ان المظاهرات الصاخبة والاحتجاجات القوية التي شهدتها مدينة واشنطن منذ ايام ابان اجتماع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ما هي الا صورة للتعبير عن رأي هذه الجماعات بالسياسات المالية والنقدية لهاتين المؤسستين الاقتصاديتين الدوليتين. ولقد وجدت تلك الجماعات في هذه الصورة من التعبير عن الرأي الصورة المثلى في عالم تعجز فيه بعض الجماعات عن الوصول بآرائها الى صانعي القرار عبر القنوات الادارية الرسمية بصورة قوية ومؤثرة على كل من صانعي القرار من ناحية والرأي العام العالمي من ناحية اخرى. لاشك ان الديون الخارجية وما يرتبط بها من فوائد متراكمة وتكاليف اخرى تشكل اعباء كبيرة تثقل كاهل الدول المدينة وتضطرها الى اتباع سياسات اقتصادية انكماشية فتلجأ الى تخفيض الانفاق العام والضغط على مستوى الخدمات والمرافق العامة كخدمات التعليم والصحة والاسكان والماء والكهرباء مما يعني بدوره تفاقم حدة الفقر وتدهور مستوى المعيشة حيث تبقى تلك المجتمعات تدور فيما يعرف في علم الاقتصاد (حلقة الفقر المفرغة). ونقترح للمؤسسات الاقتصادية الدولية وبالتحديد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير بأن تغير من منهجية التمويل وليس فقط السياسات المالية. اي بمعنى آخر نقترح ان يتبع البنك منهج الخصخصة والأسلمة في ذات الوقت للمشاريع الجديدة وكذلك للمشاريع القائمة والتي سبق تمويلها ما أمكن ذلك. فأما الخصخصة, فنقصد بها ان يشترط البنك في تمويل المشاريع الحيوية في البلدان النامية ان تكون تلك المشاريع مخصخصة, وهنا سوف يضمن البنك استخدام رأس المال بطريقة رشيدة وللأغراض التي خصص من اجلها وسوف تتم ادارته بطريقة رشيدة ووفقا للاصول الادارية والمالية المعروفة. ولقد اثبتت التجارب المعاصرة ان المشاريع المخصخصة اكثر نجاحا من مثيلاتها غير المخصخصة بكل مقاييس النجاح وابعاده. خاصة وكون ان ظاهرة الخصخصة بدأت تأخذ مكانها دوليا كمنهج اقتصادي سليم لحل الكثير من المشاكل الاقتصادية والادارية المستعصية. ان ذلك لا يعني اطلاقا اعراض كل من الصندوق والبنك الدوليين عن تمويل المشاريع الحكوية التي مازالت عامة ولم يطلها منهج التخصيص وانما يعني التركيز على منهج التخصيص بالدرجة الأولى وذلك نظرا لما للمشاريع المخصخصة من مزايا لا تتوفر في مشاريع القطاع العام. أما فيما يخص اسلمة المشاريع فنقصد بذلك ان كلا من الصندوق والبنك الدوليين بامكانهما ان يدرسا امكانية التحول الى منهج التمويل الاسلامي مستفيدين بذلك من خبرات البنوك الاسلامية. واعتقد ان منهج التمويل الاسلامي انسب لهاتين المؤسستين من المنهج الحالي, فطريقة المرابحة والبيع الآجل والبيع بالتقسيط والاجارة والاستصناع وطريقة المشاركة المنتهية بالتمليك, اي تمليك المشروع للشريك طالب التمويل كل تلك الادوات والوسائل هي وسائل تمويل مناسبة جدا للصندوق والبنك الدوليين من ناحية ومناسبة للبلدان طالبة التمويل من ناحية اخرى وذلك نظرا لما تتضمنه من روح العدالة والتسامح وعدم المبالغة بتكاليف اعباء الديون التي تكون مرتبطة بالايرادات والارباح المتحققة من تلك المشاريع وليس بصورة تكاليف او فوائد مشروطة على القروض كما يحدث الآن. ان الصندوق والبنك الدوليين جربا الكثير من الوسائل والطرق ولن يخسرا شيئا بتجربة المنهج الاسلامي في التمويل. د. محمد ابراهيم الرميثي