د. محمد إبراهيم الرميثي, أستاذ الاقتصاد بجامعة الإمارات ومدير عام دائرة التنمية الاقتصادية برأس الخيمة, يصف حركة سوق الأسهم بأنها (هزيلة) . والسبب في رأيه أنه ليست هناك دراسة علمية متخصصة تحدد مشكلات سوق الأسهم, فما يقال عن أسباب عدم انتعاش السوق رغم تدشين سوق دبي الرسمية أصبح معروفا للعامة, فهي محصورة بين أزمة الثقة نتيجة الهزة التي أصابت السوق في صيف 98 وبين نقص السيولة, وأسباب أخرى تتعلق بالنتائج الضعيفة لبعض شركات المساهمة العامة الكبيرة والتي لعبت دورا في إيجاد جو من ضعف الثقة أدى إلى إصابة السوق بالضعف الشديد. وإذا ما تلمسنا ـ يقول د. الرميثي ـ الأسباب الحقيقية التي تقف وراء أزمة الثقة في سوق الأسهم, فلابد من إجراء بحث متعمق لنصل إلى حقيقة هذه الأسباب, وأولها أن شركات المساهمة العامة لم تحقق نجاحا في بعض الأنشطة الاقتصادية, في حين نجح التاجر الفرد في مثل هذه الأنشطة وعلى سبيل المثال قطاع الإطارات, إذ لدينا وكلاء وتجارة نشطة في هذا المجال, وعندما قامت شركة مساهمة عامة في هذا المجال فشلت وجرت تصفيتها. والأمر ينطبق على نشاط تجارة الأسماك وعلى قطاعات وأنشطة اقتصادية عديدة في مجال الصناعة والسياحة, والسبب يرجع إلى أن التاجر الفرد حريص على رأسماله ومصلحته وتحقيق الأرباح لشركته, في حين أن الشركات المساهمة تفتقد إلى المراقبة والمتابعة. فقانون الشركات الذي أقيمت على أساسه هذه الشركات لا يخضع للإشراف من جانب وزارة الاقتصاد التي هي مسؤولة عن تطبيق القانون وتنفيذه, فالوزارة لايزال دورها إشرافيا وليس فاعلا, ولا تستطيع منع شركة من الترخيص لأن سلطة الدوائر المحلية أصبحت أقوى من سلطة الوزارة الاتحادية. ويضيف أن المستثمرين فقدوا الثقة في هذه الشركات لأن تكاليفها كانت على حساب أرباحها, ولعل خير دليل على فقدان الثقة في هذه الشركات وفي أسهمها سهم (اتصالات) فلماذا يوجد إقبال كبير على شرائه وانخفاض المعروض منه في السوق؟ ولماذا يقبل المستثمر على شراء سهم (اتصالات) حتى لو بلغ ألفي درهم؟ السبب أن هناك ثقة قوية في شركة (اتصالات) , وتترسخ هذه الثقة يوما بعد يوم. لذلك من الصعب أن يتعرض السهم إلى انهيار كما يحدث لبقية الأسهم المتداولة لأن أداء الشركة جيد, ويتطور مع المتغيرات والتطورات التي تحدث في السوق المحلية والإقليمية والدولية. ويؤكد د. الرميثي أن إعادة الثقة إلى السوق لن تتم سريعا, لأن بناء الثقة يستغرق فترات طويلة, ناهيك عن أن ذلك يستلزم إعادة النظر في فلسفة عمل الشركات المساهمة العامة لتتغير نظرة المستثمرين والمساهمين تجاهها. ومن ناحية أخرى فإن إدارة سوق دبي المالية مطالبة بإعداد دراسة أو تقرير علمي عن وضع السوق, لا أن تصدر تقريرا عن ارتفاع سعر سهم ما أو انخفاضه. فالمستثمر بحاجة إلى تحليل علمي دقيق حول الأسباب الحقيقية لتراجع أسعار الأسهم وعدم انتعاش السوق, وبهذه الطريقة تستطيع إدارة سوق دبي أن تعيد الثقة المفقودة إلى السوق وجذب المستثمرين. ولذا فهو يؤكد أن أزمة سوق الأسهم في جوهرها تحتاج إلى دراسة متعمقة تضع النقاط فوق الحروف, وتحدد المشكلات وتبحث عن العلاج, ذلك أن إنشاء بورصة رسمية لن يحل الأزمة على الإطلاق, لأن هناك فلسفة في نظام عمل الشركات تحتاج إلى إعادة نظر بالكامل من أجل إعادة الثقة للسوق. * ويتفق نجيب الشامسي, الباحث الاقتصادي, كلية مع ما ذهب إليه الرميثي, ويقول أيضا إن القضية ليست في عدم وجود بورصة رسمية من عدمه, لأن أهم شيء في سوق الأسهم هو جودة السلعة المعروضة, والتي هي (أسهم) الشركات, فهل الأسهم المعروضة جيدة حتى تجتذب المستثمرين؟ ويتابع: الحقيقة تقول إن عدد الشركات التي أعلن عن تأسيسها تجاوز 92 شركة, وهو عدد ضخم ومعظم الشركات التي تأسست هي شركات خدمية تنقصها ثقة المستثمرين, فليست هناك شركات إنتاجية. ويتساءل الشامسي: كيف يضع المستثمر أمواله في أسهم شركات خدمية سوف تنافسها شركات أجنبية قوية لها عمق وقاعدة رأسمالية؟ وفي رأيه أن ما يحدث في سوق الأسهم انعكاس لما يحدث في الشركات المساهمة العامة التي يتعين إعادة النظر فيها, من حيث القدرة الرأسمالية وقاعدتها وقدرتها التشغيلية الضعيفة التي لن تمكنها من الاستمرار في المنافسة في المستقبل, كذلك لابد من إعادة النظر في الاستثمارات الوطنية المستثمرة داخل الدولة والتي تتجه إلى قطاعات خدمية أكثر من توجهها إلى قطاعات إنتاجية. المشكلة في رأيه ليست في سوق الأسهم, فعلى سبيل المثال فإن سوق دبي المالية تتوفر فيها الشفافية, وبدلا من أن يذهب المستثمر إلى مكاتب الوساطة يذهب إلى السوق مباشرة حيث بإمكانه معرفة السعر بدقة وحركة التداول على الأسهم لحظة بلحظة, لكن القضية تكمن في الشركات المساهمة التي ازداد عددها بشكل كبير يفوق حاجة السوق, لذلك لابد من وقف التوسع في عدد هذه الشركات. لكن ماذا قدمت شركات المساهمة العامة للاقتصاد الوطني؟ وما هي أهدافها؟ يجيب الشامسي عن ذلك بأن الشركات المساهمة ومعها القطاع الخاص تأثرت بما حدث في أسواق النفط كنتيجة لتقلص الإنفاق الحكومي, وهذا معناه أن هذه الشركات تعيش على الأداء الحكومي. ومن هذا المنظور يمكن أن نحلل ما يجري في سوق الأسهم, فما يحدث في سوق الأسهم هو انعكاس لما يجري في الشركات المساهمة العامة وفي القطاع الخاص, ولذلك لن تتحسن أسعار الأسهم وإن شهدت تحسنا سيكون طفيفا, لأن هناك انخفاضا ملحوظا في حجم التداول رغم كل المحاولات التي تبذل من قبل الحكومة والشركات نفسها. ومن هنا فهو يدعو إلى مراجعة كافة الشركات الموجودة في السوق خصوصا المساهمة العامة, إذا ما أرادت تعزيز أوضاعها. والحل في رأيه هو دمجها, لأن عددها كبير للغاية, وإذا كانت لا تستطيع منافسة الشركات الأجنبية الموجودة حاليا فكيف ستنافس شركات ستدخل السوق بكل ثقلها, خصوصا وأن معظمها شركات خدمية ذات رأسمال كبير؟! وينتقل من هذه النقطة إلى أن هذا الوضع يفرض على الشركات المساهمة التوجه نحو إنشاء المشروعات الإنتاجية, إذا ما أرادت تحسين أوضاعها وأن تكون نظرتها في فلسفة مشروعاتها على مستوى الدولة وليس على مستوى الإمارة التي تتواجد فيها. وفي رأيه أنه في حال تحسن أوضاع الشركات المساهمة من حيث الأداء والنتائج, ستتحسن بالتبعية أوضاع سوق الأسهم المحلية وستعود الثقة المفقودة إلى المستثمرين مرة ثانية. * نبيل فرحات, رئيس قسم الدراسات بشركة عمان الإمارات للاستثمار القابضة, يقول إنه في بداية عمل أية بورصة أو سوق نظامية للأسهم في أية دولة, فإن حجم التداول والنشاط يكون ضعيفا, وهذا ما نراه حاليا في سوق دبي المالية. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب, في مقدمتها أن المستثمرين غير مستعدين لإيداع الأسهم التي يمتلكونها في سوق دبي, وعدم وجود مكاتب وساطة بالعدد الكافي والذي يمثل الحجم الحقيقي للمستثمرين بالسوق, رغم أن هذا الوضع مؤقت وسوف يتغير في المستقبل القريب. أضف إلى ذلك عدم وجود شركات مسجلة بالسوق بالعدد المطلوب, حيث لايزال العدد ضئيلا جدا. ولكن رغم ذلك وفي ظل الظروف الحالية فإن أداء السوق كان جيدا, خاصة أننا انتقلنا من حالة ركود وانخفاض حاد في الأسعار وحجم التداول بعد أزمة صيف 98 إلى إنشاء بورصة رسمية. ويضيف أن عدد الشركات المدرجة حاليا بسوق دبي لا يمثل إلا شريحة صغيرة من المستثمرين تتراوح ما بين 20 و30% من الحجم الإجمالي لهم, في حين أن خارج السوق ما بين 70 و80% من المستثمرين, نظرا لارتباطهم بمكاتب وساطة غير مسجلة في سوق دبي ولكنها مرخصة من قبل المصرف المركزي. وبالتالي فإن التوقعات تشير إلى أنه مع دخول وعمل هذه المكاتب في السوق سوف يرتفع عدد المستثمرين المتعاملين بالسوق, ويزداد بالتالي حجم التداول بشكل ملحوظ. كما أننا لاحظنا أيضا أن معظم الأسهم المتداولة لشركات حديثة, وهناك عدد قليل من الأسهم التي يطلق عليها (قيادية) . ويشير إلى أن مشكلة حجم التداول المنخفض حاليا بالسوق لها علاقة بنوعية الشركات المسجلة بالسوق وعدد المستثمرين المشاركين والمتعاملين في السوق, ولكن أسعار الأسهم وانخفاضها, وكذلك ضعف حركة التداول, يرجع إلى عوامل وأسباب اقتصادية أخرى, خاصة تلك التي حدثت في فترة ما قبل افتتاح البورصة والتي أثرت على حجم السيولة المتجهة إلى سوق الأسهم المحلية. ويوضح أنه كان من المفترض أن تشهد الفترة الماضية إنشاء محفظة استثمارية من قبل الحكومة لإعادة الانتعاش إلى السوق قبل افتتاح السوق, لأن البورصة كما هو معروف ليست إلا مكانا لاجتماع البائع والمشتري, ولكن حجم التداول يعتمد على كمية الأسهم المطلوبة والمعروضة وانتعاش السوق, وحجم التداول يتم عندما تكون هناك حركة في الأسعار. ويمكن أن تأتي الأموال الخاصة بإنشاء وتكوين هذه المحفظة من عدة طرق, منها مساهمات البنوك وشركات التأمين والمستثمرين أنفسهم, على أن تدار من قبل جهات معينة. * المحلل المالي, مروان بانا, يقول إنه لا يمكن أن نحكم على أداء سوق دبي المالية بعد هذه الفترة القصيرة من بدء نشاطها, لأنها لاتزال في حكم التجربة. مشيرا إلى أن التداول في بداية عمل السوق كان ضعيفا, ثم شهد الأسبوع الماضي ارتفاعا ملحوظا, حيث بلغت قيمة التداول أربعة أضعاف ما كانت عليه في بدايات التداول بالسوق. ويضيف أن الفترة المقبلة سيكون الوضع بالنسبة للتعامل في البورصة أكثر وضوحا بعد الانتهاء من استكمال الإجراءات الخاصة بتسجيل أسهم الشركات, وبالتالي سينعكس ذلك إيجابيا على الأسعار, وتكون أكثر واقعية وتعبر بشكل سليم عن واقع أداء الشركات المتداولة أسهمها. ويوضح أنه بعد افتتاح سوق أبوظبي ستظهر سوق الأسهم المحلية في وضعها الطبيعي, وستكون الغالبية العظمى من الشركات مدرجة داخل السوق, خاصة وأن الشركات المسجلة في أبوظبي قديمة ونتائجها جيدة وجاهزة تماما للإدراج والتداول على أسهمها, وسوف تكون الصورة أكثر شمولا للمستثمرين. * شهاب قرقاش, مدير الخدمات الاستثمارية والتطوير التجاري ببنك الإمارات للاستثمارات المالية المحدود, يرى أنه من غير المعقول أن تحدث البورصة الرسمية تغييرا جذريا في حركة التداول وفي الأسعار بين يوم وليلة, خصوصا وأن تطبيق النظام يتم تدريجيا, من حيث إصدار أرقام المستثمرين وإيداع الشهادات. ومع ذلك فإن حجم التداول يرتفع يوميا, ففي بداية عمل البورصة كان التداول ضعيفا ثم بدأ في الازدياد حتى تجاوز المليون درهم, وهذا يعني أن هناك نموا ملحوظا في التداول وتفضيلا من جانب المستثمرين للتعامل مع الأسهم المدرجة في البورصة الرسمية عن التعامل في السوق الموازية, ذلك أن الوضعية أصبحت أفضل بكثير. ويقول إن مرور شهر على سوق دبي المالية كانت فترة مشجعة, وإن البورصة تحتاج إلى وقت حتى تتم إجراءات تسجيل كافة الشركات, وكذلك تشكيل هيئة الأوراق المالية والسلع وتدشين سوق أبوظبي المالية, وإدراج أسهم شركات أبوظبي. وكل هذه العوامل في حال إتمامها سوف تعيد الثقة إلى السوق ويزداد بالتالي حجم التداول. وربما يكون ذلك دافعا لعودة كبار المستثمرين إلى السوق, خصوصا وأن هذه النوعية من المستثمرين تحتاج إلى الوقت الكافي لفهم الوضعية الجديدة للسوق, واتخاذ قرار الاستثمار بناء على ذلك. ويؤكد قرقاش أن المحافظ الاستثمارية في الوقت الحالي وضعها وضع كبار المستثمرين حيث لها تواجد كزبون في قاعة التداول لكنها تنتظر اكتمال السوق, حيث لايزال تواجدها محدودا لأنها تبحث عن العروض الكبيرة. وربما يؤدي فصل الصيف إلى هدوء أكثر في التعامل في السوق, وإن كانت القضية في سوق الأسهم في الإمارات أن انتشار خبر أو شائعة يمكن أن يقلب موازين السوق. وإجمالا ـ كما يقول شهاب قرقاش ـ فإن بداية سوق دبي المالية بداية مشجعة, وتنتظر السوق آفاق نمو كبيرة إذا ما تم الانتهاء من كافة الترتيبات المتعلقة بتسجيل الشركات, وإصدار أرقام الحسابات وتدشين سوق أبوظبي المالية. * مطر محمد البلوشي, مدير الاستثمار ببنك الخليج الأول, يقول إنه بعد مرور هذه الفترة الزمنية القصيرة على عمل سوق دبي المالية فإننا لا يمكن أن نقيم السوق بشكل كامل, أو نحدد ملامح السوق بصورة واضحة للعديد من الأسباب, والتي من أهمها عدم تسجيل كل الشركات المساهمة في السوق, إذ لاتزال أسهم أغلب هذه الشركات يتم تداولها خارج السوق, وبالتالي فإن الأسهم المدرجة لا تعبر عن الصورة الكاملة للسوق ككل. وسوف تتضح الصورة بشكل أكبر بعد إدراج أسهم الشركات الأخرى وافتتاح سوق أبوظبي المالية, نظرا لأن وجود قاعتين للتداول سيساعد على تنشيط السوق, حيث سيتم التعامل حينها على أسهم جميع الشركات. ويضيف أن ثقة المستثمرين في الأسهم المحلية لم ترجع بعد إلى المستويات التي كانت عليها في السنوات الماضية. أضف إلى ذلك أن زيادة الوعي الاستثماري ومعرفة المستثمرين بالأداء الحقيقي للشركات المتداولة أسهمها في السوق, أديا بدورهما إلى عدم إقبال المستثمرين على التعامل مع الشركات الضعيفة وما أكثرها. فالمستثمرون أصبحوا يتخذون قراراتهم الاستثمارية بعد عمل الدراسات لاختيار السهم المناسب, كما أن المحافظ الاستثمارية وكبار المستثمرين لم تتحرك وتدخل السوق حاليا, لأن بعضهم اشتروا الأسهم في السنوات الماضية, وخاصة خلال الطفرة الأخيرة بأسعار مرتفعة, وبالتالي فإنهم في انتظار الوقت المناسب للبيع والتخلص من الأسهم التي بحوزتهم وليس للشراء. ويوضح أن البورصة لا يمكن أن تحدد أسعار تداول الأسهم, ولكن الذي يحدد ذلك هو نتائج أداء الشركات, في حين أن البورصة توفر البيئة والآلية المناسبة للتداول. مؤكدا أن تفعيل سوق الأوراق المالية بالدولة سوف يتحقق من خلال افتتاح قاعة التداول في أبوظبي, وإدراج جميع أسهم الشركات المساهمة لتسريع عمليات التداول, وتحديد واختيار أفضل مكاتب الوساطة, وتوفير القوانين المتعلقة بالإدراج والإفصاح عن المعلومات حول الشركات وبشكل دوري, لإعطاء الصورة الحقيقية للمستثمر من أجل اتخاذ قراره الاستثماري. ويشير إلى أن مسألة اختيار الوسطاء يجب أن تخضع لضوابط ومعايير صارمة, حيث يجب أن تتوفر فيمن يرغب العمل بالبورصة الخبرة والكفاءة والمؤهلات العلمية التي تؤهله للقيام بدوره, وأن يتوقف الاختيار على ضرورة اجتيازهم ومرورهم لعدة اختبارات. وبالتالي فإنه يجب أن يستطيع الوسيط تقديم الخدمات المالية وليس القيام بأعمال الوساطة فقط, وأن تكون لديه القدرة على تحليل الميزانيات السنوية والبيانات المالية للشركات, وتوفيرها في تقارير دورية للمستثمرين.