قد تبدو دعوة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير للرئيس الروسي المنتخب فلاديمير بوتين حتى قبل ان يتولى منصبه رسميا نوعا من محاولة استغلال الفرصة. ويبدو ان هذه الدعوة كانت تهدف الى استباق زملائه الألمان والفرنسيين وليست لوجود سبب آخر يستدعي هذه العجلة. لكن وراء هذه الضيافة الكريمة تختبىء رغبة حقيقية في ازالة الشوائب عن العلاقات الروسية الغربية, خاصة مع بريطانيا, أو مع الاتحاد الاوروبي بصفة عامة والحلفاء في حلف شمال الاطلسي بما فيها الولايات المتحدة. لكن الاقوال أسهل كثيرا في هذا المضمار من الأفعال الحقيقية. لقد تم انتخاب بوتين رئيسا لروسيا خليفة لبوريس يلتسين بفضل تزايد الحمية الوطنية التي كانت ردا على السياسات الغربية التي شارك في صناعتها توني بلير رئيس الوزراء البريطاني. ومن هذه السياسات توسيع نطاق حلف شمال الأطلسي بضم أعضاء جدد من الأعضاء القدامى في حلف وارسو السابق وسياسة اخرى هي حروب الحلفاء في كوسوفو وقصف وضرب جمهورية الصرب الحليف التقليدي لروسيا. وفي الوقت نفسه هناك احباط عام بشأن الاصلاحات الاقتصادية في روسيا على مدى السنوات الثماني الماضية والسبب يرجع في ذلك للسياسات الغربية, سواء كان هذا صحيحا أم لا, فإن هناك لوما يقع على عاتق الغرب, ناهيك عن ادانة الحملة الروسية في الشيشان, والمرارة التي تولدت عن ذلك في موسكو بسبب الشعور بازدواج المعايير. وقد استغل بوتين هذه المشاعر والغضب لتعزيز حملته الانتخابية. فلم يكن برنامجه الانتخابي يقوم على برنامج اقتصادي بالدرجة الأولى, بل خلا من أي برنامج اقتصادي أو اجتماعي, بل اعتمد على صورته كرجل قوي في حرب الشيشان وايمانه باحترام وتطبيق سيادة القانون. أضف الى ذلك انه صور نفسه على انه الزعيم الذي يرفع راية الكرامة الوطنية الروسية. ويعتقد توني بلير, مثله كمثل بيل كلينتون في الولايات المتحدة وجيرهارد شرويدر في ألمانيا, ان الطلاقة والبلاغة الوطنية لبوتين تخفي وراءها نوع جديد من الزعماء الروس, فهو يفهم الشئون الدولية والعالمية أكثر من سابقيه ويجيد الحديث باللغة الالمانية ويعرف انها في حاجة شديدة للغرب من أجل احياء الاقتصاد الروسي المتردي. وأراد توني بلير ان يقنع بوتين بأن الغرب يريد اعادة انضمام روسيا اليه من خلال الاستثمارات والتكنولوجيا الغربية, لكن هذه السياسة لاتزال تحيط بها الشكوك في موسكو برغم كل ما يقال عن المصلحة الأمنية المشتركة بين روسيا والغرب. وهناك اعتقاد شائع على المستوى الشعبي في روسيا بأن اقتصاد السوق الغربي أحبط البلاد وما يصاحبه من صورة المؤسسات الدولية المالية الكريهة التي تضع الضغوط والقيود وتصعب الامور, ثم لا توفر القروض اللازمة لانعاش اقتصاد البلاد. وقد أدت الاصلاحات الى زيادة الاوضاع سوءا بالنسبة لكثير من الناس, باستثناء قلة قليلة يطلق عليها الروس الجدد والمقصود بهم رجال الأعمال. لقد حل محل الاقتصاد القديم في مؤسسات الدولة غير الكفء اقتصاد جديد أهم ما يتميز به الفساد. والمشكلة هي ان الاصلاح توقف في منتصف الطريق وتم خصخصة أصول الدولة في مناخ تسود فيه فوضى قانونية مما أد الى عدم السيطرة الكافية. وقد أصبحت هناك زمرة غنية جدا بحيث لا يمكن ان يسيطر عليها أحد وينظم سلوكها, سيطرت هذه الزمرة على العملية السياسية, وأبقت الرئيس يلتسين في السلطة في الوقت الذي كان ينبغي ان يكون في المستشفى تحت العلاج, ثم وضعت بوتين محله في الانتخابات الأخيرة. وهناك كثير من الروس سواء في الحكومة أو القطاع الخاص يشعرون بالغموض ولا يستطيعون تحديد ما اذا كانوا يوافقون على قدوم الاستثمارات الاجنبية أم لا! أو انهم يريدون استثمارات اجنبية لكن دون ان تكون هناك علاقات مشبوهة. وقال أحد المستثمرين في مجال الاتصالات ان آباءنا يريدون أموالنا, لكنهم يريدون مقابل ذلك ان يملوا علينا شروطهم وان يقولوا لنا ماذا نفعل, ويقصد بآبائنا من في أيديهم السلطة. وقال آخر ان كبرياء الروس يمنعهم من الاعتراف بأنهم لايزال اقتصادهم ناميا مع وجود الفساد والعربدة القانونية. ويتفق كثير من المحللين على ان الانهيار البيئي قد يكون جرس الانذار الوحيد الصادر منذ بداية الاصلاح منذ ثماني سنوات. وجاء في تقرير صدر مؤخرا ان الاستثمار الرأسمالي ينخفض منذ 12 عاما, وبلغ في عام 1999 انخفاضا بنسبة 22% مقارنة بأرقام عام 1991. وأهم العوامل التي ساهمت في ذلك هروب رأس المال بكميات كبيرة من البلاد. وتشير أكثر التقديرات الى خروج 130 الى 140 مليار دولار منذ عام 1993 من البلاد, ولايزال يهرب رأس المال حتى الآن بمعدل مليار دولار أو مليارين شهريا, وفق ما قاله مسئولون في الحكومة. وخلال الفترة ذاتها بلغت الاستثمارات الاجنبية 10 مليارات دولار, وحصلت البلاد على دعم من صندوق النقد والبنك الدوليين مقداره 25 مليار دولار. وقال رئيس اللجنة الاقتصادية في مجلس النواب الروسي سيرجي جلازيف العضو البارز في جماعة شيوعية, ان أكبر تحد يواجه البلاد هو انخفاض الاستثمارات الاجنبية. ويقول ان عنق الزجاجة سوف يظهر خلال الأعوام الثلاثة أو الاربعة المقبلة, فنحن في حاجة للتخلص من نحو ربع الاصول لدينا لأنها قديمة وعفا عليها الزمن, واذا لم نفعل ذلك فسوف يواجه الاقتصاد أزمة جديدة. لكن الروس الجدد الذين يسيطرون على ناصية الاقتصاد الجديدة عقب فترة الاتحاد السوفييتي السابق, هم المسئولون عن هروب رأس المال خارج البلاد, وهم الذين يشترون الشقق في جنوب فرنسا, وهم الذين اختاروا بوتين ليخلف يلتسين لتعزيز موقفهم به. وبنبغي ان يقتنع بوتين انه اذا أراد ان ينعش الاقتصاد لابد ان يجذب الاستثمارات الاجنبية والتكنولوجيا التي تتبع ذلك, ولكي يحقق ذلك لابد ان يصلح النظام القانوني برمته وان يضرب بيد من حديد على أيدي الفساد, لكن هذا بلا شك يعني انه سيتخذ اجراءات ضد العمالقة الذين ساعدوه في تقلد مقعد السلطة, كما يعني ايضا ان يوجه عناية خاصة لقطاع الطاقة من أجل السماح بالمنافسة في هذا القطاع الاقتصادي الحيوي. ويعني ذلك ان يدعم بوتين السياسة الليبرالية في الوقت الذي وصل فيه للسلطة بفعل قوة الشعور الوطني المتزمت. قد يجد ما يغريه ليفعل ذلك, لكن الأولوية بالطبع ستكون لأن يظل على مقعد الرئاسة. عن صحيفة (فاينانشيال تايمز)