لا يدل ما تشهده بيروت من بناء فنادق أنيقة تعيد اليها شهرتها كمقصد سياحي مزدهر على ما يعانيه لبنان من مشاكل مالية وسياسية متفاقمة. ويتناقض جو التفاؤل الذي اشاعه افتتاح فندق فينيسيا بتكلفة بلغت 105 ملايين دولار في حفل باذخ في مارس الماضي، وسط حملة اعلانية سلطت الاضواء على ماضي لبنان السياحي البهيج مع توخي المستثمرين الحذر وتأخيرهم مشروعات بسبب مخاوف أمنية. لكن هؤلاء منهم الذين يتمتعون بالجرأة يعيدون بناء فنادق دمرتها الحرب الاهلية التي احتدمت 15 عاما من 1975 الى 1990 أو يشيدون أخرى جديدة أغلبها في بيروت. فسلسلة فنادق هوليداي ان افتتحت فندقين في العامين الماضيين. وفي يناير بدأت مجموعة الحبتور الاماراتية احدي أكبر المؤسسات في الشرق الاوسط بناء فندق يتكلف 53 مليون دولار. وفي عام 1996 اعيد افتتاح فندق الكومودور الذي اشتهر عندما استخدمه صحفيون عالميون كقاعدة لتغطية الحرب الاهلية. وانضم الكومودر في نهاية 1999 الى مجموعة الميريديان. ولكن اصحاب الكومودور غير متأكدين انهم يستطيعون الاستمرار في تحقيق نسبة اشغال بلغت بين 80 و85 في المئة في مارس. وقال تقرير من دار أرثر أندرسون للاستشارات ان عددا ملحوظا من الغاء الحجوزات حدث بعد القصف الاسرائيلي للبنان في الصيف الماضي. كما أفاد أصحاب فنادق بالغاءات مماثلة بعد هجوم اسرائيلي في فبراير ويتوقعون المزيد بعد القصف الاسرائيلي يوم الجمعة الماضي. وقال التقرير ان المتوسط العام للاشغال هبط من 2.69 في المئة في 1998 الى 8.64 في المئة في العام الماضي. ويعتقد خبراء اخرون انها تقديرات عالية جدا. ويقع فندق فينيسيا في حي الفنادق المشهور على طرف وسط المدينة المطل على البحر المتوسط. ولا تزال المنطقة تحمل عبق تاريخها الذي كان. أما فندق سان جورج الذي كان (مركز مراكز) الشبكات والغموض في الشرق الاوسط فلا يزال هيكلا محترقا بسبب مشاكل ينسبها أصحابه الى البيروقراطية. قال فادي خوري رئيس الشركة المالكة للفندق (عوملت مثل الكلب وانا انتظر أمام أبواب المسئولين لمدة سنوات للحصول على تصريح في وقت كان يتحدث فيه الجميع من الرئيس الى الوزراء عن مساندتهم لهذا الرمز المحبوب) . ويقول خوري انه يستطيع افتتاح الفندق المؤلف من خمسة طوابق في غضون عام اذا حصل على التصريح اللازم. وقال انه انفق 30 مليون دولار في شراء انصبة مساهمين آخرين وبناء جزء من ملحق وضم عقارات والقيام باعمال طلبتها الحكومة المثقلة بالديون. ولا يزال فندق سان جورج بطرازه المعماري الفرنسي البسيط الذي يعود الى الثلاثينات بارزا للعيان خلف سقالات صدئة. في الايام الخوالي كان الصحفيون والجواسيس والسياسيون وكبار رجال الاعمال يجتمعون في حانة الفندق يتباحثون ويتناقشون ويعقدون الصفقات ويخططون للانقلاب القادم أو يحصلون على سبق صحفي كبير. كان لبنان وقتئذ مقرا لمؤسسات دولية في الشرق الاوسط وكانت بيروت مقصدا سياحيا رئيسيا. اما الآن فيواجه المستثمرون متاهات بيروقراطية بين دهاليز الادارات التي يتنافس كل منها على انها المرجع أو جهة الاختصاص وقوانين عثمانية غامضة وتردد الحكومة في سد فراغ قد يسبب عدم استقرار بعد ان تنهي اسرائيل في يوليو احتلالها للجنوب اللبناني الذي استمر 22 عاما. ويقول رؤساء شركات على اتصال مع مستثمرين دوليين يمتلكون عقارات في حي الفنادق ان عدم وضوح الرؤية على الساحة السياسية يعطل مشروعات البناء. أما مشروع فندق فور سيزونز للمستثمر السعودي الامير الوليد بن طلال ويضم 265 غرفة فقد تقرر تأجيله أيضا. قال رئيس شركة عليم بالمشروع (انه لن يمضي قدما في مشروع يستثمر فيه 250 مليون دولار في الظروف الحالية) . كما ان المالكين العرب لفندق هيلتون 485 غرفة الذي دمر بينما كان يستعد للافتتاح في 1975 ليسوا في عجلة من أمرهم. وهم على خلاف مع الدولة التي تطالبهم برسوم للحصول على ترخيص تضيف الى تكلفة المشروع عدة ملايين من الدولارات. وساعدت قلة المنافسة على ازدهار فينيسيا الذي يضم 450 غرفة ويواجه سان جورج ويقول ان نسبة الاشغال في برجه الاول الذي استكمل ويضم 200 غرفة بلغت 75 في المئة بالاضافة الى حجز كامل لقاعات المؤتمرات وخدمة توريد الاغذية والمشروبات ومستلزمات المادب الاخرى. قال مدير الفندق فرانسوا شوبينيه (بيروت لم تكن على خريطة المؤتمرات الكبرى قبل ان نفتح فندقنا.. هذا النشاط كان يمكن ان ينتقل الى دبي او القاهرة او اسطنبول) . لكن رجاء مكارم رئيس شركة المستشارون العقاريون (رامكو) يقول ان جزءا كبيرا من نشاط فينيسيا انما سحب من فنادق أخرى. قال ان مشروع الفينيسيا ساعد على الاقل في استقرار أسعار العقارات في حي الفنادق بعد هبوطها لكن اقامة المزيد من المشروعات المماثلة يتطلب تدفقا متواصلا من الدخل حتى يمكن افتتاحه. وتابع انها اوقات صعبة لصناعة الفنادق بوجه عام ويصعب قدوم مستثمرين جدد بدون التوصل الى اتفاق سلام مع اسرائيل وازالة البيروقراطية المعوقة. ـ رويترز