جددت الخسائر التي تعرضت لها الأموال العربية في الخارج, إثر أزمة البورصة الامريكية الأخيرة, الحديث عن ضرورة عودة هذه الأموال للاستثمار داخل الوطن العربي, والتمتع بميزة الأمان التي تتوفر في البورصات العربية الناشئة. وارتبط بذلك مناقشات، حول المخاوف التي أثيرت ازاء خطط ربط البورصات العربية بعدد من البورصات الغربية والأمريكية الكبيرة, وعلى رأسها بورصة نيويورك التي شهدت خسارة 10 مليارات دولار من الأموال العربية في أزمتها الأخيرة. (البيان) استطلعت آراء عدد من الخبراء ورجال المال حول مدى توافر الظروف والأجواء الملائمة لعودة الأموال العربية, وما يمكن أن تساهم به لانجاح خطط التنمية في الوطن العربي. يرى المحلل المالي عصام مصطفى أن المال العربي تلاحقه عدة ضربات خارج المنطقة العربية إذ لحقت به من قبل خسائر قدرت بـ20 مليار دولار عام 1997 مع انهيار اقتصادات دول جنوب شرق آسيا. وفي الوقت الذي تكاد البورصات العربية تتعافى حاليا, تعرض المال العربي ثانية في الخارج لخسائر في بورصة نيويورك بلغت 10 مليارات دولار.. مؤكدا أن مبررات بقاء هذه الفوائض العربية في الخارج باتت غير موجودة بعد تحسن مناخ الاستثمار في الوطن العربي سواء المباشر أو غير المباشر وحرية انتقال الأموال للخارج في أي وقت واعفائها من أي رسوم ضريبية وأصبحت التشريعات الاقتصادية الحاكمة لعملية الاستثمار مواكبة لما هي عليه في الدول المتقدمة. وينتقد مصطفى استمرار بقاء هذه الأموال خارج المنطقة العربية المتعطشة لها في عمليات التنمية في الوقت الذي يمكن أن تفتح مجالات عمل وفرص انتاج شريفة لأبناء المنطقة حتى اذا كان المردود الرأسمالي لها بالوطن العربي أقل من نظيره في بورصات العالم عالية المخاطر مقارنة بالأسواق العربية المالية الناشئة. ويبدي عصام مصطفى مخاوفه من لقاء متوقع بين رئيس هيئة سوق المال المصرية, ورئيس بورصة نيويورك في أكتوبر المقبل بالقاهرة, لبحث قيد متبادل لعدد من أنشط الأسهم في السوقين, تمهيدا لربط البورصتين ويرى أن ذلك قد يؤدي الى استنزاف المال العربي في بورصة نيويورك وترويج لأسهم الشركات المقيدة في الأخيرة على حساب الأولى, أي أنه سيعكس مزيدا من تحويل رؤوس الأموال العربية التي قيدت في بورصة مصر لصالح بورصة نيويورك. ويطالب بابطاء خطوات طرح نحو 12 شركة مصرية لشهادات ايداع دولية في بورصة لندن علاوة على 8 شركات موجودة حاليا, حتى يتم استيعاب الاقتصاد الوطني لنتائج عملية الاصلاح الاقتصادي. ويحذر مصطفى من توسع الشركات العربية في طرح أسهم أو جزء من أسهمها في بورصات دول العالم المتقدم في صورة شهادات ايداع دولية, رغم أن الهدف منها الترويج لمناخ الاستثمار في الوطن العربي, إلا أن هذه البورصات العالمية التي تعتمد على المشتقات والعقود الآجلة عالية المخاطر تجعل مساحات تذبذب هوامش الارتفاعات والانخفاضات عالية جدا وكبيرة وهو ما يصعب علينا في هذه المرحلة الاقتصادية استيعابها. ويرى ابراهيم المنزلاوي رئيس شركة للسمسرة والأوراق المالية, أنه لاشك أن المال العربي بدأ العودة للدخول في مجالات الاستثمار المختلفة في الوطن العربي, إلا أنه مازال أضعف مما كان متوقعا ولا يتعدى بضعة مليارات من الدولارات. كما أن هذه الأموال تفضل الدخول في قطاعات عالية الربحية في الوقت الذي لن يبني المنطقة العربية إلا المال العربي وخاصة في مجال نقل وتوطين التكنولوجيا في شتى المجالات واقتحام مجالات عالية التقنية والتي تحتاج الى استثمارات ضخمة لن تأتي إلا عبر القطاع الخاص العربي الذي يملك الفوائض, خاصة في ظل اتباع البلاد العربية لبرامج الخصخصة والاصلاح الاقتصادي. واندهش المنزلاوي من أن القطاع الخاص العربي ومستثمريه الذين تضمهم موسوعة (أغنى أغنياء العالم) لايوازن بين مصالحهم الخاصة في تحقيق أعلى ربحية لدوران المال ومصالح أوطانهم, خاصة أن بورصات الدول العربية استفادت وتعلمت درس (بورصة المناخ) في الكويت وأوقفت التعامل على العقود الآجلة, والمشتقات عالية المخاطر.. مشيرا الى أنه لايمر عام إلا وتتعرض الفوائض العربية لضربات متتالية تستنزفها, حتى اذا نجحت في تحقيق أرباح رأسمالية من وجودها في الخارج بعض الوقت.. علما أن غالبية بورصات الخليج والدول العربية أصبحت مهيأة من حيث الكوادر البشرية والامكانات التداول, والقيد, والتسوية والمقايضة, والبنية الأساسية من شركات للسمسرة, وتداول الأوراق المالية وصناديق تأمين التعامل على الأوراق المالية. ويشير المنزلاوي الى أن البورصات العربية الناشئة أتت ضمن أفضل البورصات الناشئة في العالم في تقارير البنك الدولي المهيأة لاستقطاب المال الأجنبي مندهشا من تردد المال العربي من التحول من بورصات العالم حتى الآن الى بورصات الوطن العربي بالشكل الذي يتوازن مع وجودها في الخارج خاصة أن المال الأجنبي سرعان ما يخرج من أسواق المال وقت الشعور بأي مخاوف أو احتمالات تراجع بقيمة الأسهم, علاوة على أن غالبية البورصات العربية تأخذ بمبدأ عدم زيادة أو انخفاض أسهم أي شركة يوميا عن 5% بما يقلل مخاطر الارتفاعات والانخفاضات للأسهم غير المبررة اقتصاديا. ان الحكومات العربية تقوم باعداد دراسات جدوى لأفضل مجالات الاستثمار المباشر سنويا وتقوم بالترويج لها عبر المؤسسات المالية والجهات المختصة. كما خصصت البورصات العربية مواقع لها على شبكة الانترنت العالمية لتسهيل تلقى عروض الشراء والبيع للأوراق المالية المقيدة في مختلف البورصات ولاينقصها حاليا سوى تأسيس شركات عربية للمقاصة والتسوية وتبادل قيد شركات للسمسرة, واعداد مؤشر لبورصات الدول العربية يتضمن أفضل الأسهم النشطة المقيدة بها. ويعتبر رئيس بورصتي القاهرة والاسكندرية الدكتور سامج الترجمان, أن ما يحدث للمال الخليجي خصوصا, والعربي عموما في اضطرابات السوق العالمي لايجب أن يقلل من ربط بورصات الدول العربية مع نظيرتها المتقدمة إذ أن ذلك سيحقق تدفقا للمال الأجنبي على تداول أسهم شركات عربية مقيدة في هذه البورصات, وانعاش حركة التداول اليومي التي لاتغطى 200 مليون دولار حاليا في هذه البورصات.. فضلا عن الترويج بين أوساط رجال المال والأعمال لمناخ الاستثمار في الوطن العربي الذي تغير كليا, مما يحفز المال العربي على القدوم الى الوطن العربي وتأكيد مصداقية هذه المؤسسات وحفاظها على التطوير المستمر وملاحقة التقدم. ويقلل الترجمان من مخاطر وجود شهادات ايداع دولية لشركات عربية مقيدة في هذه البورصات بالخارج, إذ أن ذلك يحقق لنا جدارة ائتمانية عالية وحصولنا على تقييم استثمار متقدم, نتيجة استقرار أوضاع هذه الشهادات وضمان مؤسسات مال أجنبية عالمية سداد قيمة هذه الأوراق المالية في البورصات (الأم) العربية.. علاوة على توافر اقتراض من الخارج بدون شروط, وبأقل نسبة مخاطر, وتعديل هياكل الانتاج في هذه الشركات صاحبة الشهادات, وتطويرها بأقل نفقات رأسمالية, في وقت نحتاج فيه الى الاستثمار الأجنبي في المنطقة العربية للوصول بمعدلات التنمية الاقتصادية الى 7% سنويا وتنويع هياكل الانتاج, وادخال تكنولوجيا عالية بأقل تكاليف مما يشجع في النهاية على استقطاب مجمع المدخرات العربية الموجود بالخارج للتوطين في المنطقة العربية تفاديا للضربات المتتالية لها في أسواق المال الأوروبية وغيرها. القاهرة ـ حسين عبدالهادي