عودة لمناقشة موضوع المياه, فقد صدرت خلال الاسابيع الماضية تقارير عديدة تشير إلى ان مشكلة المياه سوف تشكل التحدي الرئيسي الذي يواجه العالم خلال القرن المقبل مما قد يجعله سبباً رئىسياً للحروب والصراعات الدولية. ومؤخراً نشرت مؤسسة (كارل دويسبرج) الالمانية دراسة مهمة حول مشكلة المياه خلال الخمسين سنة المقبلة, تحمل عنوان زيادة في عدد الناس، وقلة في مصادر المياه ـ كمصدر للنزاع في المستقبل (اعتمدت فيها على المعلومات والارقام التي نشرتها هيئة الامم المتحدة في الآونة الاخيرة. والتي اكدت ان نسبة سكان العالم الذين سيواجهون مشكلة شح المياه سوف تصل خلال الخمسين سنة المقبلة إلى حوالي 24 في المئة إلى جانب 18 في المئة من سكان العالم الذين سيواجهون ندرة شديدة في تأمين المياه لاحتياجاتهم اليومية. واضافت ان قلة المياه تعني بالتعريف الدولي الحالة التي تقل فيها كميات المياه المتوفرة لكل شخص, في العام الواحد عن 1700 متر مكعب, بينما يعني شح المياه وندرتها. تراجع هذه الكميات إلى اقل من 1000 متر مكعب سنويا. وفي عام 2050. اي بعد حوالي خمسين عاماً فإن عدد سكان العالم سوف يزداد إلى حوالي 9.4 مليارات شخص ولن تكفي كميات المياه المتوفرة الا لحوالي 58 في المئة منهم, بينما سترتفع نسبة الذين يعانون من قلة المياه إلى 24 في المئة ونسبة الذين سيواجهون مشكلة ندرة المياه وشحا إلى 18 في المئة. واوردت هذه الدراسة اسماء 16 دولة من دول العالم تواجه مشاكل قلة المياه وندرتها في الوقت الحاضر, ومرشحة لأن يزداد وضعها في عام 2050, بينها معظم دول العالم العربي إلى جانب دول اخرى في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية. فبالنسبة للمملكة العربية السعودية على سبيل المثال, اشارت هذه الدراسة الالمانية إلى ان كمية المياه المتوفرة حاليا للشخص الواحد تصل إلى 249 مترا مكعبا في العام, ولكنها قد تتراجع إلى 76 مترا مكعبا في عام 2050. وهو معدل يصل حاليا في الكويت إلى 95 مترا مكعبا سوف يتراجع في عام 2050 إلى 58 مترا مكعبا, وفي قطر من 91 إلى 58 مترا مكعبا, والبحرين من 162 إلى 96 مترا مكعبا, وفي الاردن من 318 إلى 103 امتار مكعبة, واليمن من 346 إلى 85 مترا مكعبا, بينما ستتراجع كميات المياه المتوفرة سنويا للشخص الواحد في ليبيا من 111 إلى 31 مترا مكعبا, وفي عمان من 874 إلى 177 مترا مكعبا, وفي الجزائر من 527 إلى 251 مترا مكعبا, وفي تونس من 434 إلى 245 مترا مكعبا. ونوهت الدراسة بالمشاريع الناجحة التي تحققت في عدد كبير من دول العالم الثالث خلال النصف الثاني من القرن الحالي, سواء في مضمار بناء السدود وتنظيم شبكات الري والتعاون الاقليمي في توزيع المياه, او في مجال مشاريع تحلية المياه وترشيد استهلاكها والاستفادة من مياه الصرف الصحي في مشاريع التنمية الزراعية. وعلى الرغم من ذلك فمما لا شك فيه ان دول المنطقة تعيش بالفعل ندرة موارد المياه وتسعى بشتى الوسائل إلى حسن ادارتها واستغلالها وتعويض حاجاتها منها باستخدام تقنيات التحلية المختلفة عبر صورها المتعددة, لذلك لابد من ايلاء هذا الموضوع كل الاهتمام. وباعتقادنا, فإن موضوع مشكلة المياه بدول المنطقة يمكن تناوله على صعيدين مختلفين هما تجديد وتنويع مصادر الحصول على الموارد المائىة, ودراسة البدائل المطروحة لتمويل المشروعات الخاصة بالتوسع في هذا القطاع. وبالنسبة للموضوع الاول, فقد نستذكر هنا الدراسة التي قدمها الدكتور فهد بن عبدالرحمن بالغنيم محافظ المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة بالمملكة العربية السعودية إلى المؤتمر الرابع للمياه في البحرين وطرح فيها ثلاث استراتيجيات لمواجهة المياه بدول المنطقة. واولى هذه الاستراتيجيات هي تحلية مياه البحر حيث اوضح ان دول المجلس تعاني من محدودية مصادر المياه الطبيعية المتحدة وهي تتجه الآن إلى تحلية مياه البحر لتأمين احتياجات المياه لتواكب متطلبات خطط التنمية الطموحة وثانيتهما ترشيد استخدام المياه حيث انفقت دول مجلس التعاون الكثير من دخلها في اقامة مشاريع تهدف إلى توفير المياه. وطالب بأهمية زيادة وعي واطلاع المستهلك على التقنيات المتوافرة وبوضع التشريعات والانظمة الباهظة التي تعمل على حفظ معدل الاستهلاك, وثالث هذه الاستراتيجيات هي اعادة استخدام المياه حيث اشار إلى اعادة النظر إلى المياه معادة الاستخدام كمصدر اضافي لمياه الاستخدامات. الموضوع الهام الآخر هو تمويل مشروعات المياه وخاصة من خلال برامج التخصيص ونحن بدورنا نعتقد ان تخصيص قطاع الكهرباء والماء لابد من النظر اليه نظرة متأنية. وان يتم اللجوء اليه كملاذ اخير, فالتخصيص لن يكون بالضرورة العصى السحرية الا اذا رافقه زيادات واضحة في التعرفة الكهربائىة بالاضافة إلى المشاكل الاخرى المصاحبة للموضوع كالعمالة وغيره. حسين محمد