في الحلقة الماضية تعرفنا على التحديات التي تفرض نفسها على قطاع الشحن وسط تنامي حركة التجارة الالكترونية ورأينا انها تزيد من قرض الشحن خاصة الجوي حيث يوفر الفرصة الملائمة للنقل السريع ورأينا كيف ان امتلاك المعلومات ودخول سباق تقنيتها، هو الذي يميز شركة عن الاخرى حيث توفر الفرصة امام العميل ليكون على اتصال دائم باتجاهات شحناته وأين وصلت دون الحاجة للرجوع لشركات الشحن. واشرنا الى ان حركة الشحن قد تزايدت خلال الفترة السابقة من هذا العام بنسبة كبيرة نظراً للتحسن الذي شهدته الأسواق العالمية التي يرتبط بها الاقتصاد الاماراتي بالاضافة الى انتهاء السنة المالية في معظم الشركات الهندية ورغبتها في شحن كميات كبيرة من منتجاتها الى دول العالم عبر دبي. وفي هذه الحلقة نلقي الضوء على بعض المشاكل التي يعاني منها قطاع الشحن في دبي ورأي خبراء هذه الصناعة المهمة في امكانية التغلب عليها وما هي الجهات العالمية التي يجب الاهتمام بها مستقبلا.. حالة تشبع يرى جمعة سيف راشد رئيس شركة ايرلنك انترناشيونال للسفريات والشحن ان السوق المحلي اصبح مشبعا بفائض كبير من شركات الشحن وان جزءا كبيرا منها غير مؤهل للعمل وأخر بالقطاع واساء لسمعته فلا اصحابها يمتلكون رأس المال الكافي لعملها ولا هم مؤهلون لأداء الخدمة بشكل جيد, كما انهم لا يمتلكون المساحات الكافية لتخزين البضائع او لهم اماكن بقرية الشحن او الموانىء.. بل هم استأجروا ترخيصات هذه الشركات من مواطنين وزاولوا بها العمل مقابل مبالغ من المال, لدرجة ان بعض هؤلاء يتخذون من مساكنهم مقرا لادارة هذه الشركات! ليس هذا فقط بل ان هؤلاء الاجانب الذين يديرون هذه الشركات واصبحوا هم المالكون الحقيقيون لها اقترضوا مبالغ من البنوك ليتمكنوا من انشطتهم.. والنتيجة أداء رديء للخدمة واساءة لسمعة القطاع والمواطن معاً.. لكن كيف وصل الأمر الى هذا الحد من الفوضى وهذا الطوفان من شركات الشحن التي زادت عن احتياجات السوق؟! يعود جمعة سيف الى الوراء قليلا وتحديداً لفترة الستينات حينما بدأت اقتصاديات اليابان وشرق آسيا في النمو ومنافسة المنتجات الغربية وغزو اسواقها فأوجد هذا المناخ العالمي من دبي مركزاً مهما للتجارة العالمية وهمزة وصل بين الشرق والغرب وتلبية الاحتياجات التي لا تستطيع شركات الطيران او البواخر تلبيتها وسط هذه الزيادة في حركة الشحن فظهرت الحاجة هنا لانشاء شركات ووكالات شحن بري وجوي وبدأ الامر في السبعينات على نطاق ضيق وبشكل منظم جداً. امر آخر أوجد الفرصة لدبي لتصبح مركزا تجاريا مهما بين هذه الأسواق العالمية هو قيام الحرب الأهلية في لبنان والتي كانت تلعب دوراً حيويا في التجارة بين الشرق والغرب, فتأثرت القطاعات التجارية والاقتصادية بها وانتقلت الحركة الى الدول المجاورة ومنها دبي لما تتمتع به من ميزة استراتيجية في موقعها فتخصصت شركات متوسطة وكبيرة الحجم في قطاع الشحن لأداء المهمة, وصارت لها علاقات بشركات عالمية كبرى ذات أفرع في معظم البلاد تقريبا واصبحت الشركة او الوكيل المحلي يستطيع نقل البضائع واحضارها وارسالها الى اي مكان في العالم وفي ايام محدودة وساعد على هذا الطفرة الاقتصادية التي شهدتها اسواق الدولة في اواخر السبعينات وفترة الثمانينات. وقد اعطت هذه الحركة النشطة مجالا اوسع للتواصل التجاري والحضاري بين الشعوب وقلصت من عامل الوقت, لذلك قامت بعض شركات الشحن ـ وكما قلت ـ بشكل منظم وتنامت حسب احتياجات السوق. هذه الشركات اصبحت لها ـ بالطبع ـ كوادرها الوظيفية وبخبرات مختلفة. كثير منهم فكر في المنافسة فخرجوا من الشركات التي يعمل بها وانشأوا شركات أخرى تحت ستار ترخيصات يستخرجها مواطنون قاموا هم باستئجارها او من خلال كفيل مواطن. هذا لا يعني انني ـ يضيف جمعة سيف راشد ـ ضد اتاحة فرصة العمل للجميع وان تزداد المنافسة لكن يجب ان تكون هذه المنافسة متكافئة والامر ليس كذلك حاليا فهناك شركات كبيرة برأسمالها وخبرة موظفيها واعدادهم ووزنها في السوق ولديها المسئولية الكاملة تجاه عملائها وتأمين المخاطر وامكانية التعامل مع شركات الطيران والملاحة البحرية على مستوى جيد. وفي المقابل توجد هذه الشركات الصغيرة التي ربما يقف على امرها شخص واحد او اثنان لا تتوافر لديها الامكانيات التي تؤهلها لأداء العمل بالشكل الملائم وليس لديها ايضا امانة المهنة.. فالقوانين التي تنظم عمل هذه الشركات ليست دقيقة من حيث احقية وامكانية المواطن المادية والمعنوية في استخراج الترخيص بإقامة هذه الشركات التي اوقعت الشركات الاجنبية التي ليس لديها وكيل او من يمثلها في الدولة في شرك خداعها حتى ان بعض هذه الشركات كانت تدار من خلال غرفة واحدة يتخذ منها صاحبها سكنا له! حلقة مفرغة ويقول جمعة سيف ان هذا الأمر ـ استئجار الرخصة ـ ليس قاصراً على شركات الشحن بل شأنه في ذلك شأن العديد من القطاعات التجارية والمحلات والعقارات وسيارات التاكسي وصار الامر بمثابة حلقة مفرغة من المشاكل التي يجب الالتفاف اليها وتصحيح الخلل الذي أضرب بالجميع.. فكيف تستخرج رخصة اقامة شركة تدير عملا كبيرا كالشحن لمواطن بسيط محدود الدخل لا يمتلك ايضا الخبرة والتخصص في هذا المجال, يتساءل جمعة سيف. ويقول هذه الشركات غير المؤهلة ـ مع انها اساءت لسمعة القطاع والمواطن اكثر مما اضرت بالشركات الكبيرة العاملة في المجال.. ويطالب بإعادة النظر في القوانين المنظمة لعمل الشحن والقطاع التجاري بصفة عامة لنحافظ على المستوى الجيد من الأداء الاقتصادي الذي وصلنا اليه فترك الأمر على ما هو عليه لا يؤدي الى تفاقم المشكلة وتضخمها. فالدولة تتمتع ببنية اساسية قوية ومرافق جيدة واصبحت الدولة مركزاً عالميا هاما لاعادة التصدير.. إلا ان الامر يتطلب تنظيم احتياجات السوق وعدم ترك الحبل على الغارب. هذه مشكلات نواجهها نحن العاملين في قطاع الشحن والسفر ـ يضيف جمعة سيف ـ لكن هذا لا يعني تراجع الشحن حاليا فقد شهدت تناميا ملحوظا خلال الفترة الاخيرة بعد التحسن الذي عاد للأسواق الآسيوية واقتصاد الامارات وقد انعكس هذا التحسن على أداء شركات الشحن ومنها ايرلنك انترناشيونال. افريقيا.. والشحن يؤكد هذا ايضا عبدالودود عطفة مشرف المبيعات بوكالات ناصر الجوية والبحرية والتي تعد واحدة من كبرى شركات الشحن بدبي وتضم 16 شركة ووكالة طيران في قطاعي الشحن والسفر منها آلياتاليا والافريقية والبحر الاحمر والبولندية والاوغندية والأوليمبيك والقبرصية وكوريا سيرفيس وهي احدى شركات الشحن السريع الشهيرة.. ولهذا فإن وكالات ناصر ـ يقول عبدالودود عطفة ـ تغطي معظم انحاء العالم تقريبا في مجال الشحن خاصة القارة الافريقية وشرق أوروبا وآسيا. ويضيف ان قطاع الشحن قد شهد تحسنا ملحوظا خلال الفترة الماضية. ويشير الى انه منذ ثلاث سنوات كان يتم شحن حوالي 350 طنا شهريا ـ من خلال الوكالة ـ الى روسيا.. حيث كان التواجد الروسي في دبي كبيرا وكانت الاجهزة الالكترونية تمثل النصيب الاكبر من هذه الكميات.. لكن الميزان حاليا يتجه ناحية افريقيا والتي يتم شحن حوالي 100 طن اسبوعيا الى جهات متعددة فيها خاصة ولهذا يجب الاهتمام بهذه القارات كثيرا لانني ارى ـ يضيف عبدالودود عطفة ـ ان المستقبل التجاري معها سيكون كبيرا للغاية وحاليا يتم اعادة تصدير كميات كبيرة من البضاعة اليها سواء القادمة من آسيا أو أوروبا حيث تعد دبي المكان الملائم لدول هذه القارة للاستيراد نظرا للخدمات والتيسيرات الكبيرة التي توفرها موانئها ومطارها الدولي وانخفاض نسبة الضرائب بالاضافة الى القدرات الهائلة لقرية الشحن بالمطار. وبالتالي فهم يرون ان دبي تعد مركزاً جيداً للشحن اليهم بدلا من الاتجاه مباشرة الى الدول الاوروبية والآسيوية للاستيراد منها. ويقول ان معظم الواردات الافريقية عبارة عن اجهزة الكترونية وملابس جاهزة. ويقول مشرف المبيعات بوكالات ناصر الجوية والبحرية ان حركة الشحن زادت لديهم بنسبة 15% تقريبا خلال الربع الأول من هذا العام ويرى ان مهرجان دبي للتسوق كان واحداً من اسباب انتعاش هذه الحركة حيث وفر الفرصة الملائمة لاستيراد كثير من البضائع بأسعار جيدة. ارتفاع الجمارك.. مشكلة ويشير عبدالودود عطفة الى ان نسبة كبيرة من عملاء الشركات تفضل الشحن عبر طيران الامارات للخدمات الجيدة التي يقدمها واسعارها المناسبة. ويقول ان من اهم المشكلات التي يعاني منها الشحن الى القارة الافريقية ـ رغم تزايده في الفترات الاخيرة ـ ارتفاع نسبة الجمارك هناك مما يزيد من التكلفة على العملاء.. لكن ـ مع هذه التكلفة الاضافية ـ فإن الامر مازال اسهل عليهم واقل تكلفة بكثير عن استيرادهم من الدول المنتجة مباشرة للبضائع والسلع التي يطلبونها. وحول اسعار الشحن يقول انها تختلف من شركة الى اخرى وحسب الاتجاه الذي تذهب اليه الشحنات فهي ـ كما يؤكد ـ اكثر ارتفاعا لدى الشركات الأوروبية من مثيلاتها الافريقية نظراً للخدمات الأفضل التي تقدمها وسرعتها في توصيل شحناتها. ويشير الى ان شركات الطيران كلها لم تزد اسعار الشحن بها حينما ارتفعت اسعار الوقود فبعضها زاد القيمة والبعض الآخر ابقى على السعر كما هو لديه. ويقول مشرف المبيعات بوكالات ناصر البحرية والجوية للشحن والسفر ان حركة الشحن الى الدول العربية ليست على المستوى المطلوب نظراً لارتفاع اسعار الجمارك بالكثير منها مما يسبب عوائق امام حرية التجارة فيما بينها رغم انها من اكثر مناطق العالم استهلاكا ولو عدلت هذه الدول من نسبة جماركها لانعكس هذا بشكل جيد على حركة الشحن اليها وستجد ان دبي توفر لها المكان الملائم لاستيراد احتياجاتها بتكلفة اقل من استيرادها من الدول المنتجة مباشرة. ويقول انه مع تطبيق اتفاقيات منظمة التجارة العربية قريبا ربما ستتغير الامور وستزداد الحركة الى هذه الدول العربية. ويشير عبدالودود عطفة الى ان كميات الشحن التي تجريها وكالات الجوية والبحرية تتم عبر ميناءي راشد وجبل علي بالاضافة الى قرية الشحن بمطار دبي الدولي وانه بالاضافة الى 100 طن يتم شحنها اسبوعيا من خلال شركات الطيران فإنه يتم شحن 150 طنا اخرى اسبوعيا عبر البحر وتشتمل على بضائع مختلفة وان متوسط شحن حاوية سعتها 15 طنا عبر البحر حوالي 20 الف درهم, بينما يرتفع السعر الى حوالي 150 الف درهم عبر الجو لنفس الكمية مع اختلافات في السعر حسب جهة الشحن. ويضيف ان لدى وكالات ناصر الجوية والبحرية 56 وكيلا حول العالم يقومون بعمليات استلام وتخليص وتخزين البضائع وهذا ما يزيد من حجم العمليات التي تقوم بها, ويوفر لها الفرصة الجيدة للاتجاه نحو مناطق متفرقة من العالم. السوق الروسي ومع تأكيده علي تزايد حركة الشحن خلال العام الماضي, فإن غسان زيدان مسئول الشحن بطيران الشرق الاوسط يرى ان بعض وكلاء الشحن الذين كانوا يعتمدون على السوق الروسي هم الذين تأثروا اكثر من غيرهم خلال العامين الماضيين نظراً لضعف حركة الشحن الى هناك. ويقول ان تزايد اسعار الشحن حينما تحدث من وقت لآخر فإن هذا لا يؤثر بدرجة ملحوظة على الحركة لان البضائع لابد لها ان تنتقل من مكان الى آخر لكن الشركة التي تقدم خدماتها بشكل افضل هي التي لها الحظ الاوفر في الحركة. ويقول انه من الطبيعي ان تزداد اسعار الشحن مثلها مثل اي شيء من وقت لآخر بالاضافة الى ان ارتفاع اسعار البترول ومن ثم وقود الطائرات من شأنه ان يحدث هذه الزيادة. وهذا ما حدث خلال الفترة الماضية حيث زاد السعر بقيمة 20 فلساً على الكيلو جرام للشحنات المتجهة للشرق الاوسط بينما بلغت الزيادة 40 فلسا على الكيلو للشحنات المتجهة لأوروبا.. ويؤكد ان هذه الزيادة في الاسعار كانت عالمية ولم تحدث هنا فقط, إلا ان هذا لا يؤثر على كميات الشحن. ويشير غسان زيدان الى ان لدى طيران الشرق الاوسط حوالي 200 وكيل يتم التعاون من خلالهم وتتجه رحلاتها الى اماكن عديدة حول العالم خاصة اوروبا والشرق الاوسط وأوروبا ومعظم الشحنات عبارة عن سلع الكترونية وملابس, ويؤكد ان الكثير من شركات الشحن بدبي تحاول تطوير انظمة عملها باستمرار لأن سوق الشحن بدبي نشط للغاية وبالتالي لابد لهذه الشركات من دخول هذا السوق بتقنية عالية وإلا من يتقاعس عن مواكبة التطور الالكتروني والتقني سيجد نفسه خارج المنافسة. ويذكر مسئول الشحن بطيران الشرق الاوسط ان معظم الشحن هنا يتم عبر ما يعرف بالـ(Sea air) حيث تأتي نسبة كبيرة من الواردات عبر البحر من شرق آسيا ويعاد تصديرها جواً من خلال قرية دبي للشحن بمطار دبي الدولي بخدماتها المتميزة والتي جعلت منها احدى أهم وافضل قرى الشحن على مستوى العالم. تحقيق : وجيه عبدالعاطي