بقلم: بول صامويلسون مع مطلع العام الجاري, كانت الآراء منقسمة بحدة حول أسواق الأسهم, ومعظم الاقتصاديين الاكاديميين دأبوا على القول ان شيئاً أقرب الى (الفقاعة) كان يتطور في وول ستريت. وفي النتيجة فإنني اتفق مع هذا الرأي. لكن الكتاب الماليين من مصارف الاستثمارات الكبيرة والصناديق المشتركة والمدراء الماليين لا يوافقون على ذلك, وهم كانوا يعتبرون ان أمريكا دخلت عصراً جديداً من الاقتصاد الذي تقوده التقنية فدعونا نتفحص مقولاتهم وحقائقهم بتجرد. يجادل المتفائلون بأن الايمان بتفكير العهد الجديد يخلص المستثمر طويل الأمد في الشركات من مخاطر أسعار الأسهم. وعلى مدى 20 عاماً, سيكون بمقدور المستثمرين لسنوات تقاعدهم واثقين فعلياً من أن حالهم سينتهي بأفضل من حال اولئك التقليديين الذين يعتمدون على السندات أو الحسابات المصرفية ذات الفائدة الثابتة بين 5 و6 في المئة هذه هي الورقة الرابحة التي يروج لها المتفائلون. ومع استمرار من تحولوا الى تبني هذه الفلسفة برفع حصتهم من مشتريات الأسهم, فهذا كان لابد ان يبرر الارتفاع المستمر في أسعار الاسهم المطروحة في حدود 15 في المئة سنوياً أو أكثر. ولهذا يقال ان نسب الارباح والاسعار التي تضاعفت الى 30 من 15 العام الماضي لا يزال امامها وقت طويل من الارتفاع لصالح الجيل الحالي الذي سيتقاعد حوالي العام 2020. واذا ما صدق ذلك سيكون املا مغرياً. وحتى صناديق الضمان الاجتماعي الحكومية لابد وانها تحولت بقدر كبير الى الاسهم وبذلك تحول مرة وللأبد دون ظهور الحاجة الى زيادة معدلات ضرائب الدخل. والمطالبة باستثمار بعض صناديق الضمان الاجتماعي الشعبي في الاسهم بدلا من السندات الحكومية منخفضة المردود تتأثر بشكل اكبر اذا ما وافق المرء بأنه في الوقت الحالي فإن اسواق الاسهم في نيويورك وسيول وطوكيو اكثر تأثرا بـ (الوفرة اللاعقلانية) . واذا ما كان هذا الافراط في التقويم هو الذي يميز الآن اسواق السندات المالية, فإن من المشكوك به اذا ما كانت العوائد التي يصححها التضخم على اسهم صناديق الضمان الاجتماعي يمكن ان تصل في المئة أو اكثر في العقد المقبل, اي اقل بكثير من نسبة 25 في المئة في العوائد السنوية التي يدعيها متنبئو العهد الجديد. أما الاقتصاديون المجريون فإنهم يتبنون وجهة نظر اكثر حذرا, فالاسعار خلال فترة الفقاعة النفسية ترتفع بقوة الدفع الخاصة بها فنحن نشتري لنستفيد من رأسمال مستقبلي مؤهل به وشراؤنا ذاته يولد نبوءة تحقق ذاتها. وكل شيء يستمر على ما يرام مادام الاعتقاد النفسي مستمرا, حتى لو لم تكن هناك حقيقة جوهرية تقول بأن معظم الشركات التقنية الجديدة ستحقق في نهاية الأمر ارباحا حقيقية مرتفعة ومستمرة. وفي اواخر كل فقاعة يجد من عقدوا صفقات مستقبلية مرتفعة الاسعار انهم تعرضوا لخسائر فادحة حينما يتوقف سيل المشترين السذج. والمتشائمون (الذين يصفون انفسهم طبعاً بأنهم (وطنيون) ) لاينكرون بأن الابتكارات في العلوم الحيوية والحاسابات والاتصالات واساليب التسويق الجديدة ستضيف الكثير لمستويات الحياة الحقيقية في القرن الواحد والعشرين وانتاجيتها. لكن ما ننكره هو ان هذه الابتكارات التقنية ستوجد مجالا سهلا جدا للاختيار امام المضاربين في اسواق الاسهم. في عام 1920, عرفت امريكا 300 صانع واعد للسيارات, التي احدثت ثورة في جغرافية العالم وطريقة الحياة فيه, فيما قضت في السوق ذاته على باعة التجزئة في البلدان الصغيرة وقوافل القطارات وعربات الخيل. لكن ثلاثة فقط من بين 300 أمريكي طموح, حازوا في النهاية على بطاقات اليانصيب المحظوظة للمستثمرين لديهم, وهم جنرال موتورز وفورد وكرايزلر فقط. لقد اتت ارباح شعبنا في الرخاء من تآكل تنافسية الاسعار التي يدفعها المستهلكون ومن مرتبات العمالة التي استوعبت كثيراً من الارباح الاولية المرتفعة لهذه الابتكارات. وكانت تلك هي الرسالة التي اطلقها اقتصادي هارفرد العظيم جوزيف سكومبيتر: التدمير الخلاصة امام الرأسمالية المتقدمة, وفرة الربحية الظريفة للمبتكرين المختفية وراء المحاكاة التنافسية انهت قوتهم الاحتكارية الانتقالية. ان الفقاعات التي تضخمت بفعل قوتها الذاتية الدافعة هي نفسها التي تخلق انهيارها في نهاية المطاف. لكن ليست لدينا طريقة عملية او نظرية للتنبؤ بالعمر المتوقع الدقيق للفقاعة. اذ حالما يخضع الجميع لنشوة الجديد, لا تعدد هناك مرساة لتعزيز نسب الاسعار الارباح, تماماً مثلما انتهت فقاعات الثمانينات اليابانية على نحو سيء جداً. ومنذ منتصف مارس عانى سوق نازداك في وول ستريت بالفعل حركات تصحيحية خطيرة. والثروات الصغيرة ضاعت من بين أيدي التجار الهواة الواثقين. ولا احد يعلم فيما اذا كانت الفقاعة قد تجاوزت. او اذا كان هناك تغير اكثر سوءاً في سبيله للحدوث. من جانبهم لم يفقد المتعاملون تفاؤلهم بعد. لكن بما ان بعضهم قد تعرض لضربة عنيفة نتيجة لكونهم قد زادوا مشترياتهم باستخدام دين من المصارف مقترض للمضاربة, فإن المزيد منهم تحولوا إلى ثيران نزقة قلقة. اظن اننا لم نتجاوز بعض زمن التوتر والتقلب. وبقولي هذا اقصد الايحاء بان اسواق الاسهم الامريكية مرشحة سريعاً لمواجهة الكساد. لكن الاحتمال الاقوى هو انه ما ان توقف ثروات الناس الكلية عن النمو بالسرعة الفائقة لعامي 1995 ـ 1996, فإن تأثير الثروة على استهلاك العائلة وانفاقها واستثماراتها التجارية سيبدأ بتقليص نسبة نمو الناتج المحلي الاجمالي الامريكي الكبيرة قليلاً. وهذا قد يكون له بعض الفائدة بالنسبة لنا وللعالم. وقد استفادت آسيا واوروبا في الغالب من رخاء امريكي يدوم ولا يحرق نفسه في لهب قوي جداً. ان الاناس العاديين سواء كانوا عمالاً او مزارعين او اصحاب اعمال يعرفون بان انهياراً سيئاً في وول ستريت, سيئاً بما فيه الكفاية لابقاء نمو الناتج الاجمالي المحلي الامريكي عبرة, سيكون له ارتداده ضد كل اقتصاديات العالم. كما ان تراجع النمو الاجمالي المحلي الامريكي بنسبة النصف في العام المقبل, حتى لو كان اقل بقليل في حالة كساد فعلي سيخفف من نسب نمو المصدرين العديدين الذين يعتمدون على مبيعاتهم في الولايات المتحدة. ولان الاقتصاد لا يمكن ان يكون علماً دقيقاً, فإن قادة الدول الصناعية السبع سيحتاجون لوضع خطط طوارىء مرنة. واذا ما انهارت الاسواق العالمية بسرعة ولمدة طويلة, فعلى المصارف المركزية في كل مكان الاحتياطي الفيدرالي الامريكي والمصرف المركزي الاوروبي الجديد ومصرف كوريا ومصرف اليابان) ان توفر السيولة الكافية لمنع اي تكرار للكساد العظيم بين عامي 1929 و1935. المضاربون المقامرون متقلبون ومتذبذبون. اما نحن في مين ستريت وحكوماتنا في كل مكان فنستطيع ان نراقب بحذر لفائدتنا وان نعمل بهدوء. ان عام 2000 ليس العام 1929 والرأسمالية المختلطة ليست هي الرأسمالية الصرفة القديمة ونحمد الله على ذلك.