بقدر ما يتعين على صانع القرار ومتخذه التسلح بالجرأة والحزم والقدرة على اتخاذ القرار المناسب حتى في اصعب الظروف واكثرها تشوشاً واثارة للارتباك يجب عليهم الحذر والا قادهم التصعيد إلى الوقوع في مصيدة حقيقية. وهنا اضواء من ارض الواقع العملي على هذه الحقيقة التي تبدو بديهية للبعض لكنها تغيب عن اعين كثيرين. اتخاذ القرار ايا كان نوعه يعني اكثر من مجرد الاختيار بين امرين او امور عدة ذلك ان صناع القرار ومتخذيه يعملون في محيط مزدحم بجماعات الضغط والمصالح ويتطلب البقاء في مثل هذه الاجواء مقدرة خاصة لدى هؤلاء المسئولين على تحديد امرين مهمين هما: متى ينبغي ان يكون المدير حازماً ومتى ينبغي أن يتظاهر بالحزم؟ دائماً ما يكون للعوامل النفسية دور مهم في زيادة التصعيد الاجرائي عند اتخاذ القرار. وعلى الرغم من التعقيدات التي تكتنف العوامل النفسية الا انه يمكن تقسيمها إلى اربعة عناصر هي:ـ ـ الادارة الانطباعية. ـ التنافس. ـ التحيز الحسي والادراكي. ـ التحيز في اصدار الاحكام. ويكاد الخبراء يجزمون بان اكثر الامور التي تؤدي إلى تشويه صورة اي سياسي او صانع قرار هي الاتهام بالتردد والتراخي والنكوص وهذا ما يعرف عند علماء النفس بسلوكيات الاستمرار فالاستمرار والمثابرة يجعلان المديرين التنفيذيين يبدون كالقادة ايا كانت الحقيقة. ولكن ما هو مفهوم القائد المثالي؟ ان مفهوم القائد المثالي في العديد من الثقافات خاصة الثقافة الغربية هو المدير او المسئول الذي يتسم بالحسم والعزم والارادة. ولكن التمسك بالشكليات يمكن ان يضر بعملية صنع القرار وذلك لأن القائد الكفء في واقع الامر هو الذي يختار من بين المقترحات المطروحة عليه بسرعة ثم يتابع تنفيذ القرار إلى النهاية. وهناك سبب آخر لقلة اقتباس النموذج التقليدي القديم وهو ان مديري اليوم عادة ما يكونون عرضة لانتقادات حادة بسبب ما يعمدون اليه من اجراءات التسويف والمماطلة ونادراً ما يتلقون المديح والتقدير لجديتهم ودأبهم على العمل. ومن اكبر اشكال التضارب في دنيا الادارة السعي الحثيث والدائم لتحقيق اعلى مستويات من الجودة في غياب المنهاج العلمي الذي يؤدي لذلك ولهذا السبب يجد المديرون انفسهم مضطرين لاتباع اساليب محددة في اتجاه معين لا رجعة عنه. ولكن ماذا ان لم تنجح القرارات في اول الامر؟ ان هناك تضاداً ظاهرياً آخر يبرز الاسباب الكامنة وراء وجود كثير من القرارات ذات الاتجاه الاضطراري فيتوجب على المديرين دائماً انجاز الاعمال بصورة فعالة مهما كانت الصعوبات والمعوقات. وقد تعلمنا انه يجب العمل باخلاص حتى في ساعات الضعف والعجز والا نرضخ ونتراخى وان نحاول بجد. ولمثل هذه النصائح مجموعة من التبريرات فالعبقرية تعرف على انها 10% موهبة وكذلك 90% طموحاً شخصياً ومثابرة. وحتى كاتب كبير مثل نجيب محفوظ الذي اشتهر بالهامه في الكتابة والتأليف كان يتعب ويكد لكي يكتب مؤلفاته التي منحته جائزة نوبل للادب. وتكمن المشكلة في ان تشكيل قواعد الاستمرار يعزز من صعوبة التخلي عن المسار الخاطىء لاجراء ما. ومن الاسباب القوية التي تؤدي إلى التصعيد رفض الاعتراف بالهزيمة وايضاً اقتران الهزيمة المتوقعة بمشاعر الفشل وعدم اليقين وخيبة الامل والمسئولية فالفشل قد يعرض صاحبه للعقوبة فيحاول الشخص اخفاء فشله مما يؤدي إلى التصعيد. والاصرار على المثابرة احدى الطرائق التي يتم بها اشعار الآخرين بأننا محقون فمثلاً هناك دلائل عديدة توضح ان المشرفين على اختيار الموظفين الجدد في أي مؤسسة يتجاوزون في تقديراتهم بطريقة تبرر قرارهم السابق. والمدير التنفيذي الذي لا يشعر بالامن ـ خاصة ذلك الذي يشعر بأنه مهدد بفقدان وظيفته ـ ليس لديه ما يخسره ان هو اصر على الاستمرار بل ان الاستمرار والمثابرة يتيحان له الوقت الذي يتحول فيه انتباه المسئولين عنه الامر الذي يتيح انجاز المشروع الفاشل سريعاً. وفي حقيقة الامر فإن الوقت يوفر المساحة الزمنية للاداري لكي يعدل المسارات والمعايير ويبدلها تحقيقاً للنجاح ودمج المشروعات وحشد المؤيدين السياسيين واقل ما توفره المساحة الزمنية هو فرصة البحث عن عمل آخر اذا وقع الذي لابد منه وتم الاستغناء عن مثل هذا المدير. اما مشاعر الاحباط وخيبة الامل فإنها تؤدي في اغلب الاحيان إلى ازدياد مستوى التصعيد الذي سوف يزداد ايضاً اذا كان صانع القرار هو المسئول عن القرار الاولي. فمثلاً يقرر مدير قسم قطع الغيار في احدى شركات السيارات فتح مستودع لقطع الغيار وسط سوق الخضر اعتقاداً منه بأن اصحاب الشاحنات الكبيرة والصغيرة التي تزدحم بها السوق سوف يلجأون إلى المستودع لشراء قطع الغيار وبعد ان تنفق الشركة اموالاً ليست بالقليلة في تأسيس الفرع الجديد ويتم الافتتاح وتنقضي السنة المالية الاولى يفاجأ قسم الحسابات بأن مديونية الفرع الجديد قد تجاوزت مبيعاته ويتم رفع تقرير إلى الادارة العليا التى تستدعي مدير قسم قطع الغيار وتطالبه باغلاق هذا الفرع. وامام مشاعر خيبة الامل والاحباط يصر مدير قسم قطع الغيار على عدم اغلاق الفرع ليس بهدف تحقيق عوائد مالية هذه المرة ولكن لكسب مزيد من الوقت للتفكير في كيفية الخروج من هذا المأزق وتندرج في ذلك فكرة البحث عن وظيفة مشابهة في شركة اخرى واخيراً تضطر الشركة لاغلاق الفرع بدلاً من اعلان افلاسها ويجد مدير قسم قطع الغيار نفسه وهو يطرق ابواب شركات السيارات الاخرى بحثا عن وظيفة. اما فيما يتصل بالمسئولية فقد تم اجراء بعض الدراسات التجريبية على تكليف بعض الموظفين بتوزيع المخصصات المالية على مشروعات ابحاث السوق وكشفت الدراسات عن ان الافراد الذين كانوا مسئولين عن قرارات سابقة فاشلة كانوا اكثر ميلاً لاعتماد مخصصات مالية كبيرة بينما فضل الموظفون الذين ورثوا فشل الآخرين الانسحاب من المشروع. ويتعين ان نشير هنا إلى ان النوعية الاولى من الموظفين تكاد تكون هي الغالبة من ناحية العدد في مؤسسات العالم الثالث بينما النوعية الاولى نادرة إلى حد بعيد ويرجع هذا إلى افتقار النوعية الاولى إلى الشجاعة والصراحة بخلاف النوعية الثانية. ويظهر احياناً عبر التاريخ اشخاص كثيرون ناجحون ويعتبرون من الابطال مع انهم لم يتحلوا بالصفات المعروفة للابطال فربما يكون من صفاتهم لين العريكة او البخل او الميل إلى الخداع او التردد وهي جميعها صفات تعكس في حقيقة الامر اختيارات كثيرة معقدة ومتشابكة. ان اتخاذ القرار ـ ايا كان نوعه ـ يعني في اغلب الاحيان اكثر من مجرد الاختيار بين امور عدة او امرين في الغالب. ونظراً لأن المديرين دائماً في محيط يزدحم بجماعات الضغط والمصالح وبمن يخالفونهم الرأي ويودون ـ في بعض الاحيان ـ ان يذهبوا للجحيم ويتطلب البقاء في مثل هذه الاجواء مقدرة خاصة لدى المدير على تحديد امرين مهمين هما: متى ينبغي ان يكون المدير حازماً ومتى ينبغي ان يتظاهر بالحزم؟ ويأتي على المدير وقت يفضل فيه ان يكرس جهوده لتنفيذ المطلوب ومن افضل اساليب السيطرة على المبادرة ان يكون المدير حازماً عندما يتخبط الآخرون في تعاملهم وتصرفاتهم فمثلاً يصر احد المديرين على عزمه على ان يصبح رئيساً لمجلس ادارة الشركة التي يعمل فيها ولا يضيع لحظة واحدة في الاعلان عن عزمه ففي هذا المثال يكون الغرض من الاعلان هو الحد من مناقشة أية خيارات اخرى وينجح مثل هذا الاسلوب في الظروف العادية. ومع هذا فإن هناك مواقف كثيرة يمكن ان ينتفع منها المرء كثيراً من المناقشة والتأمل واعادة صياغة الافكار وتستدعي معايشة هذه الاجواء والبقاء فيها مقدرة عالية على ظهور المدير التنفيذي بمظهر الحزم مع عدم اصدار القرار. ومن وسائل القيام بهذا زيادة الاهتمام بالمسائل الثانوية بهدف ابراز السيادة والتفوق. فعلى سبيل المثال عند مناقشة توزيع اعمال سكرتارية المدير قد يقول المدير: (سوف اتخذ قراراً في هذا الشأن) وبهذا يعطي انطباعاً فورياً عن نفسه كقائد حازم وقوي. كما يمكن ايضاً احداث الاثر ذاته من خلال الاستخدام الذكي والواعي لعبارات تتضمن كلمات مثل (والحكم هو...) او (اذن فالقرار الصائب هو...) او (انكم تحتاجون إلى حكمي على...) وقد يبدو هذا امراً مستغرباً الا انه فعال ونافذ وقد يعود ذلك في بعض الاحيان إلى بقاء الانطباع العام لفترة طويلة واحياناً لأن الشخصيات القيادية في المؤسسات والهيئات تهتم في الغالب بالقضايا الثانوية ويتضح هذا من قول احد المديرين ما يلي: فلنأخذ ما شئنا من الوقت في تحديديد الاستراتيجية وبرنامج العمل لكن يتعين ان نقرر من الآن الموظف الذي سيتولى الرد على المحادثات الهاتفية اثناء وقت تناول الغداء. يبدو القول المأثور (من لا يعرف الطريق يذهب بعيداً) متناقضاً مع اساسيات الحكمة الادارية الا ان هناك اشخاصاً يحققون انجازات باهرة لانهم يغيرون اتجاهاتهم الادارية ويجربون كل المداخل والاساليب المتاحة وتتكرر هذه الظاهرة لدى من يعمل على تطوير مستقبلة الوظيفي حيث نجد اناساً ينتقلون من عمل لآخر ولا يستمرون في وظيفة واحدة ويكونون دائماً غير راضين وذلك على الرغم من حصلوهم على وظائف ومرتبات اعلى بكثير من اولئك الذين يتبعون طريقاً ثابتاً. ومن جهة اخرى نجد ان المنافسة هى من الامور التى تؤدي إلى زيادة التصعيد ويصفها علماء الادارة بالنار التي تؤجج التصعيد ولا احد يفهم الاسباب الحقيقية على وجه الدقة. فمثلاً نجد بعض الاشخاص يتقدمون لوظائف لا يريدونها وهناك من يدفع مبالغ طائلة في المزادات العلنية فقط لكي يظهر بمظهر الفائز. وفي الواقع فإن مثل هذه التصرفات تؤدى إلى الوقوع في المصيدة لانه وبمجرد بدء المنافسة تتصعد الامور. ولكن لماذا ينخرط الناس في مثل هذه الامور؟ ان هذا قد يتضح من المثال الذي سقناه عن المزادات ولكي يتضح الامر اكثر نقول ان هذه الظاهرة تنطبق على كل اشكال التنافس التجاري بما في ذلك حروب الاسعار بين الباعة المتجولين. واذا اخذنا التعاملات في اسواق المال كمثال نجد ان المضاربة على الدولار الامريكي قد تتجاوز حدود المعقول في احيان كثيرة ويعتقد ان هناك مجموعة مختلطة من الدوافع وراء الانخراط في هذه الانشطة وتتضمن هذه الدوافع الربح المتوقع وامكانية استعادة الاستثمارات السابقة والتأثير على الآخرين وتجنب مزيد من الخسائر. فالانجذاب إلى المضاربة على الدولار مرده إلى الأمل في تحقيق ارباح سريعة. ولتوضيح اكثر نقول انه اذا رأى احد المتعاملين ممن يمتلكون مبالغ كبيرة من الدولارات انه سوف يربح اكثر اذا قام بتخفيض اسعاره شريطة ان ينتهج منافسوه النهج نفسه ثم تغيرت الدوافع مع تقدم المزايدة بعد ان دخل الساحة منافس آخر وتراجعت خطة السعي لتحقيق اكبر قدر من الارباح لتحل محلها محاولات قلقة لاسترجاع الاستثمارات والحد من الخسارة فإنه بمجرد انخفاض قيمة شراء الدولار تنحصر اهمية استرداد القيمة وتحتل الصدارة محاولات جادة للتأثير على الآخرين كأهم شيء. وخير مثال على هذا دخول امريكا حرب فيتنام فمع تراكم الخسائر البشرية تضاءلت الاختيارات لتنحصر بين الاذلال والهزيمة او الانخراط الكامل في حرب لا نهاية لها وما كان امام الدولة العظمى الا ان تفضل الاذلال والهزيمة اللذين لا تزال آثارهما باقية في الضمير الامريكي.