شهدت الساحة التجارية والصناعية الدولية تطورات مذهلة خلال العقود القليلة المنصرمة رافقها توسع هائل في الأسواق وإقبال متزايد على المنتجات والخدمات. وتزامنت هذه التطورات مع استنباط آليات جديدة في عمليات البيع والشراء, فبعد أن كان الإنسان يقايض ما ينتج بما يحتاج تم استحداث أشكال جديدة في العلاقة بين البائع والمشتري. وقد شهدت الساحة التجارية والمالية طرح الشيكات البنكية والكمبيالات, وتجاوزتها لتصل إلى مرحلة الاعتمادات البنكية, ثم قفزت فوق كل هذا وذاك لتستنبط أشكالا جديدة في التعاملات المالية. وها نحن الآن نعيش عصر التجارة الإلكترونية, حيث يستطيع البائع والمشتري عقد الصفقات من خلال شاشة جهاز الكمبيوتر, فيتحصل البائع على نقوده والمشتري على بضاعته. ونركز حديثنا هنا على أشكال تعتبر من بين الأشكال التجارية التي توجد علاقة بين البائع والمشتري, وهي الضمان التجاري والكفالة. وقد رافق استنباط هاتين الأداتين نمواً متزايداً في عمليات التمويل, ويرزت على الساحة المالية مفاهيم جديدة مثل تمويل المشتريات وضمان الصادرات وكفالة القروض الشخصية وتمويل صناعات وغيرها من المفاهيم التي تستوجب وجود علاقة قانونية واضحة بين الجهة الممولة والجهة المستفيدة من التمويل تلزم الطرفين بانتهاج سياسات خاصة تجاه بعضهم البعض وتحدد أسس استرداد مبالغ التأمين خلال فترة زمنية متفق عليها. وبطبيعة الحال لابد من أن تفرض مؤسسات التمويل شروطا محددة لاسترجاع أموالها مثل تسديد قرض التمويل على أقساط منتظمة, وتعهد الجهة المستفيدة بالفوائد المقررة وعدم التصرف في المنتج بالبيع إلا بعد موافقة الجهة الممولة. ومن الشروط المهمة الأخرى تقديم الجهة المستفيدة ضمانات قانونية للجهة الممولة تضمن بموجبها سداد مبلغ التمويل. وتختلف أشكال هذه الضمانات, فهناك ضمانات شخصية من أشخاص آخرين, وهناك ضمانات عقارية, إضافة إلى الضمانات الصناعية, أي رهن المنشأة الصناعية إلى الجهة الممولة لحين انتهاء فترة التمويل وسداد القرض. وبالنسبة للجهة المستفيدة لابد أيضا من الحصول على ضمان تلتزم فيه الشركات البائعة بجودة المنتجات وتقديم الخدمات الضرورية (خدمات ما بعد البيع), خاصة إذا كانت المنتجات أجهزة منزلية أو سيارات أو معدات صناعية. ويشبه الضمان والكفالة وعد الشرف الذي يقدمه البائع للمشتري, وهو أمر لازم وضروري. وعندما تقدم إحدى المؤسسات أو المرافق الصناعية ضمانا (وعدا) فإنها تدعم بذلك المنتج الذي باعته وتروج له وتدعمه. وتختلف تلك الوعود باختلاف المنتجات وأسعارها, ويجب إجراء مقارنات بين مختلف أشكال الضمانات قبل التفكير في شراء أي منتج أو سلعة. وإضافة إلى تلك المقارنات يتعين أيضا الاطلاع على بنود الضمان للتأكد من قوته ومن أنه يضمن للمشتري حقوقه, تماما كما يضمن للبائع حقوقه. ومن الناحية القانونية تقسم الضمانات إلى الأشكال التالية: * ضمان مكتوب: وهو ذلك المستند أو الوثيقة المكتوبة التي يلتزم البائع فيها بتوفير خدمات محددة ويضمن فيها منتجات ذات قيمة مرتفعة. وتتفاوت أشكال الحماية التي توفرها هذه الضمانات تفاوتا كبيرا, لذا لابد من إجراء مقارنة دقيقة لاختيار أفضل الأشكال, ولكي يتم ذلك لابد من طرح أسئلة محددة للحصول على إجابات مقنعة تدعم الضمان, ومن هذه الأسئلة: ـ ماذا تشمل التغطية التي يقدمها الضمان؟ الإجابة النموذجية عن هذا السؤال هي أن أي ضمان يجب أن يغطي جميع المشكلات التي قد تنتج عن استخدام المنتج أو السلعة خلال الفترة القانونية لسريانه. فعلى سبيل المثال, إذا كان المنتج سيارة, فلابد للضمان أن يغطي استخدام السيارة لمدة عام واحد هي الفترة القانونية لسريانه. وتشمل كلمة (يغطي) هنا إصلاح الأعطال الناتجة عن الاستخدام وأية أعطال فنية أو ميكانيكية. ـ هل يشمل الضمان تكاليف إصلاح الأعطال؟ وهذا جانب مهم للغاية, نظرا لوجود أشكال من الضمانات لا تشمل تكاليف العمال والمهنيين من فنيي كهرباء وميكانيكا. وإذا أصاب السيارة عطل اضطر مالكها لإصلاحها بإحدى شركات الصيانة, فقد يجد نفسه مضطرا لدفع رسوم نقل أو سحب السيارة إلى تلك الشركة, نظرا إلى أن الضمان لا يغطي هذه العملية. ـ كيف يتم تحديد فترة سريان الضمان؟ إن الفترة القانونية لأي ضمان تتحدد بحسب قيمة المنتج أو السلعة, وهناك عادة نوعان من الضمان, هما ضمان زمني يغطي فترة زمنية محددة (عام أو اثنان), والآخر ضمان استخدام, حيث يتم تحديد مسافة محددة لابد من أن تقطعها السيارة, ولهذا لابد من التأكد التام من نوع الضمان. ـ هل يشمل الضمان ما يتسبب فيه المنتج أو السلعة من أضرار للآخرين؟ إن هناك بعض الضمانات التي تحمل مستخدمي السيارات مثلا أية تكاليف تنتج عن الأضرار التي قد تتسبب فيها سياراتهم باعتبار أن تلك الأضرار قد نتجت بسبب استخدام أو تشغيل السيارات. ـ هل هناك أية شروط للضمان؟ الإجابة عن هذا السؤال المهم هي (نعم) , لأن هناك بعض الضمانات التي تغطي المنتجات عند استخدامها بطريقة معينة. فعلى سبيل المثال, قد نجد ضمانا يغطي استخدام مالك السيارة فقط ولا يغطي استخدام الأشخاص الآخرين للسيارة نفسها, لهذا لابد من التثبت من هذا الجانب. ـ ما هي الجهة المسئولة عن تطبيق الضمان؟ إن الجهة التي وضعت خاتمها وتوقيعها على الضمان هي الجهة التي يفترض فيها أن تطبق الضمان, لأنها هي التي قدمت الوعد بتوفير الخدمات التي يشملها الضمان. ـ كيف يتم التصرف مع الجهة التي تصدر الضمان في حال حدوث أي عطل في السيارة مثلا؟ الإجابة هي أنه يجب الاتصال بتلك الجهة فورا والتأكد من أنها ستقوم بإصلاح الأعطال التي تعرضت لها السيارة أو استبدالها بأخرى خالية من الأعطال أو إعادة ثمنها للشخص المتضرر. وإضافة إلى الضمانات المكتوبة هناك أيضا الضمانات الضمنية والضمانات الشخصية وعقود الخدمات والتي يمكن تبيان مضامينها كما يلي: * الضمان الضمني الذي يغطي كل أنواع المشتريات والذي يعتبر (ضمان السلعة) أحد أهم أشكاله وأكثرها شيوعا, وهو عبارة عن التزام ضمني يقدمه البائع للمشتري يضمن فيه أداء المنتج أو السلعة للأغراض التي يفترض فيه القيام بها. فعلى سبيل المثال, تضمن إحدى الشركات أن الثلاجة الجديدة ستقوم بأداء المهام المطلوبة منها والتي تتمثل في حفظ الطعام تحت درجات حرارة معينة وتجميد بعض أنواع المأكولات والأغذية مثل اللحوم والأسماك. ومن الأشكال الأخرى للضمان الضمني ما يتعارف على تسميته بـ(ضمان أداء مهمة معينة) , أي وبمعنى آخر تقديم الشركة البائعة اقتراحا بشراء منتج معين يتناسب مع استخدامات محددة. فعلى سبيل المثال, إذا اقترحت إحدى الشركات على زبون ما شراء سيارة معينة يستطيع قيادتها خلال رحلات السفاري أو الرحلات الصحراوية فإنه يضمن أن السيارة تستطيع السير على الرمال أو وسط الغابات. وحتى إذا لم يكن هناك ضمان مكتوب فإن كل السلع مغطاة بضمانات ضمنية إلا إذا حملت إشارة مكتوبة توضح أنها غير مغطاة بأي ضمان. وإن كانت الأعطال التي تلحق بالمنتجات غير مغطاة بضمانات مكتوبة, فهناك دائما الضمان الضمني الذي يمكن أن يوفر الحماية الكافية. * الضمان الشخصي: وهو ذلك الوعد الذي تقدمه الشركة البائعة بتقديم خدمات مجانية معينة. فعلى سبيل المثال, قد تقدم إحدى شركات الأجهزة الإلكترونية وعدا بصيانة وإصلاح أجهزة التليفزيون من دون أي مقابل مالي. ومع ذلك فإن لم يكن الوعد مكتوبا فقد يتعرض الشخص الذي يشتري أحد هذه الأجهزة لمشكلات أقلها تحمل تكاليف صيانة وإصلاح جهاز التليفزيون. وهناك تحوطات وقائية لابد من اتباعها لتقليل حجم المشكلات الناتجة عن الضمانات, لعل من أهمها ما يلي: ـ الاستفسار عن سمعة الشركة أو الجهة الموقعة على الضمان وعن سيرتها في السوق ومدى التزامها بوعودها. ويمكن جمع أكبر قدر من المعلومات حول الشركة من الأصدقاء أو ممن سبق لهم أن تعاملوا معها. ولكن يجب ألا ينخدع الإنسان بلافتات النيون العملاقة والمعارض الفسيحة اللامعة, فقد يكون وراء ذلك اللمعان ما وراءه من مصائب. ـ استثمار قسط كبير من الوقت في قراءة كتيب الضمان ودراسته بعناية وتأن للتأكد من كل الجوانب التي يغطيها والتعرف على مختلف أشكال الحماية التي يوفرها. ـ الاحتفاظ بفواتير الشراء في مكان ملف خاص يوضع فيه الضمان أيضا وذلك لإبرازها إذا تطلب الأمر إثبات ملكية المنتجات والسلع أو بروز أية مشكلات مع الجهة البائعة مثل إنكار بعض الشركات لحقيقة أنها باعت سلعا ومنتجات لبعض الأشخاص. ومع ذلك, وعلى الرغم من أن الضمان قد يقدم تغطية ممتازة, فقد تنشأ بعض المشكلات بين الشركات والعملاء يضطر معها أحد الأطراف إلى اللجوء للقضاء. ولا ضرر في ذلك إذا كان العميل يحتفظ بأصل الضمان وأصل سندات الشراء, لأنها ستكون الفيصل في أي حكم يصدر من القضاء. إن الضمانات والكفالات أدوات ضرورية للتعاملات التجارية, وتحكمها الثقة المتبادلة بين الأطراف (البائع والمشتري), ولهذا لابد من النظر إليها باحترام كامل والالتزام الصارم بكل بنودها خدمة لمصلحة الطرفين.