الأسلوب التدرجي يشكل احد اشكال اتخاذ القرار وهو اسلوب يؤثره كثيرون من مديري المؤسسات نظراً لمزاياه العديدة. لكن ذلك لا يعني انه اسلوب يخلو من المخاطر وانما يعني انه يتعين على صانع القرار ان يوازن ما بين المخاطر والمزايا قبل ان يقرر اعتماد هذا الاسلوب في صنع قراراته واتخاذها. طرح احد صغار المستثمرين خلال ندوة اقيمت حول فرص الاستثمار وتشجيع توجيه المدخرات المحلية نحو مشروعات جديدة سؤالاً حير الحضور حين قال: لقد استقرت نصف مدخراتي في مشروع يوشك على الانهيار فهل اقبل بهذه الخسارة ام ان فرصتي ستكون متساوية اذا ما استثمرت النصف الآخر لاستعادة الاموال التي خسرتها؟ وبتعبير آخر فإن جوهر السؤال: هل اقبل الخسارة ام اكمل الاستثمار بالنصف الآخر من مدخراتي؟ وبالطبع لا يود اي انسان ان يجد نفسه في مثل هذا المأزق الا ان عدم الالمام بمضامين القرارات السابقة ـ قرار استثمار 50% من مدخرات المستثمر الصغير في مشروع يوشك على الانهيار في هذه الحالة ـ في موضوع قد يؤدي إلى الوقوع في التخبط والحيرة في الاختيارات حتى ولو سارت الامور في تدرج طبيعي ومحسوب ويمكن تحديد اهم سمات الاسلوب التدرجي لصنع القرار فيما يلي:ـ ـ يتم صنع القرار في خطوات صغيرة محددة. ـ كل خطوة من هذه الخطوات تمليها الخطوة التي تسبقها. ـ النظر إلى الموضوع كله على انه موضوع مركزي بحت. ـ الاهتمام بآلية الزمان والمكان. وتطبق هذه الخطوات التدرجية على كل المستويات الادارية. الا انه في بعض الحالات وعند العمل استناداً إلى برامج بعيدة المدى يميل الافراد والمؤسسات إلى التركيز على اتخاذ قرارات على المدى القصير الأمر الذي يقود للتخبط بين ازمة واخرى. ويتميز الاسلوب التدرجي في صنع القرار بتقليل احتمالات الفشل فمن اجل تخفيف ازدحام حركة السير في شوارع احدى العواصم مثلاً يكون انشاء شبكات طرق وجسور اسهل من بناء مدينة جديدة كلية وايضاً تكون زيادة اسطول المؤسسة العامة للنقل في تلك العاصمة بصورة تدريجية افضل من شراء اعداد اضافية كبيرة من السيارات دفعة واحدة. ومن المميزات الاخرى للتدرج انه يتيح لصانع القرار امكانية اجراء التعديلات والتغييرات الضرورية دون صعوبات او عوائق كبيرة نظراً لانه تصعب عادة مقاومة التغييرات الطفيفة بين آن وآخر وبذلك يكون تنفيذها باتباع اسلوب التدرج اسهل وافضل من تنفيذها دفعة واحدة وإلى جانب ذلك تضيف مثل هذه التغيرات اكثر مما يبدو في الواقع. ومن ابرز المخاطر التي تكتنف الاسلوب التدرجي في صنع القرار انه كثيراً ما يقود الافراد إلى الانجراف مع تيار الاجراء. ونظراً لغياب التفكير فيما قد يحدث على آلمدى البعيد يصعب ادراك المضمامين التي تكمن في القرارات التي قد تبدو غير ضارة. وفي واقع الامر يتم انتقاء بعض الاختيارات المعروفة بالقرارات اللاإجرائية بصورة تلقائىة وبدون وعي. فعلى سبيل المثال قد يصادف ان يكون اول عمل لاحد خريجي الجامعات هو منصب اداري في احد المستشفيات وبدون ان يدرك صاحبنا في ذلك الوقت فإنه قد يبدأ على الفور في تخطيط مستقبله في ادارة الخدمات الصحية او عندما يشتري احدهم سيارة من طراز بورش مثلاً دون ان يدرك انه يتحتم عليه تأمين قطع الغيار من الشركة نفسها ومن الوكيل المعتمد ذاته. وتتأكد اهمية القرارات اللااجرائىة عندما تقود إلى الوقوع في الشرك اي عندما يجب اتخاذ القرار التالي استناداً إلى القرار السابق فقد كان قرار الرئيس الامريكي الراحل جون كيندي مثلاً بتحريك القوات الامريكية إلى كوبا عاملاً رئىسياً في اتخاذ قرار بدء القتال. وقد كانت القوات الامريكية في اعلى مستوياتها التدريبية والمعنوية وعندما قيل للرئيس الامريكي انه اما ان يتخذ قراراً بالحرب او التخلي عن ذلك كلياً. وبالقدر نفسه يؤدي عنصر الاجبار والاكراه من قبل صانع القرار إلى استحداث مزيد من عناصر الاجبار اذا فشلت المحاولة الاولى وذلك لان اساليب الاغراء تصبح غير مقيدة اذا بدأ الامر بالعنف والاكراه ويعمق ثمن التخلى عن الامر من مسيرة التوغل عميقاً في حبال المصيدة. فالاشخاص الذين يعملون في القطاع العام يدركون في نهاية الامر ان ترك الوظيفة العامة والاتجاه نحو الاعمال الخاصة يعني التضحية بمزايا متعددة منها الرواتب التقاعدية والمستحقات المالية المجزية بعيدة المدى. وعلى المنوال نفسه يكتشف الشخص الذي اشتري السيارة من طراز بورش ان الاسعار الجذابة التي يقدمها الوكيل تضطره لشراء قطع الغيار من عنده او التضحية والقيام باستبدال البورش واحلال سيارة يابانية مثلاً محلها. ومن ناحية اخرى قد لا يكون الوقوع في المصيدة خطراً دائماً فالموظف الذي يستمر في العمل بسبب تراكم حقوق خدمته قد يكون مضطراً إلى ذلك وقد يقرر الشخص الذي اشترى السيارة ان يقدم على التضحية باستبدال البورش الفارهة واحلال سيارة تويوتا من طراز الثمانينات محلها. ولكن ماذا يفعل صاحبنا المستثمر الصغير الذي خسر نصف مدخراته في مشروع يوشك على الانهيار؟ هل يقدم على: ـ التخلي عن المشروع والقبول بالخسارة؟ ـ ام ضخ ما تبقى له من مدخرات على اهل تبرير سبب اتخاذه القرار علماً بانه يعرف ان الموقف قد يسوء؟ ان هذا الاصرار في مثل هذه الظروف يعرف بالتصعيد ويمكن معرفة التصعيد بما يلي:ـ ـ زيادة التكاليف مع زيادة الاجراءات. ـ هناك فرصة للانسحاب وفرصة للاستمرار. ـ تكون تبعات الانسحاب او الاستمرار غير مؤكدة. وعلى سبيل المثال قد يتسبب مدير احد المصارف في زيادة خسائر البنك عندما يوافق على منح قرض لمجموعة من صغار المستثمرين لتأسيس شركة وتتعرض مشروعات الشركة للفشل ويصبح امام المدير الاختيار بين التخلي عن الشركة وقبول ضياع المال او الاستمرار في المشروع وتقديم قرض آخر قد يسهم في تحسين اعمال الشركة ويبقيها على قيد الحياة وعندها يمكن استرداد القرضين وبفوائد هذه المرة. وفي واقع الامر فإن نتائج الاستمرار غير مؤكدة لانه لا يوجد ما يضمن ان نشاطات الشركة سوف تزدهر وقد يتبخر القرض الثاني ايضاً وكذلك قد تكون نتائج التخلى عن الشركة غير مضمونة العواقب فقد يعمد المستثمرون إلى الحصول على الاموال المطلوبة من بنك آخر وينجح المشروع وعندئذ يكون من الصعب على مدير البنك استرداد اصل القرض الا بعد اجراءات قانونية معقدة قد تكلف البنك قيمة القرض بالكامل كاتعاب قانونية. وينطبق مفهوم التصعيد الاجرائى على القرارات الخاصة بالجوانب المالية إلى حد كبير ويتعلق ايضاً بكثير من الامور الاخرى ويكون الاشخاص الواقعون في مصيدة تشتت الاجراءات بصفة عامة عرضة للاستمرار في مشروعاتهم اكثر من التخلى عنها وذلك لأن الاسباب التي تؤدي إلى التصعيد متشابكة ومتعددة الا انه يمكن حصرها في ثلاثة اسباب عامة. طبيعة الاستثمار والعوامل التنظيمية ويكمن التصعيد بصورة واضحة في جميع القرارات الخاصة بالاستثمار نظراً لان مخاوف فقدان هذا الاستثمار تدفع المستثمرين إلى تخصيص مزيد من المبالغ في الاستثمار اذا بدأت الامور تتجه نحو الأسوأ. ولكن لماذا تسوء الامور؟ وللاجابة عن هذا السؤال ينبغي ان نؤكد على ان الاستثمارات تتأثر عادة بثلاثة عوامل اساسية هي المصروفات والعوائد والوقت. ويتم تحرير المصروفات عن القيام بالاستثمار توقعاً للارباح أو أي شكل آخر من اشكال العوائد والمقصور بالوقت هنا هو الزمن الذي يفصل ما بين لحظة الشروع في الاستثمار وتلك اللحظة التي تتجاوز فيها العوائد المصروفات. ويبدأ التصعيد عندما تبدأ القرارات في افراز نتائج سلبية أي عندما تتجاوز المصروفات التوقعات او عندما تقل العوائد عن التوقعات او عند حدوث الأمرين معاً. في الوقت الذي يمكن من خلال التقويم السليم للمشروع تقليص احتمالات الخسارة الا ان التكلفة النهائىة نادراً ما تتشابه مع التقديرات الاساسية مهما كانت درجة الدقة في وضع الحسابات فمثلاً لا تتضمن تقديرات شراء اجهزة كمبيوتر تكاليف تشغيلها لان المؤسسة المشترية نادراً ما تعرف ما هي طلباتها على وجه الدقة. كما يمكن ان تسفر عوامل السوق المختلفة والتغييرات التشريعية عن ارتفاع غير متوقع في اسعار التكلفة. ومن ناحية اخرى تعتمد عوائد المشروع على التنبؤ والتخمين كما يمكن للافراط في التنبؤ من خلال حملات الدعاية والاعلان ان يؤدي لقلة العوائد المتوقعة إلى حد بعيد حيث يتم تجاوز كثير من التصورات. وكمثال على ذلك المعرض الذي اقيم لعرض المصنوعات الجلدية فقد خصصت له حملة دعائىة هائلة وكان اساس تصورات العوائد المتوقعة غير منطقي فلو كان عدد الزوار المتوقع قد تحقق بالفعل ـ وهذا لم يحدث ـ لشهد المعرض ازمة شديدة في الامكانات المتوفرة للفنادق والمواصلات والخدمات الاخرى. وسوف يفكر كثير من المستثمرين مرات عدة قبل الاقدام على اي مشروع اذا ادركوا تماماً قيمة التكلفة الحقيقية او الاخطار التي تكمن وراء تنفيذه ولذلك يعمد الاشخاص الذين يسعون للتأثير على صانعي القرار إلى تقليل تقديرات التكلفة وتأكيد ارتفاع العوائد المالية. ومن وجهة النظر المالية تنحصر الاسئلة التي تتعلق بقرار الاختيار بين الاستمرار او التخلي في:ـ ـ إلي أي مدى يبقى المشروع قابلاً للتنفيذ مع وجود تكاليف اضافية او عوائد منخفضة؟ ـ ما هو العائد المحتمل عند استثمار البدائل؟ ويتعين ان يكون هدف صانع القرار هو الاستثمار في ما يمكن ان يحقق افضل نسبة بين العوائد والتكاليف المستقبلية وذلك عن طريق حساب العوائد المنظورة للاستثمار في ضوء التكلفة المتبقية للمشروع ومقارنته بعد ذلك بالبدائل المطروحة. ويجب ان تهدف القرارات الخاصة بالمستقبل إلى الوصول إلى افضل النتائج لانه لا يمكن استعادة التكاليف السابقة الامر الذي لا يجعلها تتعلق بالمستقبل. ومن جهته يعني الاستمرار في المشروعات الفاشلة عدم ادراك صاحب القرار خطورة الموقف فمن الناحية النظرية يتعين ان يكون قادراً على التفريق بين الارقام التقديرية والارقام الفعلية وفي اكثر الاحوال يتم الميزانيات وتغيير الاعتمادات من وقت لآخر الامر الذي يعني صعوبة معرفة الوضع المالي على نحو دقيق. وتتيح التقاليد المحاسبية وتشابكاتها فرصة نادرة لصانعي القرار لخداع انفسهم والآخرين بحيث يمكن التلاعب بالارقام والبيانات للتقليل من الخسائر وتضخيم العوائد على المدى القصير. وهناك دائماً اسباب تفرض مراجعة بيانات العوائد من بداية المشروع لآخره كما يمكن استغلال المجادلات المطولة حول سقوف المخصصات المحددة وذلك لتحويل الانتباه عن حقيقة الموقف المالي والتنصل من المسئولية وربما يكون هذا هو السبب الذي جعل صاحبنا المستثمر الصغير يفقد نصف مدخراته ويكاد يفقد النصف الآخر ان لم يكن يلم بشكل جيد بالتقاليد المحاسبية وتعقيداتها.