بعد ان اصبح الفشل والترهل هو العنوان الابرز لمناخ الاستثمار من خلال تراجع تنفيذ المشاريع الصناعية والزراعية وعدم استطاعة قانون الاستثمار رقم 10 لعام 1991 على استقطاب رؤوس اموال هامة من عربية واجنبية اقر مجلس الوزراء في جلسته التي عقدها برئاسة محمد مصطفى ميرو يوم الثلاثاء الماضي تعديل مشروع قانون الاستثمار بحيث تكون مواده اكثر مرونة وملبية لحاجة المستثمر ومحفزة له. ومن ابرز الحوافز الجديدة السماح للمستثمر العربي والاجنبي بتملك الاراضي او استئجارها لاقامة المشروعات الاستثمارية بما فيها المشاريع الصناعية والزراعية والسياحة. وتقول معطيات تطبيق قانون الاستثمار منذ عام 1991 وحتى هذه الايام ان حصة سورية من حجم الاستثمارات العربية والاجنبية في الوطن العربي كانت هزيلة ومتواضعة جداً حيث وصلت إلى 1.6% من اجمالي الاستثمارات المتدفقة إلى الدول العربية. وطوال عقد التسعينيات لم تأبه الجهات المسئولة لما يحدث من تطوير ولم تأخذ في الحسبان ما طرأ من تطورات عالمية واكتفت بترديد عبارات الاساءة بالقانون واعتباره نموذجا رغم انه اثبت قصورا وعجزا من تلبية حاجات المستثمرين والتلاؤم مع المتغيرات. كما ان الزمن تجاوز كثيراً من مواده وبات غير قادر على جذب الاستثمارات العربية والاجنبية والاستثمارات المقيمة والمغتربة, علماً ان رؤوس الاموال السورية في الخارج تقدر بـ 50 مليار دولار, رغم ما يمنح من مزايا واعفاءات وامتيازات. فالامر بات يتطلب دراسات معمقة وتحديثاً وتطويراً لجميع التشريعات الاقتصادية والمالية اذا ما اريد للاقتصاد السوري التنمية, وايجاد مناخ استثماري قادر على التعامل مع عولمة الاقتصاد وجذب الاستثمارات الاجنبية المباشرة التي تعمل اضافة لتنشيطها للاقتصاد الوطني على تشغيل اليد العاملة وجلب التكنولوجيا وتأمين الاسواق الخارجية لصادراتها مما يعني ريادة القطع الاجنبي إلى سوريا وتجنيبها تمويل مشاريعها التنموية عن طريق الاقتراض من المؤسسات المالية العربية والاجنبية او من خلال التمويل الذاتي الذي يؤدي غالباً إلى التسبب بالتضخم والعجز. ومؤخراً بدأت الصحافة السورية تطالب باجراء تعديلات واسعة على قانون الاستثمار وذكر ملف خاص عن الاستثمار عن صحيفة البعث بان حصيلة قانون الاستثمار 10 في مجال جذب الاستثمارات الاجنبية بعد عامين على صدوره كانت جيدة اذ بلغت حصة سوريا من التدفقات الاستثمارية الاجنبية المباشرة الواردة إلى الدول العربية 176 مليون دولار. وكان ذلك اهتماماً من الاستثمارات الاجنبية المباشرة بالتطور النوعي الهام الذي حصل في مناخ الاستثمار في سوريا بصدور القانون 10 لعام 91 لكنها لم تلبث ان اتجهت إلى دول عربية اخرى لخيبة املها في انتظار المزيد من القوانين والانظمة القادرة على صياغة بيئة استثمارية متكاملة ومنافسة لجذب الاستثمارات والمستثمرين ولعدم حدوث تطوير وتحديث النظام المالي والمصرفي ووجود قوانين معينة وغير مشجعة لاقامة المشاريع. فتراجعت الاستثمارات عام 96 إلى 89 مليون دولار وإلى 80 مليون دولار 1997 لترتفع إلى 100 مليون دولار عام 98 بعد الحديث عن تحسين مناخ الاستثمار في سوريا. وكانت حصة سوريا في عام 1998 من اجمالي الاستثمارات الاجنبية المباشرة إلى الدول العربية لا تتجاوز 100 مليون دولار في حين ان حصة مصر مثلاً كانت 1.76 مليون دولار والجزائر 500 مليون دولار وتونس 650 مليون دولار ولبنان 230 مليون دولار والمغرب 258 مليون دولار واليمن 100 مليون دولار. والجدير ذكره ان سوريا كانت سباقة في اصدار قانون الاستثمار رقم 10 في المنطقة العربية. ولكن بعض الدول العربية تجاوزتها وتعيش تطوراً مذهلاً في بيئاتها الاستثمارية اذ تداركت الامر واعادت النظر بتشريعاتها الاستثمارية وعملت على ايجاد مقومات مناخ الاستثمار واصدار القوانين المشجعة على جذب الاستثمار الاجنبي وبالتالي تحولت دولاً جاذبة للاستثمار وتحسنت اوضاعها. وعلى امتداد التسعينيات ارتفعت اصوات كثيرة في سوريا مطالبة بالتطوير وضرورة توفر مقومات جذب الاستثمارات (مدن صناعية ـ سوق للاوراق المالية تحديد القطاع المصرفي.. تعديل بعض القوانين...الخ). الا ان الجهات المسئولة تجاهلتها ضاربة عرض الحائط بكل الدراسات والمقترحات والتقارير حول تعديل قانون الاستثمار ـ تطوير الانظمة المصرفية ـ توفير استثمارات جديدة. كما لم يتم تنفيذ اي من التوجيهات التي جاءت في الكلمة الهامة التي القاها رئيس الجمهورية حافظ الاسد في كلمته امام الشعب اثناء تأدية القسم لولاية دستورية خامسة قبل عام حول ضرورة تحديث الدولة وتحسين مناخ الاستثمار في سوريا حيث قال: (علينا ان نركز في المرحلة المقبلة على تحقيق التوازن في الاقتصاد الوطني, عبر العمل على زيادة الانتاج وتوسيع قاعدة التنمية والاستثمار واعادة النظر بقانون الاستثمار لازالة الثغرات التي حالت دون الاستفادة القصوى منه وتوفير استثمارات جديدة. ونرى ان تطوير الانظمة المصرفية وتحديثها لتكون قادرة على جذب الادخار وجلب اموال للاستثمار والمساهمة في التنمية اصبح ضرورياً وملحاً) . وكان مجلس الشعب السوري قد قدم تسعة عشر اقتراحاً حول تعديل قانون الاستثمار عام 1996 وليعيد طرحها ثانية عام 1997, لتستقر اخيراً في الادراج, وليوضع إلى جانبها فيما بعد مشروع وزارة الاقتصاد الذي قدمته 1999 حول ضرورة تعديل قانون الاستثمار بهدف زيادة فرص الاستثمار وتحريك آلية العمل وتوفير المزيد من السيولة للمواطنين. ومقترحات لجهات عديدة ايضاً حول انشاء سوق للاوراق المالية لتنظيم وتسهيل عمليات تبادل وبيع شراء الاسهم والسندات وتشجيع احداث الشركات المساهمة القادرة على توظيف الفائض من مدخرات الافراد والمؤسسات في مشاريع تنموية بدلاً من ايداعها في مجالات غير آمنة. وكان لوزارة الاقتصاد المقترحات نفسها من سبعة اعوام. ولكن جميعها مازالت بين الاخذ والرد ولم ينفذ منها شيء سواء ما يتعلق قانون الاستثمار او احداث سوق للاوراق المالية. او التشجيع على اقامة الشركات المساهمة والحال نفسه ينطبق على انشاء المدن الصناعية والمصارف الاستثمارية. الغاء او تعديل بعض القوانين المعينة للاستثمار مثل القانون 60 والقانون 24 وقانون العلاقات الزراعية ـ وقانون الايجارات وما قيل عن انشاء مصرف للاستثمار خاص بالعمليات المصرفية الناجمة عن تطبيق قانون الاستثمار ومصرف لتنمية الصادرات والعمل ببطاقات الائتمان كلها مازالت حبراً على ورق. كما كانت هناك مقترحات لتطوير العمل المصرفي الذي يعد جزءاً لا يتجزأ من مناخ الاستثمار فالعمل المصرفي في سوريا لم يستعد من التقنيات الحديثة ولم يواكب التطور الهائل في الاقتصاد رغم ان المفترض ان تتواكب عملية تحديثه وتطويره مع صدور قانون الاستثمار. واقتصر التحديث على الاجهزة والتجهيزات في حين كانت يجب ان تطول الانظمة والقوانين التي تعمل بموجبها واحياء بعض القوانين المجمدة لقرارات بالشكل الذي يشجع على زيادة الودائع للافراد والشركات من جهة, ويتيح للمصارف المشاركة في الاستثمار وجذب المستثمرين. وان كان هناك تطوير او تحديث فهو يسير ببطء شديد. فتقرير وزارة الاقتصاد تضمن استحداث مؤسسات مالية للعمل المصرفي, وادخال آلية منهجية جديدة للعمل المصرفي وقبلها اقترحت جهات عديدة انشاء مصارف متخصصة بعمليات تمويل الاستثمار وتحديث المصارف وفق الاساليب الادارية المتطورة والتقنيات الحديثة وضرورة اتصالها مع شبكة تراسل المعطيات بهدف الحصول على البيانات والمعلومات المطلوبة عن العملاء والمستثمرين في الوقت المناسب. ويرى المستثمرون ان الغاء بعض القوانين مثل القانون 24 مثلاً يجنب المستثمرين اللجوء إلى القطاع الخاص لخدمات المصارف في البلدان العربية المجاورة مما يحرم المصارف السورية من موارد تقدر بـ 100 مليون ليرة سورية سنوياً. دمشق ـ يوسف البجيرمي