سؤال واضح ومحدد: هل يجوز الآن ان يضع المستثمر امواله في الاستثمار العقاري؟ اداء القطاع خلال العامين الماضيين تراجع عما كان عليه قبل ذلك. وهناك مجالات اخرى تعود الآن إلى الواجهة.. بعد تقهقر مؤقت مثل ـ سوق الاسهم ـ ويعني ذلك ـ كما يقول لنا بعض المستثمرين ـ علينا ان نعود إلى طرح هذا السؤال على ضوء المتغيرات الجديدة في السوق. ومراجعة الارقام لا تجعل الاجابة على السؤال امراً صعباً. الصعب هو رصد ما يريده المستثمر بالضبط. فالجميع ـ بطبيعة الحال ـ يريدون عائداً طيباً على استثماراتهم. ولكن هناك مستثمر طويل المدى.. اي انه يحسب جدوى استثماره على فترة زمنية طويلة نسبياً, وهناك آخر يريد ان يضع ربحاً ثقيلاً في جيبه من اليوم الاول. لا يمكن اذن تقديم اجابة عامة على السؤال, اذ ان ذلك يتوقف على ما يأمله المستثمر. فإن قلنا ان الاستثمار العقاري طيب الآن على المدى الطويل فإن ذلك يعني انه يتفق مع ميول هذا النوع من المستثمرين. ولكنه ليس (على مزاج) النوع الآخر. من الضروري اذن تجنب اية اجابة مجردة, والارقام واضحة, ومغزاها ايضا واضح. فالعائد على الاستثمار العقاري بلغ في عام 1997 نحو 14% سنوياً. وقد ادى ذلك الرقم ـ غير المعقول ـ إلى تدفق الاستثمارات إلى القطاع بصورة غير معقولة ايضاً. سنرى مثلاً ان هذه الاستثمارات زادت بنسبة 24.3% بين 1997 و1998. اما الزيادة المقابلة في عدد السكان فإنها لم تتجاوز 6%. ولو عدنا بالذاكرة إلى عامي 1995 و1996 فسوف نجد ان النسبة تراجعت بنحو 7.2% في ردة فعل على قرارات معينة صدرت آنذاك بشأن العمالة الوافدة, اما قبل ذلك ـ اي بعد انتهاء حرب الكويت ـ فإن النسبة كانت تزداد باطراد في خط مواز لعودة الثقة إلى استقرار اسواق المنطقة. والامر الذي يجعل هذه الموجة ـ بتقلباتها بين ارتفاع وهبوط ـ ليس هو امر العلاقة التقليدية بين زيادة العرض وتراجع الطلب, او تراجع العرض وزيادة الطلب. انه ليس امر المعادلة الكلاسيكية التي تدرسها كتب الاقتصاد. ولكنه امر مؤثرات اخرى. ذلك ان كتب الاقتصاد تقول ان تحول قطاع معين إلى قطاع جاذب للاستثمار يؤدي إلى ركض المستثمرين اليه, ومن ثم زيادة العرض. وبعد قليل يبدأ القطاع في التشبع, ولا تلبث الارباح ان تنخفض بالتالي مع زيادة العرض بمعدلات اعلى من معدلات زيادة الطلب, وبعد قليل يدخل هذا القطاع مرحلة من الركود, فلا يطرقه اي مستثمر جديد. ولأن الطلب ينمو باستمرار, ولان هجر المستثمرين لهذا القطاع (الراكد) يعني ان العرض لم يعد ينمو بمعدلات مشابهة, فإن القطاع لا يلبث ان يصل إلى نقطة يزداد فيها الطلب على العرض عائداً بذلك إلى الانتعاش, فترتفع الاسعار تدريجياً, ويعود المستثمرون ـ راكضين مرة اخرى ـ إلى توظيف اموالهم فيه. وهي دورة مستمرة تشبه الموجة في تحركها بين الوفرة والندرة. الا ان ما حدث لدينا لم يكن ناجماً عن عامل زيادة الاستثمار او تراجعه فقط. فحرب الكويت لا علاقة لها بذلك, وقوانين منع الوافد من استدعاء اسرته إن كان دخله يقل عن 4 آلاف درهم لا علاقة لها بذلك, وتذبذب اسعار النفط ـ ومن ثم الانفاق الحكومي والحركة الاقتصادية المصاحبة التي تستدعي عمالة وافدة او تلفظها ـ لا علاقة لها بذلك. لمعادلة الاستثمار العقاري في الامارات اذن خصوصيتها, هذا هو اهم ما يمكن استنتاجه من دراسة متغيراتها خلال العقد المنصرم. وتبدو سمات اللحظة الراهنة تعبيراً مخلصاً لهذه الخصوصية. فخلال عامي 1998 و1999 شهدت اسعار النفط تقلباً مؤلماً. وانعكس ذلك على مجمل الحركة الاقتصادية في البلاد. ثم ان هذين العامين شهدا ايضاً كارثة المضاربة على الاسهم وما تبعها, فتحولت اموال كثيرة إلى الاوراق, ثم تحولت الاوراق إلى دخان.. تبخرت فجأة 100 مليار درهم من القيمة السوقية للاسهم. وكان ذلك (الثقب الاسود) في الفضاء الاستثماري في الامارات سبباً في ابتلاع استثمارات كثيرين, وهي استثمارات كان يمكن ان تتجه إلى قنوات استثمارية من شأنها تعويض ولو نسبة من تأثيرات انخفاض الانفاق الحكومي بسبب انخفاض اسعار النفط. وضاعف من الآثار السلبية لهذين العامين الثقيلين حقيقة ان المستثمر كان يقارن ما يحدث فيهما بوضع هو اصلاً افضل من الاوضاع العادية التي يجب ان نقارن عليها. فعائد 14%. كما اوضحنا ليس معقولاً.. العائد المعقول هو بين 6% إلى 8% طبقاً لاية معايير دولية. فضلاً عن هذا فإن ارتفاع العائد كان يعني ان الايجارات مرتفعة, وهي بالفعل مرتفعة بنسبة تتراوح بين 30% إلى 40% عن المعايير الخليجية. بعبارة اخرى كان كل ما لدينا مرتفعاً اكثر من اللازم. ولكن هذا الـ( ما لدينا) تحول إلى قاعدة للقياس. فإن تحقق في عام ما اقل من ذلك, فهي (كارثة) في نظر البعض! والسؤال هنا: ماذا يريد المستثمر بالضبط؟.. عائد من 6 إلى 8% مع حدود واضحة للتمويل المصرفي؟ ام عائد 14% مع سخاء مصرفي في تمويل البناء؟ ان كان المطلوب 14% عائداً فإن المستثمر لن يحصل عليها في الظرف الراهن.. والاسباب واضحة وهي تدخل ضمنا فيما ذكرناه. فالمصارف كانت تمول 60% من قيمة العقار في بعض الاحوال وذلك في مخالفة واضحة لقواعد المصرف المركزي. والايجارات كانت مرتفعة والعقارات ـ بالتالي ـ كانت ذات إغراء لا يقاوم. اما الآن فإن المصارف تمول 20% فقط, وإن كان لك علاقات خاصة ووضع استثماري كالصخر فبوسعك الحصول على 30% او 40% في بعض الحالات ولكن حكاية الـ 60 والـ 65% انتهت, في الوقت الحالي على الاقل. امام المستثمر اذن شروط معينة لدخول القطاع العقاري الآن: ـ ان يكون قد وضع حساباته على تمويل مصرفي في الحدود المذكورة. ـ ان يتوقع عائداً استثمارياً في حدود 8%. ـ ان يكون مستعداً للوفاء بقرضه العقاري في حدود السنوات السبع التي تحددها المصارف. فهل من الحكمة الاقدام على الاستثمار في العقارات في ظل هذه الظروف؟ يرجع الامر ـ كما اوضحنا ـ للمستثمر نفسه فهو صاحب القرار الا ان عليه قبل ان يقرر ان يلاحظ التالي: ـ لا يمكن تطبيق قوالب قياسية جامدة على الاستثمار العقاري هنا. ويعني هذا ان على المستثمر ـ مثلاً ـ ان يراقب عن كثب تطورات سوق الاسهم. ذلك ان انتعاش هذا السوق سيؤدي إلى سحب الاستثمارات تجاه البورصة ولابد لذلك من ان يؤدي إلى خفض العرض في القطاع العقاري, ومن ثم عودة الايجارات للارتفاع. الايجارات الآن وضعها (محزن) , فقد انخفضت في بعض الحالات بنسبة 30%, وثمة بنايات بأكملها غير مؤجرة.. وكل هذا علامات على زيادة العرض. وسوف يحتاج الامر إلى (تجفيف) السوق من زيادة العرض حتى يصل إلى نقطة التوازن. ولابد ان انتعاش سوق الاسهم سيساعد على ذلك. ـ مع ذلك فإن هناك اموراً يمكن توقعها, من ذلك مثلاً ان المصارف لن تعود ـ بسرعة ـ إلى سخائها القديم. ومن ذلك ايضاً ان الايجارات لن ترتفع خلال العامين المقبلين سواء بسبب زيادة العرض, او بسبب انها ارتفعت عما ينبغي ان تصل اليه نتيجة بعض السياسات التي اتبعتها مكاتب التأجير الكبيرة, اي ليس نتيجة لعلاقة مباشرة بين العرض والطلب. ـ ان كان بوسع المستثمر مقاومة الاغراء الذي سيأتي من سوق الاسهم. وان كان بامكانه الاعتماد في حصة كبيرة من التمويل على موارده الخاصة وليس على البنك, وان كان يتحلى بالصبر, او ببعض منه, فإن اللحظة الحالية مواتية لشراء عقار او الاستثمار في أرض, ذلك ان الاسعار منخفضة, وهي لن ترتفع بسرعة خلال العامين او الاعوام الثلاثة المقبلة, ولكنها سترتفع بعد ذلك بافتراض ثبات العوامل الاخرى, اي معدلات الزيادة السكانية وحجم الانفاق الحكومي, اي اسعار النفط. يتوقف الامر اذن في الاجابة على السؤال الذي بدأنا به.. على ما يأمله المستثمر.. فإن كان من مستثمري المشوار القصير فإن عليه ان يبحث عن مجال آخر غير مجال العقارات. وان كان ممن بوسعهم الانتظار قليلاً, والاعتماد على موارد ذاتية للتمويل, فإن ما سيجده بعد ذلك يبرر هذا الانتظار إلى حد كبير. كتب عصام الدين عبدالعزيز