سيلقي تحرير التجارة بظلاله على جميع القطاعات الاقتصادية والتجارية, وستظهر تأثيراته العديدة على هذه القطاعات, ما يتطلب من المختصين الاستعداد لهذه المرحلة من أجل مواجهة التحديات التي ستفرزها, والتعامل مع سلبياتها وإيجابياتها, وستكون صناعة التأمين العربية على رأس القطاعات المتأثرة مباشرة بهذه التغيرات. وباعتباره أحد الأوعية الادخارية المهمة التي تعول عليها كثير من الاقتصادات, فإن هذا القطاع سيجد نفسه ـ للتعامل مع نتائج تحرير تجارة الخدمات ـ ملزما بمراجعة أدائه في الفترة الماضية ومعرفة جوانب التقصير والخلل, قبل أن يفكر في اتخاذ استراتيجيات جديدة تفرضها طبيعة الواقع المستحدث. تعد الخدمات من القطاعات التي ستتأثر حتما نتيجة تحرير التجارة, وسيأتي ذلك في إطار اتفاقية (الجاتس) المعنية بتحرير تجارة الخدمات. وينبع الاهتمام بدراسة التأثيرات التي ستلحق بتجارة الخدمات من الأهمية التي تتسم بها, نظرا لما تشتمل عليه من نطاق واسع من خدمات التأمين وإعادة التأمين والخدمات الأخرى المرتبطة بهما, إضافة إلى عدد كبير من الخدمات المصرفية والمالية الأخرى. ومما لاشك فيه أن صناعة التأمين وإعادة التأمين تعد إحدى أهم الدعائم الأساسية التي ترتكز عليها اقتصادات دول العالم, وتنعكس تأثيراتها وتسهم بشكل فعال جدا في خطط التنمية باعتبارها تشكل أحد الأوعية الادخارية المهمة, حيث تعتبر مصدرا رئيسا في تمويل هذه الخطط الأمر الذي يستوجب إيلاءها مزيدا من الاهتمام والرعاية. ولكن هل استعدت قطاعات التأمين العربية والخليجية للتعامل مع مقتضيات المرحلة المقبلة ومتطلبات تحرير تجارة الخدمات والتي تأتي هذه القطاعات على رأسها من ناحية الأهمية الاقتصادية؟ وكيف يمكن لصناعة التأمين العربية أن تستجيب للتطورات والمتغيرات التي سوف تشهدها هذه الصناعة بعد التحرير الكامل لها؟ وفي إطار بحث ومناقشة بنية قطاع التأمين العربي في ظل الظروف الراهنة والتعرف على واقعه, وكيفية تعامله مع التطورات المستقبلية في ظل منظمة التجارة العالمية, شهدت أبوظبي مؤخرا المؤتمر الثالث والعشرين للاتحاد العام العربي للتأمين, والذي بحث كافة القضايا المتعلقة بهذا القطاع. * عبدالرحمن سيف الغرير, رئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات للتأمين, يرى أنه من المتوقع أن تواجه أسواق التأمين العربية تحديات داخلية وخارجية خلال السنوات المقبلة, تتطلب التعاون والتنسيق في ما بينها وتدعيم المراكز المالية لشركات التأمين لتتمكن من مواجهة هذه التحديات. مشيرا إلى أن هذه التحديات تتلخص في تطوير هياكل رؤوس أموال شركات التأمين, والارتقاء بمستوى الخدمة التأمينية من حيث النوع وأسلوب الأداء, وتدريب وتأهيل الموارد البشرية. إضافة إلى الاستفادة من نظم المعلومات المتطورة في وضع استراتيجيات للتوسع والنمو لمواجهة المنافسة الداخلية والخارجية, ودعم التعاون والتنسيق في مجالات نشاطات التأمين المختلفة وتبادل الخبرات التأمينية. ويؤكد ضرورة أن يواكب النشاط التأميني التطور الاجتماعي والاقتصادي للدول المختلفة للقيام بدوره كعنصر أساسي في الحفاظ على الثروة البشرية والاقتصادية للمجتمع, وتلبية احتياجاته التأمينية سواء في شكل تأمين مباشر أو إعادة تأمين. * الدكتور مصطفى رجب, مدير عام شركة الطفرة للتأمين, قال إن أسواق التأمين في المنطقة تواجه بعض التحديات الناشئة عن الظروف المحيطة بهذه الأسواق, ولعل أهمها تفتت محافظ التأمين بسبب ضخامة عدد شركات التأمين بالقياس إلى حجم السوق, وهذا واضح للعيان في سوق التأمين في كل من السعودية والإمارات. وأيضا عدم التوازن في محافظ شركات التأمين, حيث يلاحظ غياب الأخطار متوسطة الحجم, فتأمين السيارات يشكل نحو 33% من أقساط التأمين, كما أن تأمين الأخطار النفطية والمشروعات الكبرى والطيران يشكل هو الآخر نحو 55% من حجم السوق. ويتسبب عدم التوازن في جعل الشركات أقل قدرة على مواجهة الانحرافات في معدلات الخسائر من جهة, ويؤدي إلى انخفاض أقساط التأمين المحتفظ بها حجما ونسبة من جهة أخرى. ويضيف أن هذا الوضع أدى إلى أن يصل معدل أقساط إعادة التأمين المسندة من شركات المنطقة إلى نحو 58% من الأقساط الإجمالية, أما إذا استبعدنا أعمال تأمين السيارات فإن هذه النسبة سترتفع إلى ما يقارب 75%. مشيرا إلى ضآلة محفظة التأمين على الحياة وخصوصا لدى شركات التأمين الوطنية في المنطقة, في حين أن هذا النوع من أعمال التأمين هو الأقدر على تكوين رؤوس الأموال, إضافة إلى ضعف القاعدة المالية لشركات التأمين الوطنية حيث تشير المعلومات إلى أن عددا لا بأس به من الشركات الوطنية يقل رأسماله عن عشرة ملايين دولار أميركي. وفي رأيه أن هناك عاملا يلعب دورا حاسما في الحد من تطور أعمال التأمين في المنطقة, ويتمثل في المنافسة التي تخرج أحيانا على الأسس الفنية السليمة تساعدها في ذلك الطاقة الاستيعابية الهائلة المتوفرة على المستوى الدولي في ميدان إعادة التأمين. ومع ذلك فإن توجه حكومات المنطقة نحو تقليص الخدمات المجانية التي تقدمها للجمهور, وخصوصا في ميدان الخدمات الصحية, من المتوقع أن يؤدي إلى اتساع قاعدة أعمال التأمين الخاص الشخصي, وبالذات في ميدان التأمين على الحياة والتأمين من الاصابات الجسمانية. ويتطلب هذا من إدارات شركات التأمين إعادة النظر في سياستها الاكتتابية ونشاطاتها التسويقية من أجل التكيف مع الأوضاع الجديدة. ويوضح دكتور مصطفى رجب أن عملية التنسيق في إطار التكتلات الاقتصادية عملية معقدة, تفترض اتخاذ إجراءات تنسيقية ضمن فترات زمنية محددة باتجاه الوصول إلى السوق الموحدة, مع إيجاد آلية معينة لاتخاذ القرارات وهيئة لحسم المنازعات التي لابد وأن تحدث في إطار أي تجمع اقتصادي, ومما يزيد من أهمية التوقيت أن كلا من الإمارات والبحرين وقطر والكويت قد وقعت على اتفاقيات دورة أوروجواي, وأن كلا من المملكة العربية السعودية وعمان في طريقهما للانضمام. وحيث إن تلك الاتفاقيات تتضمن مواعيد معينة أو مفاوضات جماعية ستتم من أجل الاتفاق على مواعيد وإجراءات جديدة, فإننا قد أدركنا مدى أهمية عملية التنسيق الخليجي التي يمكن أن توصف بأنها خط الدفاع الاقتصادي الخليجي في مواجهة العالمية. ويتابع أنه من غير المقبول الدخول في إطار العالمية دون المرور ضمن الإطار الإقليمي الخليجي, بل إن هذا الإطار يجب أن يكون المرحلة الأولى لفتح الأسواق الخليجية أمام الشركات الأجنبية طبقا لقواعد اتفاقية الخدمات. وستكون الأسواق الخليجية المتناسقة والموحدة مستقبلا في وضع أقوى وأفضل عند إجراء المفاوضات مع أجهزة الجات, واتفاقية الجات نفسها تعترف بإمكانية إعطاء أفضليات في إطار التكتلات الاقتصادية لا تستفيد منها الدول خارج إطار تلك التكتلات. ويتمثل الهدف النهائي والكبير لأسواق التأمين الخليجية في جعلها سوقا تأمينية واحدة, أي أن تعمل الشركات الخليجية في أية دولة من دول مجلس التعاون كما لو كانت تعمل داخل حدود دولتها, وخضوع شركات التأمين الخليجية وهي تمارس أعمالها في مختلف دول مجلس التعاون للرقابة في بلدها الأصلي, مع جميع ما تعنيه الرقابة من أسس فنية ومالية وحرية دخول السوق الخليجية من قبل شركات التأمين الخليجية, سواء على شكل فرع أو شركة محلية تسهم فيها الشركة الخليجية, وإمكانية تغطية أخطار موجودة في دولة خليجية من قبل شركة خليجية مباشرة في الدولة الخليجية الأخرى. ويشير إلى أنه للوصول إلى هذه المرحلة النهائية لابد وأن تتحقق مراحل عديدة, وأن يتم اتخاذ إجراءات وإصدار قوانين عديدة تؤدي إلى وضع شركات التأمين الخليجية في وضع تنافسي متساو تفاديا لسيطرة شركات تأمين تابعة لبلد معين على سوق تأمين بلد آخر. ولكي تكون الشركات الخليجية في وضع تنافسي متساو لابد من إخضاعها لقواعد رقابية موحدة, ولقوانين موضوعية خاصة بعقد التأمين والضرائب ورسوم متناسقة وموحدة أيضا. ويؤكد أنه يجب اتخاذ إجراءات معينة على المستويين الوطني والخليجي من أجل الاستعداد لمواجهة العالمية, والتي إن لم يحسن الاستعداد لمواجهتها فإنها ستؤدي إلى تهميش دور شركات التأمين الوطنية الخليجية وربما إلى إخراجها من السوق, ومن هذه الإجراءات تكوين وحدات تأمينية ذات قواعد مالية واسعة للاستفادة من اقتصادات الحجم الكبير, وتوجيه جهود خاصة لزيادة عدد الأقطار المتوسطة, وعقد تحالفات بين شركات التأمين والمصارف, وتطوير المنتجات التأمينية وتطوير أجهزة الرقابة على أعمال التأمين. * الدكتور رجائي صويص, مدير عام شركة الشرق الأوسط للتأمين بالأردن, يقول إنه عندما نبحث في قدرة أسواق التأمين العربية على مواكبة التطور في القرن المقبل فإنه يلزمنا بطبيعة الحال معرفة موقعنا الحالي من الأسواق المتقدمة, وقياس المسافة التي تفصلنا عن المعدلات العالمية, وتقييم قدراتنا على التغلب على تلك الفروقات أو أجزاء مهمة منها, كما أننا بحاجة إلى ترتيب أولوياتنا بحيث يتم تركيز جهودنا على التطوير ضمن إمكاناتنا وبمردود عال, حتى لا نبعثر تلك الجهود في الركض وراء أهداف بعيدة المنال. وكذلك فكل سوق من الأسواق العربية أقدر على تقييم نفسها وترتيب أولوياتها, حسب الإمكانات المتوفرة لديها ومعطيات اقتصادها ودخل الفرد فيها, فكما أن الأسواق العربية تتفاوت في أحجامها وإمكاناتها, فمن الطبيعي أن تتفاوت قدراتها على التطوير والتحديث. ويضيف أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل نحن قادرون على مواكبة تحديات العصر؟ وهل إرادتنا وحدها كافية لتحقيق طموحنا أم أننا بحاجة لما هو أكثر من ذلك؟ وفي الواقع وحتى نكون منصفين في حكمنا على أسواقنا, فإنه لابد من أن نذكر أن هناك الكثير من الأمور التي ليس لشركات التأمين العربي قدرة على التأثير عليها, وتجد هذه الشركات أنها ملزمة بالتعايش معها, حيث إن حجم الاقتصاد ونموه ودخل الفرد في أكثر الدول العربية عناصر أساسية لا تستطيع هذه الشركات تخطيها إلا إذا امتدت أعمالها خارج منطقتنا, وهو ما تستطيعه أغلبية شركاتنا, ولهذا تظل تلك الشركات تدور في فلك اقتصادات ضعيفة ودخل فردي محدود. ولكن ذلك لا يجب أن ينفي مسؤولية الشركات العربية ذاتها في التحديث والتطوير ضمن الإمكانات المحدودة, فالتركيز على الأسواق المحلية وإشباع حاجتها حتى لو كانت متواضعة يضع الشركات على الطريق الصحيحة, ويمكنها من مواكبة التطور المطلوب في العقد المقبل. وتنبغي ملاحظة أن أسواق التأمين المتطورة في العالم تعمل وسط اقتصادات قوية تنمو باستمرار, وأن دخل الفرد في تلك الدول مرتفع جدا بدرجة تلبي حاجات الفرد من التأمين, لذلك ليس من العدل أن نقارن أسواق التأمين العربية بأسواق التأمين في الدول المتقدمة دون مقارنة حجم الاقتصاد بين تلك الأسواق. مع إدراك أن التأمين لا يصنع اقتصادا قويا وإنما الاقتصاد القوي هو الذي يحفز التأمين وينميه ويطوره. م.ع