مضت نحو ثلاثين عاما منذ غزت النرويج مياه بحر الشمال الداكنة ذات الامواج المتلاطمة وادارت مضخات حقل ايكوفيسك النفطي لتبدأ حكاية الصعود من القاع الى القمة. وفي يونيو تحتفل بريطانيا التي تطل على بحر الشمال كالنرويج بمرور 25 عاما على استخراج اول خام من حقل ارجيل النفطي الصغير. واستمر تدفق النفط فترة زادت بكثير على اكثر التوقعات تفاؤلا. والان ومع وصول الانتاج البريطاني والنرويجي الى مستويات قياسية تمد تقنيات جديدة في عمر حقول النفط. وتضفي شركة شل اكسبو اللمسات الاخيرة على مشروع امتياز شيرووتر لتطوير النفط والغاز ويفترض ان يبدأ انتاجه في اول يوليو. ومن المرجح ان يكون هذا اخر بناء لمنصة كبيرة عائمة في المياه البريطانية. ويزيد اعتماد شركات النفط على التطور التقني مثل اساليب الحفر المبتكرة لسحب اخر نقطة من الخام من باطن الارض. وستساعد التكنولوجيا الحديثة على تمديد عمر الحقول الحالية وستسمح للشركات بتطوير حقول صغيرة واخرى لم تحقق ربحا حتى الان. وجاءت سنوات مجد نفط حقل الشمال في السبعينات في الوقت المناسب اذ ساعدت في تقليل اعتماد المستهلكين على الدول المنتجة للنفط وخاصة في الشرق الاوسط حيث يحكم المنتجون قبضتهم على اسواق العالم واسعار النفط. وبالنسبة لبريطانيا فقد عزز هذا الكسب غير المتوقع الميزان التجاري الذي تداعى بسبب تكلفة واردات النفط المتزايدة خلال الستينات. وكان اثر ذلك على النرويج اكبر. فقد كانت الصناعات التقليدية مثل صيد الاسماك والشحن في طريقها الى الزوال تاركة احتمالات متشائمة للانضمام الى الركود الشديد الذي كان يجتاح بقية اوروبا. وجنب النفط النرويج تراجعا اقتصاديا. فبفضل الذهب الاسود انتقلت النرويج من وضع المعتمد على الاعانات في مطلع القرن العشرين الى واحدة من اغنى دول اوروبا. وفي الاونة الاخيرة وصفت دائرة البترول النرويجية عصر النفط في النرويج بانه (عصر يحاكي عصر الفايكنج قبل الف عام) . ويقول كريستيان هامبرو عضو مجلس الادارة المنتدب في مجلس البحوث في النرويج في مطلع السبعينات كانت هناك الكثير من الغيوم في الافق.. لم نكن نعرف من اين سيأتي النمو الاقتصادي في المستقبل. واضاف ثم جاء النفط وتجنبنا النمو البطيء ومشاكل مثل ارتفاع البطالة التي كان على الدول الاوروبية الاخرى ان تتعامل معها. وبدأت شركة فيليبس بتروليوم الامريكية تحقيق حلم النرويج باكتشاف حقل ايكوفيسك العملاق في عام 1969. وبعد ذلك بنحو 18 شهرا في يونيو عام 1971 بدأ ايكوفيسك الانتاج وانضمت النرويج لصفوف الدول المنتجة. وحالف الحظ بريطانيا في عام 1969 باكتشاف حقل اربروث ثم تبعه اكبر اكتشافين لبريطانيا وهما فورتيز وبرنت اضافة الى حقل ارجيل الصغير الذي كان اول من بدأ الانتاج في يونيو عام 1975. وكانت هذه المكاسب النفطية محل ترحيب في اوائل السبعينات حين كان التطور الصناعي في صدر جدول الاعمال. ولكن بعيدا عن القائمين على صناعة النفط لم يكن كثيرون يدركون الامكانات الموجودة في اعماق الارض تحت البحر. واكتشف حتى الان نحو 60 مليار برميل من نفط بحر الشمال قبالة النرويج وتشير تقديرات دائرة البترول الوطنية الى ان هناك عشرين مليارا اخرى ستكتشف. وادى النفط الى حدوث فائض سنوي عند النرويج في اوائل التسعينات واودعت عائدات النفط في صندوق للنفط يستثمر في الخارج لضمان مستقبل السكان. وفي نهاية عام 1999 بلغت قيمة الصندوق 4ر222 مليار كرونة نرويجية (70.24 مليار دولار). ووصل حجم العائدات المودعة في خزائن بريطانيا منذ عام 1962 الى نحو 152 مليار جنيه استرليني (1.238 مليار دولار) بأسعار عام 1998 - 1999. ويشير تقرير الحكومة السنوي لعام 1999 الخاص بقطاع النفط الى ان حجم احتياطي النفط البريطاني بما في ذلك الحقول البرية والمتوقع اكتشافها يتراوح بين 365.3 و99.6 مليارات طن بين 25 و51 مليار برميل. ولكن اكتشاف النفط واكبته كوارث. ففي عام 1965 فقدت بريتيش بتروليوم برج حفر في بحر الشمال في حادث قتل خلاله 13 عاملا. وعانت النرويج من العديد من حوادث تحطم طائرات هليكوبتر بما في ذلك مقتل 123 شخصا عام 1980 حين غرقت منصة في ايكوفيسك خلال عاصفة. وفي يوليو عام 1988 وقع انفجار وحريق في مرفق بريطاني نفطي بحري راح ضحيته 167 عاملا في واحد من اسوأ الكوارث البحرية في العالم مما ادى الى التفكير في تشديد تدابير السلامة في صناعة النفط بأسرها. ودفع البحث عن مخزونات جديدة شركات النفط لتوسع نشاطها ليشمل اعماقا جديدة مما ادى بدوره لاعتماد تكنولوجيا جديدة. وصارت منصة (ترول أ) النرويجية للغاز التي يبلغ ارتفاعها 472 مترا اعلى منشأة يتسنى نقلها على كوكب الارض حين قطرت الى البحر عام 1995. وتضم المنشأة مئة الف طن من الصلب المقوى اي ما يعادل 15 برج ايفل. ووصفت مجلة ايكونوميست ذات مرة (ترول أ) بانه واحد من عشر عجائب تقنية في العالم الحديث الى جانب الهبوط على سطح القمر وعملية زراعة القلب والطائرة الجامبو. ـ رويترز