بقلم: د. محمد ابراهيم الرميثي ان مفهوم السياسات الاقتصادية يتجاوز مفهومي السياسات النقدية والسياسات المالية الى القول بأن تلك السياسات الاقتصادية تعني كافة القوانين والقرارات التي تتخذها السلطات الحكومية للتأثير على المتغيرات الاقتصادية. وقد يأتي قرار السياسة الاقتصادية احيانا من جهة حكومية لا تدرك ابعاده الاقتصادية. من هذا المنطلق اوجدت الحكومة الجهات الاقتصادية مثل (وزارة الاقتصاد والتجارة ووزارة النفط والمعادن ووزارة التخطيط ووزارة المالية والصناعة والمصرف المركزي). وبالتالي فإن القرارات التي تؤثر على الاستثمار او الاستهلاك او التمويل او الانتاج أو التصدير والاستيراد او عوامل الانتاج (العمل ورأس المال والارض والعقارات والايجارات والموارد الاقتصادية الأولية والتكنولوجيا والأمن والادارة والتنظيم) كلها يجب ان يتم دراستها مع الجهات الحكومية ذات العلاقة بالاقتصاد والا فانها تصبح بالفعل قرارات مستعجلة وقد تظهر لها آثار سلبية كثيرة قد تطغى احيانا على النتائج الايجابية المرتقبة من القرار ذاته. من هذا المنطلق اصبحت البنوك المركزية تلعب دورا بارزا في التخطيط الاقتصادي الهادف وفي التوجيه الاقتصادي الهادف كذلك. فدور المصرف المركزي لا يقتصر على مجرد السياسات النقدية التصحيحية (العلاجية والوقائية) وانما يتعداه الى التدخل في كثير من القرارات التي تمس السياسات الاقتصادية. فعلى سبيل المثال فان كافة قرارات السياسات المالية ذاتها يجب الا تقتصر على وزارة المالية والصناعة وانما يجب ان يساهم المصرف المركزي مساهمة فاعلة في صنع تلك القرارات. فالمصرف المركزي في كل دول العالم الصناعية هو المستشار الاقتصادي والمالي الأول للحكومة. وبالتالي فإن اي قرار يمس المتغيرات الاقتصادية كما ذكرنا لابد وان يكون للمصرف المركزي دور في صنعه قبل ان يرى النور. من هنا يصبح دور المصرف المركزي دورا متجددا وليس رويتنيا. وان كافة قرارات وزارة العمل التي تمس عنصر العمل كعنصر من عناصر الانتاج سواء تعلق الامر بالاجور والرواتب او بساعات العمل او بسياسة جلب القوة العاملة الاجنبية وتنظيمها أو بسياسة توطين القوة العاملة المحلية فإن تلك القرارات لابد وان يكون للمصرف المركزي دور مؤثر فيها وليس مجرد دور استشاري روتيني قابل للتجاهل وذلك لان اي قرار يرتبط بالعمل فانه يرتبط بالانتاج ويرتبط بالاستهلاك ويرتبط بالتمويل ويؤثر بالتالي على حجم النشاط المصرفي بكامله. ان ذلك لا يعني اطلاقا بأننا نعتبر المصرف المركزي رقيبا ووصيا على كافة قرارات الجهات الاقتصادية. ولكننا بالطبع نقصد بأن تكون هناك خطة اقتصادية واضحة المعالم والابعاد والأهداف يعمل من خلالها المصرف المركزي وتتحرك سياساته النقدية والمصرفية في ذلك الاطار. وعلى ضوئها يستطيع ان يصدر استشاراته وتوجيهاته للجهات الحكومية بأن مثل هذا القرار يجوز وله آثار ايجابية مفيدة للاقتصاد ويدخل ضمن اطار الاهداف الاقتصادية العامة للدولة. ومثل ذلك القرار لا يجوز لانه يخرج عن الأهداف الاقتصادية العامة المرسومة وآثاره الاقتصادية السلبية تطغى على ايجابياته المرتقبة. من هنا يستطيع المصرف المركزي ان يقوم بالفعل بدوره في السياسات الاقتصادية ويلعب دور مستشار الحكومة الاقتصادي. فلا يكفي اطلاق ان يقوم المصرف المركزي بدون المصحح والمعالج للاحداث والظواهر الاقتصادية من خلال السياسات النقدية, بل لابد من ان يكون له دور فاعل في رسم تلك السياسات الاقتصادية التي تحقق الأهداف العامة للدولة.