ارتبط مفهوم التخطيط الطويل الأجل (خطة عشر سنوات وخطة خمس سنوات) بمفهوم التخطيط المركزي وهو المنهج الاقتصادي الذي تبناه النظام الاقتصادي الاشتراكي منذ قيام الثورة البلشفية عام 1917م, وعلى الرغم من ان الاقتصاديات الرأسمالية ، تتبنى منهج التخطيط إلا ان منهجها في التخطيط يختلف اختلافاً جذرياً عن منهج التخطيط المركزي الاشتراكي. فالتخطيط في الدول الرأسمالية يقتصر على وضع الرؤية الاستراتيجية الواضحة للمستقبل الاقتصادي للدولة ومن ثم يتم وضع السياسات الاقتصادية وبالأخص السياسات المالية والنقدية ضمن إطار تلك الرؤية مع الأخذ بالاعتبار هامش التغيير الذي تقره الرؤية أو قد يخرج أحياناً عن إطار الرؤية الاستراتيجية وذلك طبقاً للمتغيرات والمستجدات الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية والأمنية الاستراتيجية. ان مفهوم التخطيط الطويل الأجل لم تعد له قيمة اقتصادية كبيرة في عالم اليوم ولم يعد ذا أهمية تذكر. فاذا ما قامت به دولة ما فهو لا يعدو كونه رؤية استراتيجية لمستقبل تلك الدولة. وهو بالتالي أساس (قاعدة) للتخطيط القصير الأجل. ان التخطيط الطويل الأجل قد يكون إطاراً عاماً وشاملاً للخطط الجزئية القصيرة الأجل ورغم ذلك يبقى اختراقه وتجاوزه امرا واردا وقد يكون ضروريا في أغلب الأحيان. ويكمن السر وراء النظرة الى التخطيط الطويل الأجل بهذه الروح التشاؤمية ما يشهده عالم اليوم من تطورات مذهلة في علوم الاتصالات والتكنولوجيا والتي غيرت كل مفاهيم علم الاقتصاد ونظرياته التي سيبنى عليها أساساً التخطيط. فمفهوم الاقتصاد القياسي والتنبؤ تتغير معاييره ونظرياته يومياً, ومفهوم الاقتصاد الكلي والاقتصاد الدولي والاقتصاد الاداري واقتصاديات النقود واقتصاديات البنوك ومفاهيم الاستهلاك والاستثمار والتمويل والعمل ورأس المال والبورصات والأسواق وغيرها الكثير كلها تشهد تغيرات هيكلية كواقع وعلوم ونظريات. فلا يعقل اطلاقاً ان آتي الى بناء خطة لمدة خمس سنوات أو عشر سنوات في هذا العالم المتغير ولكنني من الممكن ان أضع رؤية استراتيجية عامة. وحتى تلك الرؤية العامة لا نبالغ اطلاقاً اذا قلنا انه بعد ثلاث سنوات تصبح قيمتها الحقيقية صفراً. اننا نعيش في عصر اصبحت فيه سرعة انتقال رؤوس الاموال بين الدول بسرعة الالكترون وسرعة عقد الصفقات التجارية الالكترونية كذلك. انه عصر انتقال المعلومات بسرعة الالكترون مع وجود أجهزة الكمبيوتر العملاقة القادرة على نقل المليارات من رؤوس الأموال بين الدول بثوان معدودة والقادرة على عقد الصفقات الكبيرة بين الدول بثوان كذلك ونقل المعلومات الكترونياً بين الدول بثوان أيضاً. انه عصر دخول الانسان الآلي (الروبوت) ليحل ليس فقط محل العامل غير الماهر أو ذي المهارة المنخفضة وانما أصبح الروبوت يحل محل الطبيب الماهر والممرض والصيدلي واخصائي الاشعة واخصائي المختبر والمهندس والمصمم. ولا يستطيع أي اقتصادي التكهن بما ستكون عليه الحال في المستقبل. من هنا تفقد التنبؤات قيمتها الحقيقية حتى وان تم بناؤها على معلومات وبيانات دقيقة. وهناك بعد اقتصادي دولي يعجز الانسان عن التنبؤ به وهو الاحاطة التامة بما ستكون عليه استراتيجيات الدول الاخرى ذات العلاقات الاقتصادية والمصالح المشتركة مع هذه الدولة صاحبة الخطة. انه بلاشك عالم سريع التغير وكل صغيرة وكبيرة فيه تخضع لتحليل الربح والخسارة المادية. د. محمد ابراهيم الرميثي