها لأصحاب الشركات الأجنبية مطالبا بخلق آليات تنظم ذلك وحظر تحويل نسبة معينة من أرباح هذه المشروعات للخارج وفرص استثمارها سواء بإجراء توسعات في المشروع أو تدويرها في السوق المحلي. ويشير عبد العظيم إلى أن حمى مشروعات B.O.T التي اجتاحت مصر بدخولها في شتى المجالات دون اقتصارها على قطاع معين للرهن والتقييم قبل التوسع فيها الدراسة نتائجها للاقتصاد الوطني حيث أن هناك مشروعاً لميناء العين السخنة لإقامة محطات وساحات تداول الحاويات, وميناء شرق التفريعة ببورسعيد, وإنشاء رصيف للحاويات بميناء الأدبية وإقامة محطات الكهرباء ومطار مرسى علم, وجراجات, مطالبا بوضع نقطة هامة في الاعتبار عند الأخذ بأنظمة الاستثمار بحق الانتفاع والتشغيل مع تقديره لحوافز وضمانات الاستثمار ولتقليل حجم المخاطر على كاهل المستثمرين الا أننا يجب أن نراعي بعض الضوابط العامة للحفاظ على مصلحة الدولة العليا وحقوقها بما لا يقيد حرية المستثمرين في إدارة المشروع بالطريقة التي يراها ليحقق عائدا على استثماراته. ويضيف عبد العظيم أنه يجب عقد لقاءات مفتوحة بين المستثمرين والجهاز الحكومي لبحث المعوقات والمشاكل ومناقشة سبل حلها بحيث يتم مراجعة المشروعات التي نفذت فعلا في البحر الأحمر محطات تحلية مياه الشرب مثلا وما نتج عنها من إيجابيات أو سلبيات سواء كان ذلك بالنسبة للتمويل أو التقييم لاستخلاص الدروس المستفادة منعا لتكرار الخطأ. القاهرة ـ حسين عبد الهادي