ان المجاعة والفقر والعوز وضيق العيش الذي تواجهه بعض شعوب العالم كتلك الحالة التي نجمت عن الحصار الدولي المفروض على الشعب العراقي من قبل الرأسمالية العالمية وكتلك الحالات التي نشاهدها في افريقيا. إنها بحق مآسي انسانية. ان الدول التي تغزوها المجاعة اليوم ليست دولا فقيرة, بل لديها موارد اقتصادية وموارد طبيعية تفيض عن حاجتها فيما لو أحسن استغلالها وادارتها. فما الذي قادها الى هذا المستوى المتدهور؟ لاشك ان هناك عوامل كثيرة ادت الى الوصول الى هذا المستوى منها ما هو سياسي وآخر اقتصادي وآخر اجتماعي. ومنها ما هو خارجي وآخر نابع من الداخل. ويأتي على رأس تلك العوامل فلسفة النظام الرأسمالي التي ادت الى تمجيد رأس المال والوصول به الى القمة. فجعلت الانسان في كل انحاء العالم ينظر الى رأس المال ومايرتبط به من تكنولوجيا على انه هو العنصر الاساسي من عناصر الانتاج فارتفعت قيمة رأس المال المادي على حساب كل شيء سواه. واصبح المجتمع معها مجتمعا رأسماليا بكل معنى الكلمة. واصبح الرأسمالي هو صاحب السلطة والنفوذ وصاحب القرار. وتجدر الاشارة هنا الى كلمة حق ذكرها المرحوم الداعية الاسلامي الشيخ محمد متولي الشعراوي في تفسيره للقرآن الكريم (اذا كانت لقمتك ليس من فأسك فقرارك ليس في رأسك). انها الهيمنة الرأسمالية العالمية نظاما وفكراً وسلطة. وفي الحقيقة ان ازدياد قيمة رأس المال المادي كان بالفعل مقابل انخفاض قيمة رأس المال البشري. حيث اصبح الانسان يشاهد الحروب والمجاعات والكوارث والحوادث المؤلمة والقتل والتعذيب والتنكيل ولكن مشاعره الانسانية قد لا تتحرك الطلاقا او قد تتحرك ببطء شديد يختفي بعد حين. ومع انخفاض قيمة الانسان وارتفاع قيمة المادة انخفضت القيم الاجتماعية التي ارتبطت اصلا بقيمة الانسان وتفككت الروابط الاسرية والاجتماعية واصبح التمسك ببعضها صعبا للغاية. إنها حقا ازمة مبدأ لا أزمة طعام. فأين نحن من مبادىء الاسلام السامية. تلك المبادىء التي قهرت المادة وسمت بالانسان. تلك المبادىء التي سمت بقيمة الانسان وقدره ونظرت الى المادة على انها ملك لله وليس للإنسان وهي مسخرة لخدمة الانسان. اين نحن من تلك المبادىء الاسلامية التي عرفت كيف تخلق التوازن الحقيقي بين قيمة الانسان وقيمة المادة وتسخر المادة لخدمة الانسان في السلم وفي الحرب وفي المجاعة وفي الرفاه. اين نحن من دروس عام الرمادة (عام المجاعة) الذي أقبل فيه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الى تعطيل حكم حد السرقة وهو حكم محدد بدليل من كتاب الله عز وجل. اين نحن من تلك العقول التي عرفت معنى الاسلام وعرفت مقاصد الشريعة. وعرفت معنى الاقتصاد الاسلامي الذي جعل الانسان هو الرأسمال الحقيقي فكانت المبادىء والاحكام كلها تصب وتركز على الرقي بذلك الانسان وكرامته حتى ارتفعت قيمته وارتفعت معها القيم الاجتماعية. فثبتت مبادىء المحبة والامانة والاخوة والاخلاص والصدق والصدقة والطهارة والزكاة والتعاون. فسبحان القائل (وما ارسلناك الا رحمة للعالمين). نعود فنؤكد من جديد ونحن نعيش عصر العولمة والانفتاح والرفاهية على ان المجاعة التي تشهدها بعض الشعوب هي ازمة مبدأ لا ازمة طعام ولا سبيل الى حلها من جذورها الا بالاقتصاد الاسلامي. انه الدواء الحقيقي لتلك الامراض المستعصية.