تستند الولايات المتحدة الأمريكية في مكافحة ظاهرة الاحتكار محلياً الى ثلاثة قوانين: القانون الأول (قانون شيرمان) الذي وضع عام 1890م والذي ينص على (أي عقود أو اتفاقيات أو اندماجات أو مؤامرات خفية لتقييد التجارة أو الحد من حريتها، يعتبر عملاً غير شرعي, وبالتالي فان أي شخص يعمل أو يحاول ممارسة الاحتكار في التجارة بأية صورة كانت يعتبر نشاطه نشاطاً غير شرعي) . القانون الثاني (قانون هيئة التجارة الفيدرالية) الذي وضع عام 1914م والذي ينص على (تحريم المنافسة غير العادلة في التجارة) . ثم تعديلاته التي نصت على (تحريم المنافسة غير العادلة في التجارة والغش التجاري) . ثم القانون الثالث وهو (قانون كلايتون عام 1914م, وتعديلاته التي عرفت بقانون سيلر ـ كيفافر عام 1950م). حيث نص في المادة السابعة منه على (تحريم أي تملك أو حيازة لأية أصول رأسمالية أو مخزون سلعي في مجال التجارة وفي أية بقعة في الولايات المتحدة الأمريكية من شأنه ان يسبب ضعفا في المنافسة أو صورة من صور الاحتكار) . ومن هنا يتضح لنا ان تحريم الاحتكار في الولايات المتحدة الأمريكية له مقاصد ومفاهيم واهداف محددة. ان المبدأ الذي تستند اليه الرأسمالية المعاصرة اليوم هو ليس مبدأ المنافسة الحرة (الكاملة) كما تردد في النظريات الاقتصادية. حيث ان مبدأ المنافسة الكاملة ما هو الا مبدأ نظري مثالي يستخدم كمعيار ضابط يقاس عليه الحالات الاخرى التي يكون عليها سوق المنافسة. وفي الحقيقة فان المنافسة السائدة في السوق اليوم هي المنافسة الاحتكارية والتي لاتتعارض مع القوانين اطلاقاً. وهذا يعني ان حملة التجزئة التي قادتها السلطات في الولايات المتحدة الأمريكية ضد مايكروسوفت لا تعني أبداً محاربة الاندماجات بين الشركات أو الوقوف ضد كبر حجم الشركة. فلو ان حجم مايكروسوفت بلغ عشرة اضعاف حجمها الحالي ولم تمارس الاحتكار بمختلف صوره وأشكاله فانها بالطبع لن تتعرض الى المساءلة من قبل السلطات. ان الاحتكار لايعني بالطبع احتكار الماركة أو العلامة التجارية. فكل القوانين تبيح احتكار الماركة التجارية بل ان السلطات تقف مع ذلك الاحتكار وتحميه بقوانين وتشريعات صارمة. فالماركة أو العلامة التجارية ملكية خاصة محمية بقوة القانون من أية اعتداءات أو تقليد أو غش أو تزوير وهي تعتبر أصلاً من الاصول الرأسمالية المعنوية ولها قيمة اقتصادية ومحاسبية في السوق ويمكن استغلالها وتأجيرها والتصرف بها وتداولها. أما المفهوم الحقيقي للاحتكار الذي تحرمه القوانين هو حجب السلعة أو الخدمة (المنتج) عن سوق المنافسة ومنع الآخرين من انتاج البدائل المناظرة له والتي تشبع رغبة المستهلك وحاجته بنفس القدر من المنفعة التي تحققها له تلك السلعة المحتكرة بحجة ملكية المنتج للماركة التجارية الخاصة بانتاج تلك السلعة. فاذا قامت المؤسسة أو الشركة أو التاجر الفرد المنتج لتلك السلعة أو الخدمة بممارسة هذا النشاط الاحتكاري بأية صورة من صوره اعتبر ذلك عملاً غير شرعي ويعاقب عليه القانون بغض النظر عن حجم المنشأة في السوق, أو مركزها المالي أو الاقتصادي. فالقضية اذاً ليست قضية كبر حجم مايكروسوفت بقدر ماهي قضية نوع النشاط الذي تتم ممارسته. ولذلك سميت السوق بسوق المنافسة الاحتكارية (أي احتكار للماركة التجارية ومنافسة في السلعة أو الخدمة) فبالقدر الذي يجب ان تحمي فيه السلطات حقوق ملكية الماركة التجارية من الغش أو القرصنة بالقدر الذي تمارس فيه السلطات صلاحيات لحماية السوق وحماية المستهلك من الاحتكار أيضاً. د. محمد ابراهيم الرميثي