بقلم: روبرت صامويلسون ارتبط الاقتصاد الأمريكي منذ منتصف التسعينات بحلقة فرضية تمتاز بثقة وانفاق ووظائف وأرباح أعلى. وقد لعب سوق الأسهم الصاعد دوراً حاسماً في هذا التفاعل التسلسلي محولاً الثقة المتنامية الى ثروة مالية أكبر, والتي أدت بدورها الى تحسين انفاق المستهلك وايجاد فرص العمل والارباح والاستثمار. ويبدو ان الانباء الجيدة تعتمد على نفسها. فقد تمتعت الحكومات على جميع المستويات بثمار الضرائب غير المتوقعة, وتحولت عجوزات الموازنة الفيدرالية الى فائض. والسؤال الاقتصادي المركزي الذي يطرح الان هو ما إذا كان سوق الأسهم الذي يشهد ضعفاً قد كسر هذه الحلقة المريحة, واذا كان هذا هو الحال, فما هي عواقب ذلك؟ عموماً, هناك اربعة احتمالات: ـ لم يتغير شيء كثير.. فالثقة وأسعار الأسهم استردت مكانتها محافظة على انفاق استهلاكي قوي ونمو في الوظائف. ـ الحلقة مكسورة, لكن الآثار بسيطة ومفيدة.. فالانفاق الاستهلاكي الأبطأ يزيل الضغوط التضخمية. ـ الحلقة مكسورة, ولكن بدلاً من حدوث تراجع اقتصادي حاد, فان الاقتصاد يستقر في فترة طويلة من النمو البطيء (يشبه الى حد كبير الركود الياباني في التسعينات). ـ الاقتصاد يعاني من كساد اقتصادي حاد.. حيث يؤدي انخفاض أسعار الأسهم الى اضعاف الثقة والانفاق الاستهلاكي والأرباح والاستثمار. لا أحد يعلم أي احتمال سيحدث. فمنذ الحرب العالمية الثانية, خضعت معظم دوائر الأعمال لنقاط القوة ونقاط الضعف في سياسات الحكومة (التسليف السهل والتسليف الصعب والميزانيات التوسعية وما شابه ذلك). وعلى النقيض من ذلك, فان الميول الخاصة والأسواق الخاصة قد عملت على ضبط هذه الحلقة على نحو كبير. وهذا هو أحد الأسباب وراء حقيقة كونها من الصعب التنبؤ بها. واذا ما أخذنا بعين الاعتبار سجل الاقتصاد في المرونة, فان الاحتمال الأول (لاشيء يحدث) يمكن تصوره. ففي نهاية المطاف, الأزمة المالية الآسيوية لم تشوش النمو, كما ان حالات هبوط الأسهم السابقة لم يبق من تأثيرها إلا القليل. ولنسترجع معاً تاريخ 27 أكتوبر ,1997 حيث شهد مؤشر داو في ذلك اليوم هبوطاً بمقدار 554 نقطة أو 7.2%, وفي 31 اغسطس 1998, انخفض 513 نقطة أي بمعدل 6.4%. ومع ذلك, فان هذه الحلقة الأخيرة تثير القلق. فمنذ ان وصلت مؤشرات الأسهم الى مستويات عالية غير مسبوقة في وقت سابق من هذا العام, بدا وكأن هناك نمطا سائدا. ثم جاءت بعض الأخبار السيئة لتسبب هبوطاً حاداً. وقد استعاد السوق بعضاً من خسائره (وليس كلها). وبعد ذلك ظهر شيء آخر تسبب في اطلاق النمط من جديد. وهناك عوامل اخرى توحي بعكس النتائج الطيبة. وبالنسبة للمبتدئين, فان المضاربة في السوق قد تكثفت خلال العام الماضي. وارتفعت أسعار بعض الأسهم (وخاصة أسهم العديد من شركات الانترنت) الى مستويات غير واقعية استناداً الى الاعتقاد القائل بأن تلك الأسهم يمكن بيعها بأسعار أعلى في أي وقت. وهذا يعني ان الثقة (والثروة) المعتمدة على بعض أرباح الأسهم الأخيرة كانت مصطنعة على نحو متزايد. وتهدد أسعار الأسهم المنخفضة التدفق الضخم لرؤوس الأموال الرخيصة لشركات التقنية العالية (من أموال المشاريع الرأسمالية و(الاكتتاب العام الأولي) ). وقد حول هذا التدفق عمليات توظيف جديدة ومشتريات الكمبيوتر وبناء المكاتب والاعلانات المثيرة. وقد يتباطأ هذا الانفاق. وستستنفذ بعض الشركات المبتدئة الأموال. ومن المفترض انها إما ان تخرج من السوق أو تندمج مع شركات أغنى. وأخيراً, هناك الاحتياطي الفيدرالي. ففي عام 1998, قام بتخفيض معدلات الفائدة لتعادل تأثير الأزمة الاقتصادية في الخارج. وعلى النقيض من ذلك, فان الاحتياطي الفيدرالي عمل على رفع معدلات الفائدة منذ منتصف عام 1999 للحيلولة دون تسبب طفرة الانفاق للتضخم. ان كل هذا يوحي ان الاقتصاد سيضعف ولكن لايوحي بمدى هذا الضعف. وبالنظر الى قوته (في الربع الرابع من العام, نما الناتج المحلي الاجمالي بمعدل سنوي بلغ 7.3%), فان تباطؤاً طفيفاً سيكون هبة من الله اذا أدى الى كبح التضخم. لكن التباطؤ الحاد سيكون شيئاً آخر. وقد تعتمد مسألة (مقدار هذا التباطؤ) بشكل كبير على عاملين. أول عامل هو باقي انحاء العالم. ففي الأماكن الاخرى, شهد الوضع الاقتصادي تحسناً ملحوظاً. وفي عام 2000 قد ينمو الاقتصاد الأوروبي بنسبة 3.2% حسب توقعات صندوق النقد الدولي. وقد تنمو الاقتصادات الآسيوية (غير اليابان) بنسبة 6%, وسيساعد هذا النمو على افتراض انه لن يعتمد بعد الان بشكل حصري على الصادرات الى الولايات المتحدة. وستقوى الصادرات الأمريكية تماماً مثلما خف الانفاق المحلي. ولكن ما يعتمد عليه أكثر هو نفسية المستهلك الأمريكي. فكل شيء تقريباً كان من المفترض ان يكون (جديداً) حول الاقتصاد الجديد قد حدث من قبل. وعلى الرغم من أجهزة الكمبيوتر, فان مكاسب الانتاجية (الزيادات في الكفاءة) كانت أكبر في الخمسينات مما كانت عليه في التسعينات. والبطالة كانت أقل في أواخر الستينات مما هي عليه الان. أما الميزة الفارقة الحقيقية الوحيدة للاقتصاد الجديد فهي ان المستهلكين كمجموعة توقفوا عملياً عن التوفير. ففي عام 1991, كان معدل التوفيرات الشخصية (التوفيرات كحصة من الدخل بعد الضريبة ) 8.3%, وفي عام 1990 كان ذلك المعدل يبلغ 2.3%. وتبلغ قيمة كل انخفاض بنسبة واحد في المئة في معدل التوفيرات حوالي 66 مليار دولار على شكل إنفاق استهلاكي اضافي. ربما لايزال الأمريكيون يودعون أموالهم في حسابات التوفير. لكن المستهلكين يقوضون هذه المدخرات من خلال الاقتراض أو من خلال انفاق أرباح الأسهم. ان فورة الانفاق هذه والتي تعتمد كثيراً على ثروة الناس من الأسهم هي التي وسعت نطاق الاقتصاد والأرباح وعمليات التوظيف. والمسألة هي ان هبوط سوق الأسهم لا يمكن صرف النظر عنه لأن (أسس الاقتصاد قوية) والسوق يعتبر واحداً من هذه الأسس. واذا لم يزعج السوق المستهلكين, فان الازدهار يستمر. اما إذا عمل السوق على ترهيب المستهلكين, فان الازدهار يتوقف. وبين هذه الحدود المتطرفة هنالك عدد لا حصر له من الامكانيات. ويظل وول ستريت هو المركز الرئيسي لهذه الامكانيات.