بقلم: روبرت صامويلسون إحدى الأساطير المهيمنة على السياسة الأمريكية هي ان (المصالح الخاصة) للاغنياء تحكم واشنطن. فمن خلال التبرعات السخية للحملات الانتخابية وأفراد جماعات الضغط المهرة, فانهم يشترون (طريق الوصول) للسلطة ويتلاعبون بالقوانين لصالحهم. السياسة فاسدة. هذه هي الفكرة التي تشجع الحملة لـ(إصلاح) تمويل الحملات الانتخابية وتشعل الحماس الأخلاقي لدى السناتور جون ماكين. صحيح ان هذا أمر سائد, لكن هل هو صحيح؟ الاجابة هي بالنفي طبعا. كان لدينا مثال رائع على ذلك في الآونة الأخيرة ألا وهو الحكم القاسي المناهض للاحتكار بحق ميكروسوفت. فعلى الرغم من قوافل المحامين وجماعات الضغط ومستشاري العلاقات العامة والتبرعات الكبيرة للحملات الانتخابية من قبل مدرائها, إلا ان ميكروسوفت لم تستطع ان تحمي نفسها من دعوى قضائية حكومية مدمرة. ولكن في زمن الضريبة, فان افضل توضيح للأمر يتعلق بالضرائب. فاذا كان للأغنياء نفوذ قوي جداً, فان من المفروض ان ينخفض عبأهم الضريبي لكن واقع الحال يقول إنه لا ينخفض وانما يرتفع. منذ منتصف الثمانينات, دفع الاغنياء حصة متنامية من الضرائب الفيدرالية حسبما يفيد مكتب الميزانية التابعة للكونجرس. وبالنسبة للعام 1999, فان الامريكيين الاغنى الذين يشكلون 1% من السكان (حوالي 1.2 مليون عائلة بتموسط دخل قبل اقتطاع الضريبة يبلغ 786000 دولار) سيدفعون حوالي 21% من جميع الضرائب الفيدرالية من أصل 15% في عام 1985. والزيادة تستحوذ على معظم الحصة المتنامية للضرائب المدفوعة من قبل الشريحة الاغنى التي تشكل 20% من السكان (بما في ذلك الـ1% المتربعون على القمة). وفي الفترة ما بين 1985 و1999, ارتفعت حصتهم من الضرائب الفيدرالية من 57 إلى 65%. وفي غضون ذلك, فإن الضرائب المفروضة على الامريكيين الافقر الذين يشكلون 60% من السكان (والذين يبلغ عددهم الآن حوالي 96 مليون عائلة) انخفضت خلال الفترة نفسها من 22 إلى 17% من اجمالي الضرائب. إن الأموال التي تحصلها الحكومة من الاغنياء يجرى انفاقها بشكل اساسي على برامج تستهدف الطبقة المتوسطة ـ وبدرجة أقل ـ الفقراء. وفي عام 1998, كان لدى الضمان الاجتماعي (برامج الشيخوخة والاعاقة) 44 مليون منتفع, وكان لدى مديكير (تأمين صحي لكبار السن) 39 مليون منتفع. (تأمين صحي للفقراء) 41 مليون منتفع. (وبالطبع, الاغنياء يحصلون ايضاً على مزايا الضمان الاجتماعي ومديكير. لكنهم ليسوا بحاجة الى هذه المزايا. ومن ناحية اقتصادية, فانهم سيكونون في حال افضل بدون البرامج مع ضرائب أقل. إذن الاغنياء بالكاد يسيطرون على واشنطن. فما السبب في ذلك؟ أحد الاسباب هو الاقتصاد. فالاغنياء والطبقة المتوسطة العليا يدفعون أكثر لانهم يملكون الأكثر. وفي الواقع, أن حصتهم من الدخل قد ارتفعت. في عام 1985, كان لدى الـ1% الاغنى 12% من دخل العائلة, وبحلول عام 1999, قدرت تلك النسبة بحوالي 15%.. وهذه استحوذت على الزيادة كلها في اوساط الـ20% الاغنى, الذين ارتفعت حصتهم من 51 الى 54%. وحتى في ظل وجود (الضريبة الثابتة) التي تتطلب من كل شخص ان يدفع الحصة نفسها من الدخل كضريبة, فان الخمس الاغنى من الامريكيين يدفعون حوالي نصف الضرائب الفيدرالية. (يبلغ متوسط مداخيل العائلة لهذا الخمس الأغنى حوالي 144 ألف دولار). ولكننا لا نملك ضريبة ثابتة, وما لدينا هو ضريبة تصاعدية, حيث ترتفع معدلاتها بارتفاع الدخل. والأهم من ذلك هو ان رسم الضرائب للأمريكيين الأغنى شهدت ارتفاعا مع مرور الوقت, ففي عام 1985 كان متوسط الضريبة للـ 1% الأغنى من الامريكيين 2.26%, وبحلول 1999 كان ذلك المتوسط يبلغ 34.4%. وهذه الرسوم تجمع كافة الضرائب الفيدرالية.. الدخل وجدول الرواتب والضريبة.. وكذلك ضرائب الشركات التي تنسب الى المساهمين. وبالنسبة للخمس الأغنى من الامريكيين, فقد ارتفعت معدلات الضريبة من 5.24 الى 1.29%. وفي أسفل سلم الدخل انخفضت هذه المعدلات, وبالنسبة للخُمس الأفقر من الامريكيين, هبطت معدلات الضريبة من 2.10% الى 6.4% في الفترة ما بين 1985 و1999. والنقطة الأساسية هنا هي ان الاغنياء لم يكونوا أقوياء سياسيا بما فيه الكفاية لحماية انفسهم من الضرائب الأعلى, فنحن نعيش في بلد ديمقراطي والاشخاص هم الذين يصوتون وليس المال. هذا أمر بسيط وواضح, ولكن هذه ليست هي الطريقة التي يعتقد ان واشنطن تعمل بها, ففي الصورة العادية تعمل المصالح الخاصة للأغنياء على سرقة الحكومة من (الشعب) . والآن تزخر واشنطن بجماعات الضغط. وفي بعض الاحيان تفوز جماعات الضغط لصالح الاغنياء والمصالح المتعلقة بنشاط الاعمال, واحيانا تعتبر انتصاراتهم سياسة عامة جيدة, واحيانا لا تكون كذلك. ولكنهم يعملون في العادة في اجواء غير مبالية أو معادية, لأنهم لا يمثلون شرائح عريضة. هل هناك تخفيضات في الضرائب؟ نعم, يحصل رجال الأعمال والاغنياء على تخفيضاتهم, لكن تخفيضات الضرائب سريعة النمو للطبقة المتوسطة والفقراء من أجل الرسوم الجامعية وتوفيرات التقاعد ورعاية الطفولة وفي الفترة ما بين عامي 1990 و2000 ازداد رصيد الضرائب على الدخل المكتسب, وهو رصيد قابل للاعادة للعاملين منخفضي الدخل, ازداد من سبعة مليارات دولار الى ما يقدّر بثلاثين مليار دولار سنويا. بالمناسبة هذا ليس انتقاد, في رصيد الضرائب التي يمكن الدفاع عنها. الجميع تقريبا يسيء تمثيل واشنطن, السياسيون يفعلون ذلك لأنه يمنحهم اوراق اعتماد شعبية لأحكام الجمهور المسبقة, والصحافة تقوم بذلك لأن (عامة الشعب) ضد (أصحاب الامتيازات) هي قصة اخلاقيات جذابة, وحتى ان بعض الاغنياء ينضمون الى الركب لأنهم يشعرون بالذنب ازاء ثروتهم. وهذا الأمر يفوق مجرد عملية صنع الاسطورة غير المؤذية, فهو يمنح دعما مصطنعا لمبدأ (اصلاح) عملية تمويل الحملات الانتخابية التي وعلى الرغم من انكار مؤيديها, فإنها تشكل تهديدا لحرية الرأي, وهي تعزز من النظرة الساخرة للحكومة والسياسة والتي تعتبر ظاهرة غير صحية عندما تعتمد على معلومات مضللة, كما انها تهاجم الحقيقة التي تستحق الدفاع اكراما لها.