تعيش شعوب الأرض الآن داخل عالم يكتنفه قدر هائل من التغيرات غير المعقولة. فمنذ خمسة عشر عاما لم يكن لكلمة (العولمة) وجود على الساحة, ولم يكن قد تم تداولها بعد, ولم تكن الإنترنت قد غزت عقولنا, وكان سور برلين لايزال في مكانه! إلا أن نظرة على مجريات العالم الآن توضح أن مفهوم العولمة كما نعرفه اليوم لا يمكن أن يستمر, إلا إذا شعر عدد أكبر من شعوب العالم بفوائده. فالعولمة لايزال عليها أن تكتسب نوعا من الشرعية الاجتماعية. وكثيرا ما نسمع أن العولمة لا يمكن لها أن تتغير وأن وجودها أصبح حتميا, إلا أنني أعتقد أن بعضا من عناصر هذه العولمة لايزال في خطواته الأولى, فثورة تكنولوجيا المعلومات لاتزال في بدايتها. وفي الوقت نفسه يجب علينا أن نطرح جانبا تلك الفكرة القائلة إن كل ما يمكننا فعله هو العمل على التأقلم مع العولمة, فهذه الفكرة غير صحيحة بالمرة. فالسياسات العالمية هي التي حددت أطر العولمة, وهذه السياسات بدورها يمكن تغييرها, فالشكل الحالي للعولمة يجب أن يتغير وإلا لن يستمر. والدور الذي يجب علينا جميعا القيام به هو العمل على تشكيل عملية التغيير هذه وتحديد ملامحها, حتى يمكن لفوائد السوق العالمية ومزاياها وفوائد الانفتاح ومزاياه أن تصل لكل دول العالم, بل لكل قرية وكل عائلة تعيش داخل هذا العالم. وفي داخل منظمة العمل الدولية, هناك قناعة بأن المحك الرئيس للاقتصاد العالمي يتمثل في قدرته على توفير عمل مناسب لجميع فئات الشعب في كل دولة, وإذا نجح في ذلك فإن هذا المفهوم سيثبت جدارته وأحقيته في البقاء. فالبطالة هي إحدى أكبر المشكلات التي تواجه البشرية وتنقص من حقوق العمال, وهي في الوقت نفسه السبب الرئيس في خطر الفقر الذي تعاني منه العديد من شعوب العالم. وهذا الأمر يفسر القدر الكبير من الاهتمام والتركيز الذي نوليه في المنظمة لترويج المشروعات الصغيرة, إذ إننا نعلم جيدا أن هذه المشروعات هي التي توفر فرص عمل جديدة. لكننا في بعض الأحيان والأماكن نجد أن هذه المشروعات تحتوي على أسوأ ظروف عمل يمكن أن يجدها الشخص, ومن هنا تأتي الأولوية التي نعطيها لأساليب الوقاية والحماية الاجتماعية وتوسيع أنظمة الأمن الاجتماعي والسلامة داخل نطاق العمل. وفي الوقت الذي نعمل فيه على توسيع هذه الخدمات, يشهد العالم توسعا من نوع آخر يتمثل في تضخم اقتصاد المعلومات والاقتصاد غير الرسمي على الساحة العالمية. وبالطبع فإن هذا التوسع في أنواع الاقتصاد هو نتاج العولمة, وبالتالي فإن علينا أن نحقق نوعا من الترابط والاتصال بين هذين النوعين من التوسع. ومن هنا تبرز حقيقة أنه بدون احترام حقوق العمال لن يتسنى لنا التوصل إلى أجواء عمل سليمة داخل الاقتصاد العالمي, فالاقتصادات المفتوحة والمجتمعات المفتوحة أشياء جيدة, ولكنها مفيدة فقط إذا أدت إلى استفادة العائلات وفئات الشعب العادية, وهذا الأمر إن كان يعني شيئا فإنه يعني أن ننظر إلى العولمة بأعين الناس العاديين. فإذا حدث وذهب أحدنا إلى الشارع أو الحقل وسأل العمال أو الفلاحين عما يريدونه, في ضوء هذا القدر الهائل من حالات عدم اليقين والغموض التي خلفها وتسبب فيها الشكل الحالي للعولمة, نجد أن الإجابة ستكون هي أنهم يريدون فرص عمل مناسبة. فهم يريدون العمل من أجل إشباع حاجات عائلاتهم من أمن وعلاج ومطعم ومشرب, ويريدون الوظيفة التي يتمكنون من خلالها تعليم أبنائهم وتوفير دخل آمن لهم بعد تقاعدهم. وباختصار يريدون نوعا من العمل يعاملون فيه على أسس عادلة, ويعملون فيه داخل ظروف مواتية, وتحترم فيه حقوقهم. ومن وجهة نظري الشخصية لا يمكن أن يقوم ويقوى اقتصاد العلم والمعرفة الذي نشهده اليوم في ضوء تجاهل حقوق العمال. فالعمل أو فرص العمل المناسبة تقوم على احترام حقوق العمال أولا وقبل كل شيء, وهذا إن كان يفسر شيئا فهو يفسر الخطورة الكبيرة لمشكلة البطالة. ففي نصف الكرة الشمالي وعلى الرغم من صعوبة مشكلة البطالة والمعاناة التي قد يتكبدها الشخص في حالة فصله, إلا أن هناك هامش أمان يمكن للعامل أن يستفيد منه في حالة فصله عن العمل أو في حالة عدم تمكنه من التوصل إلى وظيفة. بينما يختلف الأمر كليا في نصف الكرة الجنوبي, فالعامل في حالة طرده من الوظيفة يصبح في الشارع بلا مورد. ومن هنا يبرز دورنا في العمل على تحقيق نوع من التوازن بين الحماية الاجتماعية من جهة وتطوير أبعاد الوظيفة من جهة أخرى, وهذا الأمر سيؤدي بنا إلى مفهوم العولمة الذي نبغيه. ومن هذا المنطلق يجب علينا جميعا, كمنظمات وهيئات معنية بالعمال وحقوقهم, العمل دائما على المشاركة مع الأطراف الأخرى في تحقيق التغير الاجتماعي المطلوب. وبدورها فإن منظمة العمل الدولية هي الجهة الوحيدة في النظام العالمي التي يمنح فيها مندبو العمل المنظم مقعدا على طاولة اتخاذ القرارات. فوجود مندوبين من الاتحاد الدولي لنقابات العمال وغيرهم قد أوجد أجواء جيدة لمناقشة قضايا العمال, وساعد المنظمة على التعرف على عمليات انتهاك حقوق العمال, وبالتالي المساعدة في العمل على معالجة هذه الانتهاكات ومنعها من الحدوث مرة أخرى بقدر الإمكان. وفي هذا الصدد تبرز أهمية هذا الاتحاد الدولي لنقابات العمال, ففي الوقت الذي نعمل فيه جميعا على تحسين الأجواء على الساحة العالمية من أجل الصالح العام, مثل العمل على إنهاء مديونية أفريقيا, وتجنب تكرار الأزمة الآسيوية, والعمل على خفض وطأة الفقر, نجد أن أي إصلاح للنظام العالمي سوف يأتي له يوم وينهار إذا لم يكن مبنيا على أسس قوية تتمثل في حرية وصلابة منظماته الداخلية مثل نقابات العمال واتحاداتها. وقد حاربت هذه النقابات والاتحادات خلال القرن العشرين من أجل إثبات وجودها وفعاليتها ونيل الاعتراف بها من قبل العالم, أما في القرن الواحد والعشرين فإن هذه التجمعات والنقابات تواجه تحدي النمو والتطور وإثبات أنها بالفعل تعمل من أجل صالح المجتمعات. خوان سومافيا المدير العام لمنظمة العمل الدولية