لا أعتقد أن هناك موضوعا يهم شعوب العالم أكثر من قضية المياه. فحقيقة الأمور تشير إلى أننا بقدوم العام 2005 سنكون بحاجة إلى كميات من المياه تزيد بنسبة 40% عما تحصل عليه المدن حاليا, وتزيد بنسبة 20% عما يتم توجيهه إلى الصناعات الغذائية الآن. إلا أنه بالرغم من ذلك فإن هناك ضغوطا جمة تجعل من الصعب الحصول على هذه الكميات. ففي دولة مثل اليمن, التي كانت في وقت من الأوقات ينظر إليها على أنها عدن الجزيرة العربية, نجد أن اختراع ما يعرف بمضخات الديزل خلال العقود الثلاثة الماضية يقود الدولة إلى خطر الجفاف ونفاد ما بها من ماء. فعلى سبيل المثال نجد أن في الحوض المائي الذي يحيط بالعاصمة صنعاء, يتم ضخ واستنفاد كميات من المياه تزيد أربع مرات عما تجود به الينابيع ومياه الأمطار, فالسهول والطبقات المائية يزداد هبوطها كل عام عدة أمتار إلى باطن الأرض. وكما هي الحال في كثير من مدن العالم الثالث, فإن الفقراء هناك يدفعون من أجل جالون الماء ما يعادل خمسة أضعاف ما يدفعه نظراؤهم في لاهاي أو واشنطن. وهذا الأمر لا يقتصر على اليمن فحسب, فالتقديرات العالمية تشير إلى أن 10% من الأغذية في العالم تنبت وتنمو عن طريق الماء الآتي من الطبقات الصخرية المائية, التي بدورها يتم استنفادها بسرعة كبيرة للغاية. فما الذي يعنيه هذا بالنسبة للفئات العادية من شعوب العالم الثالث والدول النامية؟ إذا استعرضنا بعض الأمثلة في هذا الشأن نجد أن أحد المزارعين في كينيا أشار إلى المشكلة بعبارات بسيطة قال فيها (الماء هو الحياة, وبما أننا ليس لدينا ماء, فالحياة بالنسبة لنا تعني البؤس) . أحد الشباب في روسيا الاتحادية يقول (كيف لنا أن نزرع أي شيء بدون المياه؟ فماذا تشرب بقرتي؟ فالماء هو الحياة بالنسبة لنا) . بينما يقول أحد كبار السن في أثيوبيا (نحن نظل ساعات في انتظار ما تجود به السماء, متسائلين هل ستمطر أم لا؟) . إن هذه الصرخات التي يطلقها الفقراء تمثل شاهدا على مخاوفهم واحتياجاتهم, ففي كثير من دول العالم تعتبر القدرة على الوصول إلى المياه الشيء الذي يميز الفقير عن الشخص غير الفقير. فعندما كنت في فييتنام مؤخرا, علمت من بعض الأطفال أن الفقراء هم الذين لا يملكون قدرة على الوصول إلى ماء آمن صحيا, فواقع الأمر يشير إلى أن عدم القدرة على الوصول إلى الماء تعني الفقر في مختلف أرجاء العالم النامي. إلا أنه لا يعني أن يكون بعض الدول قد حقق تقدما في هذا الشأن, ففي كوت ديفوار وبنين نجد أن أكثر من 70% من الشعب يتمتع بمياه آمنة وصحية. ولكن في بلد مثل إريتريا نجد أن 7% فقط من الشعب لديه القدرة على التوصل إلى مياه آمنة, وفي كمبوديا تصل هذه النسبة إلى 13% فقط من الشعب, وفي موزمبيق 24%, وفي باراجواي 39%. فإذا لم نتمكن بدورنا أن نجد حلا لهذا التحدي, فإننا لن نتمكن من النجاح في مهمتنا الأكبر المتمثلة في خفض وطأة الفقر الذي يعاني منه ملياران من البشر يعيشون بأقل من دولارين يوميا. وفي هذا الصدد لا مكان للنوايا الصادقة والطيبة فقط, فنحن يجب أن نواجه تحدي التنمية بأسلوب مختلف عن طريق تأسيس عمليات التنمية على العدالة والمساواة والشراكات الجديدة وبيئات اقتصادية قوية, ودعم الخدمات التي تقدم للفقراء. فنحن يجب علينا النظر في كيفية عمل المؤسسات وكيف يتسنى لنا أن نوفر لأصحاب الأسهم اشتراكا فعليا في هذه المؤسسات, ونتعلم كيف نستخدم مواردنا المائية بطرق أكثر فعالية, وكيف يتسنى لنا أن نزيد الإحساس بالمسئولية لدى هؤلاء الذين يقدمون الخدمات للشعوب. فإذا أخذنا مثالا لذلك, نجد أنه حدث في المكسيك أمر مشابه لما يحدث في اليمن, ففي الوقت الذي أدى فيه العمل بالمضخات إلى زيادة وتقوية الإنتاجية الزراعية, نجد أن السهول المائية, نتيجة لاستعمال هذه المضخات, هبطت إلى ما تحت سطح البحر, وأدى الأمر إلى تدمير طبقة هيرموسيلو الصخرية الموجودة في منطقة سونورا بفعل الماء المالح الذي يتسرب من البحر. وفي الأعوام الأخيرة حدث بعض التقدم المشجع في الموقف بفضل قانون المياه الجديد الذي سنته الحكومة المكسيكية, والذي يؤكد توحيد طرق إدارة الموارد المائية في ما يتعلق بأحواض المياه والطبقات الصخرية, مما أحدث نوعا جديدا من الشراكة, فأصبح المستهلكون والمستعملون للماء هم أصحاب القرارات بينما تساعد الحكومة بمدهم بالمعلومات وتطبيق القرارات. وبموجب ذلك القانون الجديد أصبح للمستهلكين حقوق ملكية واضحة, وحافز على إدارة الموارد المائية بطرق فعالة وأكثر جدوى, ولم يصبح همهم فقط استنفاد الماء حتى آخر قطرة. وكانت النتيجة أن المزارعين قرروا طواعية أن يخفضوا من استخراجهم للماء بنسبة 50%, وأصبح استهلاك الماء يتم بطرق أكثر جدوى وفعالية, وتوقفت عمليات إهدار الماء في أغراض غير مفيدة. وكانت النتيجة الأهم من كل ذلك هو أن زادت الدخول وانخفضت معدلات البطالة, وانخفضت عمليات ضخ المياه من الأرض على نحو كبير. فماذا كان رد فعل البنك الدولي تجاه هذا التطور؟ بدورنا قمنا بدراسة هذا التطور واستخراج الدروس المستفادة منه, وإبلاغها للدوائر المعنية في أماكن أخرى من العالم للاستفادة منها. فعلى سبيل المثال, اصطحب مسئولون من البنك الدولي مسئولين تركيين إلى المكسيك لرؤية ما يجري على الأرض هناك عمليا, وكيف تتم إدارة الموارد المائية, ورجع هذان المسئولان إلى تركيا بتصميم على تطبيق ما شاهداه في المكسيك وتحقيق النجاح نفسه. والآن تقوم تركيا بإدارة أنظمة الري عندها بالطريقة نفسها, وحدث الشيء نفسه في ولاية أندرا الهندية بمساعدة البنك أيضا. إلا أن هذا النوع من الإصلاحات ليس كافيا في حد ذاته, فالتكنولوجيا المتطورة يجب أن يكون لها دور مهم لتلعبه في إيجاد طرق أكثر فعالية لضمان أن هناك كميات كافية من المياه لشعوب العالم, تكفي أيضا لأغراض الطاقة والغذاء وما إلى ذلك. إضافة إلى ذلك فنحن بحاجة إلى نوع من توظيف مبتكر للموارد المالية, من أجل الوفاء بالمطالب الضخمة المتعلقة بقضايا المياه. فالتقديرات العالمية تشير إلى أن الاستثمارات في مجال المياه يجب أن تتضاعف خلال الخمسة والعشرين عاما المقبلة, وهذا الأمر لن يتسنى إلا إذا لعب القطاع الخاص دورا أكبر في تمويل وتوفير الخدمات المائية. جيمس ولفنسون ـ رئيس البنك الدولي