ان الحديث عن التحديات التي تواجه التنمية بدول مجلس التعاون الخليجي في الوقت الراهن يعتبر امتدادا لحديث مستمر للأسف منذ سنوات طويلة وذلك بظل غياب المعالجات الجذرية والجدية للكثير من المعوقات والمشاكل التي تواجه التنمية في هذه الدول الأمر، الذي يفرض التأكيد مجددا على أهمية وضع منهج سليم للتعامل معها, والتعرف على الامكانات والموارد المتاحة, وكيفية توفير السياسات والمستلزمات الضرورية لمواجهتها. ان عامي 1999 و2000 شهدا تحسنا كبيرا في أسعار النفط وذلك بعد ان كان عام 1998 قد شهد تدهورا في الاسعار. وعلى الرغم من التحسن فإن جميع دول المنطقة بنت ارقام ايراداتها على أساس مستوى متحفظ لسعر النفط يتراوح حول 15 الى 18 دولارا للبرميل. ومن المتوقع ان تستقر أسعار النفط خلال العام 2000 عند مستويات جيدة مما ينبىء بقدرة دول المنطقة على تحقيق معدلات نمو افضل خلال العام وانتعاش نسبي تشهده العديد من القطاعات. كما تسعى دول المنطقة الى ان يتزامن هذا التحسن مع مواصلة تنفيذ اجراءات الاصلاح الاقتصادي مثل اعادة تسعير بعض الخدمات الحكومية المقدمة مع رفع كفاءة أداء القطاع العام وتخصيص بعض المشروعات الحكومية والمرافق العامة وتحرير العديد من القطاعات الاقتصادية أمام الاستثمارات الاجنبية وغيرها من الاجراءات. ومن الواضح إذن ان التحديات التي تواجه دول المنطقة لا تقتصر على رسم خارطة أوجه الايراد والانفاق الحكوميين بحسب أولويات معينة فحسب, وإنما تشمل التحديات التي تواجه المجتمع ككل وتطال مختلف شرائحه الاجتماعية. ان المسئولية لن تنحصر هنا في محاولة تعزيز وضع الايرادات الحكومية ـ التي يرتبط تحسنها للأسف بعوامل خارجية خارجة عن سيطرتنا في الغالب ـ وإنما تتجاوز ذلك لتطال خطط وتوجيهات التنمية ككل, فالظرف الصعب الذي تمر به دول المنطقة يمثل فرصة ملائمة لمراجعة تلك الخطط والتوجهات باتجاه تكريس قيم ومفاهيم جديدة للتنمية تمثل الحل طويل الأمد لمعضلة تقلبات أسعار النفط ومن ثم ايراداته, إننا نأمل ان يكون تشكيل المجالس العليا للتنمية بدول المنطقة يمثل الخطوة الأولى الضرورية لتلك المراجعة ووضع الحلول البديلة. والى جانب ذلك, فإن الحديث عن التوجهات المستقبلية لخطط التنمية الاقتصادية لابد ان يتناول النواحي الاقتصادية والمجتمعية الاخرى, وخاصة فيما يتعلق بالتكامل الاقتصادي ودور القطاع الخاص, وبرامج الاصلاح الاقتصادي وتنمية الموارد البشرية ووضع الاهداف والسياسات والاجراءات الملائمة لتحقيق هذه الاستراتيجيات. فلابد من تسريع الخطوات لتحقيق التكامل الاقتصادي بين دول المجلس وذلك من خلال الاهتمام بالبعد التكاملي في خطط وبرامج التنمية بدول مجلس التعاون مع التوسع في المشروعات الخليجية المشتركة والسعي لانشاء السوق الخليجية. كذلك لابد من تبني برامج لزيادة مساهمة القطاع الخاص في التنمية سواء من خلال الاستثمارات الجديدة أو برامج الخصخصة مع مراعاة الابعاد الاجتماعية ودراسة التحديات التي تفرضها العولمة وما بعد مرحلة قيام منظمة التجارة العالمية كي تتعامل معها دول المجلس مجتمعة ككيان اقتصادي موحد وكذلك التنسيق بين خطط التنمية في دول مجلس التعاون في ضوء خبرات التخطيط الماضية والمتغيرات المحلية والاقليمية والعالمية الجديدة. أما بالنسبة لبرامج الاصلاح المالي والاقتصادي, فإنها يجب ان تستهدف مواجهة العجز في الموازنات العامة في دول المجلس والحرص على تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاهتمام بالتطوير التقني كأحد أهم محاور السياسات الاقتصادية وتنسيق اسواق العمل بين دول مجلس التعاون بهدف معالجة مشكلة البطالة في دول المجلس واحداث تغييرات ايجابية في التركيبة السكانية. لقد برزت خلال العام الماضي دلائل متزايدة على استعداد دول المنطقة لفتح الابواب بصورة أكبر أمام الاستثمارات الاجنبية واتخذت على هذا الصعيد اجراءات عملية بالفعل في البحرين وعمان والكويت والسعودية, الا ان المطلوب وضع استراتيجية واضحة لهوية الاستثمارات التي نريد استقطابها وفي أي المجالات ومن أجل ماذا من الغايات, فليس كل الاستثمارات الاجنبية مفيدة ومرغوبة, بل انها قد ينجم عنها عواقب وخيمة اذا ما أطلقت دون توجيه أو تقنين. حسين محمد