أدى إعلان الحكومة المصرية عن الانتهاء من مشروع قانون المناطق الاقتصادية الخاصة, جدلا واسعا في أوساط رجال المال والأعمال والاقتصاديين, دعا إلى تدخل الرئيس المصري حسني مبارك مطالبا بضرورة عرض مشروع القانون الجديد على منظمات رجال الأعمال واتحاد العمال, لمناقشته بما يحقق الأهداف المرجوة منه. وينص القانون على إقامة مناطق اقتصادية خاصة لها هيكل إداري مستقل يتوافر له كل مقومات الإفراج الجمركي, والمعاملة الضريبية, والتحكيم الدولي في فض المنازعات, وإقامة علاقات عمل متوازنة بين أصحاب الأعمال وستخصص هذه المناطق الاقتصادية للصناعات التصديرية تتاح لها جميع الفرص لتحقيق المنافسة مع المناطق المثيلة . كما أنها لن تكون مناطق للتخزين أو الاستيراد السلعي تجنبا لما سبق أن حدث من تجربة المناطق الحرة العامة في مصر خلال الفترة السابقة , من تهريب السلع والمواد الخام والمنتجات الوسيطة إلى السوق الداخلي بدون رسوم وضرائب. ويعكس هذا المشروع رغبات العديد من منظمات رجال الأعمال مثل المجلس الرئاسي المصري الأمريكي, وغرفة التجارة الأمريكية بالقاهرة, واتحاد الصناعات, وعدة جهات اقتصادية يكتسب منها قوة الدفع لتمريره في الدورة البرلمانية الحالية عبر مجلس الشعب (البرلمان), قبل الانتخابات النيابية المقررة في نوفمبر المقبل. ويرى المعارضون للمشروع أنه يمثل محاولة من رجال الأعمال ومنظمات الأعمال الاقتصادية للالتفاف على ما سبق الاتفاق عليه كحد أدنى من حقوق العمال عند مناقشة بنود مشروع قانون العمل الموحد. بينما يرى المساندون لمشروع قانون المناطق الاقتصادية الخاصة, أن علاقات العمل الحالية تحكمها قوانين لا توازن حسب رأيهم بين مصلحة العامل, وصاحب العمل مما تسبب في حدوث ظواهر سلبية عديدة منها إحجام العديد من الشر كات الأجنبية عن الاستثمار في مصر, نتيجة عدم مرونة تشريعات العمل والتي لا تسمح بديناميكية اتخاذ القرار في العديد من النواحي بهذا المجال. كما يرى المؤيدون للمشروع القانون الجديد بأنه سيتيح حماية وحقوقا متوازنة للعاملين وجهات العمل إذ يتضمن حق العامل في الحصول على تعويض مناسب إذا تم إنهاء علاقة العمل لأسباب خارجة عن إرادته, بحيث تقدم الشركة تعويضا للعامل قدره شهرا عن كل عام في أول خمسة أعوام خدمته, تزدادا إلى شهر ونصف عن كل عام فوق الخمس سنوات التالية, ثم شهرين عن كل سنة خدمة بعد ذلك.. فضلا عن فرض عدم إنهاء العلاقة بين العامل مع جهة العمل قبل تقديم إخطار في وقت مناسب يسمح للعامل بالبحث عن فرصة عمل جديدة. وأمام حقيقة مؤداها أن هناك في مصر فجوة بين الإنفاق الاستثماري والادخار تصل إلى 17%, حيث لا يتعدى معدل الإدخار 18% من الناتج القومي المحلي في أحسن الأحوال, بينما تخطط الحكومة لتحقيق معدل نمو يتراوح بين 7 إلى 8% سنويا مقارنة بـ3.5% عام 99/2000 وهو ما يعني أن تطور الاستثمار الصناعي سيواجه مشكلة كبرى هي تدبير التمويل الاستثماري اللازم لها. وعالج مشروع القانون الجديد هذه المشكلة, بإعفاء فوائد القروض الأجنبية من الضرائب التي تصل إلى 32% في مصر على هذه القروض, مما يجعل تكلفة الاقتراض من الخارج ملائمة للاقتصاد المصري الذي يحتاج إلى ضخ استثمارات سنوية أجنبية تفوق 10 مليارات دولار سنويا لمدة عشر سنوات مقبلة لا يتوافر منها حاليا سوى 2 مليار دولار, علاوة على مليار دولار بفضل الدخول في مجال البحث والتنقيب عن البترول الخام والغاز في مصر. ويقع مشروع القانون حسبما يقول رئيس وزراء مصر الدكتور عاطف عبيد في 5 فصول تتضمن 58 مادة راعت في أحكامها تطبيقه على المناطق الاقتصادية ذات الطبيعة الخاصة التي يصدر بتحديدها قرار من رئيس الجمهورية . ويتكون لكل منطقة هيئة تنمية اقتصادية خاصة تتمتع بشخصية اعتبارية وتتبع مجلس الوزراء ولها مجلس إدارة يضم 14 عضوا بينهم عدد من رجال الأعمال في المنطقة, ومفوض عام يعينه رئيس الجمهورية ويكون لكل منطقة موازنة مستقلة تتبع في وضعها القواعد المعمول بها في المشروعات الاقتصادية وتكون مدة المجلس 3 سنوات قابلة للتجديد لفترة مماثلة, ويجتمع مرة على الأقل كل شهر على أن تصدر قرارات المجلس بالأغلبية العادية. ويختص مجلس إدارة المنطقة بسلطة الترخيص لشركة التنمية الرئيسية بإنشاء وإدارة وصيانة البنية الأساسية للمنطقة الاقتصادية الخاصة والترويج لها والتعرف في أراضيها بالبيع أو الإيجار أو الانتفاع, ويحق لها التعاقد مع شركات متخصصة للقيام بخدمات الإفراج الجمركي والرقابة لفترة حيث كرر المشروع ما سبق النص عليه في مشروع حوافز وضمانات الاستثمار رقم 8 لسنة 1997 وغيره من القوانين من عدم جواز التأميم للشركات أو المصادرة أو فرض الحراسة أو الحجز على أموال الشركات العاملة بالمنطقة بغير حكم قضائي, ووضع نظام خاص للإدارة الضرائبية بالمنطقة حيث يفرض على المرتبات والأجور والمكافآت والإيرادات ضريبة موحدة بنسبة 10%. كما يمنح المشروع مجلس إدارة الهيئة قواعد الحصول على تراخيص العمل للأجانب بالمنطقة, دون التقيد بالشروط الواردة في قانون الشركات وقانون العمل, وأن يختص المجلس بوضع نظام بديل للتأمينات الاجتماعية دون التقيد بالشروط الواردة في قانون رقم 64 سنة ,1980 علما أن لا يسري قانون التأمينات الاجتماعية على العاملين الأجانب والمصريين في المنطقة, فضلا عن عدم جواز اللجوء إلى القضاء أو التحكم في جميع منازعات العمل أو التأمينات الاجتماعية قبل اللجوء إلى هيئة التوفيق المختصة بمركز تسوية المنازعات بالمنطقة, وصدور قرارها في المنازعة أو انقضاء سنتين من تاريخ اللجوء إليها. ورغم أن المشروع يعفي المعدات والآلات والأجهزة والمواد الخام والمهمات وأية مكونات أخرى تستوردها من الخارج الهيئة أو الشركات أو المنشآت أو الفروع العاملة في المنطقة من الضرائب الجمركية وجميع أنواع الضرائب والرسوم الأخرى, إلا أن الدكتور محمد عبد الفتاح عشماوي أستاذ المحاسبة بتجارة المنوفية يعترض على ذلك ويرى أن المزايا والإعفاءات الضريبية والاستثمارية من شأنها الإخلال بقاعدة العدالة الضريبية والجمارك.. وحذرا من أن وجود نظام ضريبي وجمركي خاص لهذه المناطق من الأمور التي قد تؤدي إلى آثار سلبية على جذب الاستثمار وإلى طرق لا تخدم الأهداف القومية. متسائلا: هل هذا المشروع بديل لنظام المناطق الحرة الخاصة التي ينظم أحكامها حاليا القانون رقم 8 لسنة ,1997 وتحويل تبعية هذه المناطق من وزارة الاقتصاد المصرية ممثلة في الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة حاليا إلى مجلس الوزراء بدعوى تحرير الاستثمار الأجنبي في هذه المناطق من الإجراءات المطولة للقوانين بالدولة. ويرحب رئيس اتحاد الغر ف التجارية المصرية محمود العربي, بمشروع القانون الجديد من منطلق أنه يخفف الوعاء الضريبي الذي تحصله الدولة من المشروعات الاستثمارية كما يؤدي إلى تشجيع العمال على زيادة المكاسب من دخولهم, نتيجة تحصيل 10% فقط من الأجور كضرائب دخل, مما سيعود على السوق بالانتعاش ويقلل الركود الذي أصاب السوق نتيجة وجود عرض للسلع والمنتجات لا يقابله قوى شرائية. وحذر العربي من وقوع نفس ما حدث عند إنشاء المناطق الحرة الخاصة أو العامة, بنقل المشروع من مكانه للتوطين في هذه المناطق الاقتصادية, دون أن يدر على الاقتصاد أي عائد سواء على العمالة والناتج القومي الإجمالي أو التصدير خصوصا للمشروعات الاستثمارية التي انقضت فترة إعفاءها الضريبي. ويضيف العربي أن مشروع القانون حسبما نقلته وسائل الإعلام, حيث أنه يعرض علينا بعد, فيه قنابل موقوتة مثل تشجيع استقطاب العمالة الأجنبية بأي عدد دون ضوابط, مما قد يسفر عن زيادة حجم البطالة المحلية أو تخاطف الخبرات البشرية بين المشروعات الاستثمارية تحت إغراء الأجور الأعلى.. متسائلا عن أهمية هذا المشروع رغم أن هناك قانون المناطق الحرة من مصر منذ السبعينات ولم يتعد حجم صادراتها 405 ملايين دولار سنويا بينما تم استيراد مستلزمات إنتاج ومواد خام من السوق المحلي قدره 205 ملايين دولار. ولم تقفز عمليات التصدير المستقرة منذ قرابة عشرة أعوام, رغم أن الهدف الأساسي من إنشائها كان زيادة الصادرات.. مشيرا إلى ما تتمتع به من مزايا هائلة تتمثل في الإعفاء الضريبي, واسترداد قيمة الرسوم الجمركية عقب تصدير المنتج النهائي, والإعفاء من ضريبة المبيعات, والجمارك على السلع الرأسمالية والمعدات ومستلزمات الإنتاج والسلع الوسيطة وحرية جلب عمالة أجنبية في حدود أن لا يتعدى عددها العمالة الوطنية, وحرية تحويل الأرباح التجارية بلا قيود.. إلا أن التجربة العملية تؤكد أن المناطق الحرة تحولت إلى باب خلفي للتهريب السلعي لداخل الأسواق المحلية بدلا من التصدير, وإغراق الأسواق بالسلع المحظور استيرادها أو عليها رسوم جمركية كبيرة, وأصبحت تعتمد على السوق المحلي في تسويق الإنتاج وأصبحت مشروعات تخزين للسلع أكثر منها تصدير المنتج النهائي مما دفع وزير التجارة والتموين الأسبق الدكتور أحمد جويلي إلى إصدار رقم 619 الذي ينص على عدم استيراد السلع الاستهلاكية, والمعمرة سوى من بلد المنشأ بهدف السيطرة على عمليات التهريب التي وصل حجمها حسب التقديرات الاقتصادية إلى 10 مليارات جنيه. ويؤكد وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية المصري الدكتور يوسف بطرس غالي أن الهدف من هذا القانون هو توفير بيئة اقتصادية مشابهة للبيئة العالمية في الاستثمار والتصدير, بما يسمح بتصدير القيمة المضافة الصافية, دون التعرض للمعوقات الداخلية التي تؤثر على تنافسي ة المصدرين. ويحدد غالي بأن هذا القانون يسري على مناطق شمال خليج السويس, وشرق العوينات, وشرق تفريعة بورسعيد بحيث تحاط المنطقة الاقتصادية بسور ولا تخضع وارداتها والصادرات منها لأي قيود أو رسوم. أما البضائع التي تنتج في المنطقة وتصدر إلى داخل مصر تتكون الرسوم الجمركية مقصورة على الخامات والمستلزمات المستوردة اللازمة لإنتاج تلك البضائع. وتتم إدارة مرفق الجمارك من خلال شركة أوعدة شركات.. مشددا على أن الرئيس المصري طلب دراسة مستفيضة لهذا القانون قبل صدوره بحيث ينظم بوضوح العلاقة التي تربط هذه المناطق الاقتصادية بالسوق الداخلية من ناحية الرسوم والضرائب. القاهرة ـ حسين عبد الهادي:
القيادة السياسية طالبت بدراسة موسعة له قبل إقراره جدل حاد حول قانون المناطق الاقتصادية الخاصة في مصر المؤيدون: يخلق بيئة ملائمة للاستثمار والتصدير بدون عوائق المعارضون: يشكل لوبي ضاغط على السياسة الاقتصادية.. وتمييزا لا مبرر له
