في الاجتماع الأخير لقمة الدول النامية, كانت هناك مطالب من مندوبي هذه الدول بأن يكون هناك مجال أوسع لمشاركة جميع دول العالم في الثروة الاقتصادية العالمية. وباستعمالها للفظة (المشاركة) هذه, تؤكد دول العالم النامي أنها لا تفهم ولا تؤمن أن تستأثر دولة ما أو مجموعة من الدول بالثروات. إلا أن الثروة يجب أن توجد أولا قبل أن يتم تقسيمها, وأهم عامل في عملية إيجاد وتوليد الثروات هو التنظيم أو النظام الاجتماعي. فنظرة واحدة إلى أية دولة من دول العالم الأكثر فقرا, تؤكد أن هذه الدول غير قادرة على أن تنظم نفسها من أجل ضمان تحقيق مستوى الأمن اللازم لشعبها, كما أنها غير قادرة على التحكم في معدل الجرائم داخل أراضيها, وليست لديها القدرة اللازمة لمد شعبها بمياه شرب نظيفة, وتعاني شبكات النقل والمواصلات العامة بها من تدهور وتخلف شديدين. وكل تلك عناصر يجب أن تتوافر أولا على المستوى المحلي حتى يمكن أن يكون هناك مجال للتنمية الاقتصادية, فلا يمكن لأطراف أخرى خارجية أن توفر هذه العناصر, التي في حالة عدم توافرها لا يمكن لأي قدر من المساعدات الأجنبية أن يسرع بخطى التنمية الاقتصادية في الدولة المعنية, فمعدلات الاستثمار يمكن في بعض الأحيان والظروف أن تكون أعلى وأكثر كفاءة, إذا كانت تعتمد على الأموال التي يتم ضخها وإيجادها داخليا أو على المستوى المحلي فقط. وكلما زادت معدلات ونسب الاستثمار في نواحي البنية التحتية وتنمية المهارات ازدادت إنتاجية الدولة. وكما أن هناك دولا فقيرة وأخرى ثرية, فإن هناك أيضا أناسا أثرياء للغاية في الدول الفقيرة وطبقات فقيرة للغاية في الدول الغنية. فإذن تقديم مساعدات مالية للدول الفقيرة لا يعني ولا يضمن مساعدة الفقراء بها! وليس هناك من سبب مقنع يجعل دافعي الضرائب من ذوي الدخل المتوسط في الدول الصناعية الثرية يدعمون ماليا مستويات المعيشة الخاصة بأناس أكثر ثراء منهم في دول فقيرة. ولذا فإن الدول المتلقية للمساعدات عليها أن تكون قادرة على ضمان أن المساعدات المالية التي تأتي من الخارج تذهب بالفعل إلى مجالات التنمية الاقتصادية, وليس إلى مساعدة الأثرياء والأقوياء في هذه الدول. فإذا كانت هذه الدول غير قادرة على تنظيم هذه العملية وضمان هذا الهدف, فليس هناك معنى في أن تتلقى هذه الدول مساعدات اقتصادية. فالقضية ليست هي أن الفقراء تم استغلالهم في ما يتعلق بالثروة الاقتصادية العالمية, إذ إنه في القرن التاسع عشر فإن الإمبراطوريات كانت تشتريها الدول بثرواتها, فإلى يومنا هذا لايزال المؤرخون يناقشون ما إذا كانت الإمبراطورية البريطانية الاستعمارية كونت الثروات أم فقدتها, فبناء الإمبراطورية شيء يكلف الدولة الكثير من الأموال. والنتيجة التي تم التوصل إليها في هذا الشأن هي أن بناة الإمبراطوريات قد خسروا الكثير. كما نجد أن معظم أغنياء هذا العصر اضطروا إلى أن يبدأوا من جديد بعد الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية, ولا يمكن لأية دولة من الدول الثرية في هذا العصر أن تعزي نجاحها الحالي إلى الحقبة الاستعمارية. وفي الوقت نفسه هناك دول أخرى كانت في وقت من الأوقات أكثر ثراء من دول شرقي آسيا, وهي دول جنوب الصحراء الأفريقية, لكنها أصبحت غير قادرة على توفير التنظيم الاجتماعي الذي تتطلبه العولمة. وفي داخل العالم الثالث تتباين معدلات النمو العام المحلي, حيث ترتفع هذه المعدلات وتنخفض في ذات الوقت. فإذا حدث مثلا واستفادت الصين من العولمة ولم تستفد أفريقيا, فإن العيب إذن يكون من أفريقيا وليس في أي شيء آخر. فالعولمة يمكنها أن تتجاهل الدولة أكثر مما يمكنها استغلالها.. فكل فرد منا يعيش داخل الكرة الأرضية, ولكن ليس كل فرد يعيش داخل الاقتصاد العالمي! فإذا كانت الدولة تعاني الأمية ولا تستطيع أن تحافظ على استقرارها الاجتماعي, وغير قادرة على توفير عناصر البنية التحتية اللازمة, فإنها ببساطة سيتم تجاهلها ولن يكون لها وجود داخل الساحة الاقتصادية العالمية. ومن المنظور الاقتصادي سوف تعيش هذه الدولة داخل نظام اقتصادي (شمسي) مختلف! لستر ثرو ـ العميد السابق لكلية سلون الأمريكية للإدارة