كان الانتعاش الآسيوي مثيرا للدهشة, فالاقتصادات الصاعدة التي تأثرت بالازمة المالية والاقتصادية عام 1997 حقت نمواً في عام 1999 يصل الى ثلاثة اضعاف ما توقعه المحللون من عام واحد فقط. ارتفع اجمالي الناتج المحلي في كوريا الجنوبية بنسبة 11% العام الماضي، ويزيد حجم هذا الناتج على ما كان عليه قبل الازمة المالية. كما ان ماليزيا ايضا تحقق نتائج جيدة وحققت نمواً بلغ 6% في عام 1999. وبحلول نهاية العام الجاري من المتوقع ان تحقق تايلاند معدل النمو الذي كانت عليه قبل الازمة الآسيوية. وتأخرت اندونيسيا قليلاً لكن اجمالي ناتجها المحلي ينمو بمعدل سنوي 6% خلال الربع الاخير من العام الماضي. أمريكا اللاتينية ويبدو أن امريكا اللاتينية ايضا تحقق تقدما, ويتضح ذلك اكثر ما يتضح في المكسيك الذي يساعدها على ذلك طفرة الاقتصاد الامريكي, حيث ان 80% من صادرات المكسيك تذهب الى الولايات المتحدة, ويساعدها في ذلك ايضا ارتفاع اسعار البترول. سجل الاقتصاد المكسيكي نمواً في العام الماضي بنسبة 3.7%. ورفعت مؤسسة مودي للتصنيف الاقتصادي مكانة المكسيك الشهر الماضي الى رتبة القادرة على استقبال الاستثمار الجيد لأول مرة. وحققت البرازيل ايضا انتعاشا بسرعة اكبر من المتوقع بعد ازمة العملة العام الماضي. ويتوقع صندوق النقد الدولي ان يحقق اقتصاد البرازيل نمواً بنسبة 4% خلال العام الجاري. والدول الامريكية اللاتينية التي تعتمد على الصادرات في اقتصادها مثل شيلي قد تحقق نموا بنسبة 6% او اعلى من نمو اسعار السلع التي تعتمد على صادراتها. حتى الارجنتين عادت لتسجل نمواً اقتصاديا جيدا. الأسواق الصاعدة في أوروبا والأسواق الاوروبية الصاعدة ايضا تحقق نموا جيدا ويزيد معدل النمو في اوروبا الشرقية, وبدأت الثقة تعود اليها مرة اخرى بعد انحسارها بسبب الازمة الروسية. وقد تحقق دول أوروبا الشرقية والوسطى في المتوسط ضعف معدلات النمو الاقتصادي السابقة. ومن المتوقع لبولندا والمجر ان تحققا معدل نمو اقتصادي بنسبة 5% خلال العام الجاري. ومن المتوقع ان يتضاعف معدل النمو الاقتصادي في تركيا عقب الكساد الكبير الذي منيت به العام الماضي مع انتعاش الصادرات وإعادة الاعمار عقب زلزال العام الماضي. كما ان روسيا ايضا في وضع افضل, بسبب ارتفاع اسعار البترول في المقام الأول. لكن هناك استثناءات في هذه الصورة الوردية, منها الاكوادور التي لم تخرج بعد من اكبر ازمة اقتصادية تمر بها منذ الثلاثينات. لكنه من الصعب ان نجد ايا من الاقتصادات الصاعدة تسوء فيه الاوضاع الاقتصادية, وفي غالبية الأحوال هناك توقعات بتحقيق النمو. عوامل خارجية لكن غالبية التحسن في أوضاع الاقتصادات الصاعدة يرجع الى عوامل خارجية. ومن هذه العامل ارتفاع اسعار السلع وزيادة الطلب على صادرات هذه الدول, خاصة من امريكا مما ادى الى زيادة معدلات انتعاش الأسواق الصاعدة. فقد ساهم ارتفاع الطلب الامريكي على الالكترونيات الى سرعة الانتعاش الاقتصادي في كل من ماليزيا وكوريا الجنوبية وتايوان. كما عزز فرص الانتعاش الاقتصادي في وسط وشرق اوروبا النمو السريع في اوروبا الغربية. لكن هناك اسباب اخرى وراء هذا الانتععاش, منها حكومات هذه الدول, التي كانت رد فعلها على ازمة 1997 ـ 99 منطقيا وليس لارضاء الشعوب. كانت النبرة السائدة من البرازيل الى بانكوك هي تنظيم ضوابط الاقتصاد الكلي وإعادة الهيكلة والاصلاح وتم توجيه الجزء الاكبر من هذه الاصلاحات الى مشكلتين رئيسيتين في الاقتصادات الصاعدة. اولا اسعار العملة المرتبطة بعناصر محددة غير واقعية. فقد ثبت ان اسعار العملات كانت مثبتة عند مستويات لا يمكن استمرارها. وثانيا: اصلاح الانظمة المالية غير السوية في الاقتصادات الصاعدة. فكانت الشركات والبنوك قادرة على الاقتراض بشكل غير محسوب دون الالتفات الى العيوب في اسعار العملات او نضوج هياكل ميزانياتها الختامية. وزادت المحسوبية وخلف الاشراف من الامر سوءا. فلم تكن اي من هذه الدول تضع ضوابط كافية على الاقتراض او تضمن وجود السيولة الكافية لمواجهة اي اضطرابات بين المستثمرين. ولم يكن يوجد اهتمام كبير في الاقتصادات الصاعدة بضوابط رأس المال. وكانت ماليزيا أولى الدول بين الاقتصادات الصاعدة التي طبقت هذه الضوابط على خروج رأس المال, ثم تم رفعها تدريجيا. والمثير للدهشة انه برغم انتشار الحديث عن ضبط تدفقات القروض قصيرة الأجل لم تكن هناك اجراءات كافية لتحقيق ذلك. فقد ازالت شيلي كل القيود على القروض قصيرة الأجل عام 1998. ربما كان السبب في ذلك ان هذه القروض لم ترتفع الى مستويات الخطر, أو ربما لان الاقتصادات الصاعدة كانت تركز على تعزيز الانظمة المالية لديها. الاصلاح وإعادة البناء كانت اكبر المشكلات توجد في الاقتصادات الصاعدة الآسيوية وقد حققت نمواً كبيراً على الورق, واصدرت تشريعات ولوائح جديدة تتراوح بين اجراءات اعلان الافلاس الاكثر فاعلية الى تحسين الاشراف المصرفي. واغلقت الحكومات اكثر المؤسسات تعثراً وافلاساً واغرقت الأموال من اجل انعاش البنوك المتعثرة وأنشأت شركات لادارة الأصول من اجل التخلص من الديون المعدومة. وتم الاسراع بإجراءات اعلان الافلاس من اجل اعادةهيكلة الشركات. كانت اكثر الدول نجاحا في ذلك كوريا الجنوبية, التي بذلت جهودا كبيرة لتعزيز تنويع نظامها المالي. ثم إعادة الاستثمار في البنوك وبيع القروض المعدومة واعيدت هيكلتها. وتم تخفيض قروض الشركات الكبيرة برغم النمو الاكبر نسبيا. برغم كل هذه الاصلاحات, لا يزال هناك كثير من الاجراءات لابد من اتخاذها, حتى في كوريا الجنوبية, لأن اصلاح الشركات وإعادة هيكلتها لايزال في مراحله الأولى, برغم إعادة هيكلة شركة دايوو, أكبر مقترض في البلاد. ومن ناحية اخرى, لاتزال الاصلاحات في بدايتها في اندونسيا التي يوجد بها نسبة ديون معدومة تصل الى 60% من اجمالي القروض. والنظام المصرفي ضعيف جداً ولم تبدأ بعد إعادة هيكلة الشركات. هذا التحسن البطىء ينطوي على مخاطر. وقد حدث الانتعاش الاقتصادي برغم الانخفاض في القروض المصرفية. وساهم تدفق النقد عن طريق اسواق الاسهم والسندات تمويل النمو, حتى مع ان البنوك غارقة في الديون المعدومة. لكن الخطورة في أن الانتعاش الاقتصادي السريع سوف يؤدي الى التقاعس عن الاصلاحات. فإذا ظل النظام المالي ضعيفا, سوف تظل المنطقة عرضة للخطر. وقد جنت امريكا اللاتينية ثمار تقوية وتعزيز النظام المالي واصبح لدى الارجنتين الان احد اكثر الانظمة المصرفية امانا بين الاقتصادات الصاعدة, بعد ان تأثرت بشدة بأزمة عام 1995 التي اطلق عليها (أزمة تأكيلا) . وانتشرت في الارجنتين الملكية الاجنبية وارتفعت مستويات السيولة النقدية ورأس المال. واحد الاسباب الذي جعل البرازيل تنجح في التخلص من اثار الازمة هو ان مصارفها كانت بحالة جيدة نسبيا. لكن دول امريكا اللاتينية لاتزال تبذل جهودا لتعزيز انظمتها المالية. وتعد البرازيل لخصخصة تسعة من 16 مصرفاً مملوكة للدولة. وتحاول المكسيك تنظيم قطاع المصارف, حيث كانت اكثر الدول تأخراً في اصلاح النظام المالي. وقد أثار قانون صدر بها موخراً بإطلاق الملكية الاجنبية الى موجة من الاندماجات. كما ركزت دول امريكا اللاتينية على الاستقرار المالي وادارة الديون. وفي ظل انخفاض معدل الادخار في هذه الدول, تعتمد بشكل كبير على التمويل الخارجي. لكن الحكومات من المكسيك الى الارجنتين تعيد هيكلة ديونها لاطالة فترة الاستحقاق حتى لا تضطر الى الدفع بشكل فجائي وبكميات كبيرة. كما اجريت ايضا اصلاحات مالية. وحققت البرازيل تقدما في الاصلاحات التي وعدت بها طويلا في نظام المعاشات. وادخلت المكسيك قواعد صارمة على استخدام عائدات البترول. واصدرت كل من البرازيل وبيرو والارجنتين قوانين المسئولية المالية التي تضع قيودا على عجز الميزانيات. الا انه لا يزال هناك حاجة الى الكثير من اجل تجنب الوقوع في ازمات مستقبلية. الاستثمارات الأجنبية يتوقع صندوق النقد الدولي ان تتضاعف تدفقات الاستثمارات الاجنبية على الاقتصادات الصاعدة الى 42 مليار دولار وقدر أن هذه الاقتصادات اصدرت سندات جديدة بقيمة 25 مليار دولار خلال الربع الأول من العام الجاري, مقابل 57 مليار خلال العام الماضي بكامله. لكن هناك اشارات على ان المستثمرين تعلموا الدرس, فرغم انهم يريدون شراء السندات الصادرة من الاسواق الصاعدة الا انهم يعرفون ايضا ان هناك بعض المخاطر تكتنف هذه السندات مقارنة بالسندات في الدول المتقدمة. انخفض الفارق في اسعار الفائدة بين سندات الاسواق الصاعدة وسندات الحكومة الامريكية من ثلاث سنوات الى 4%, لكن الفارق الآن يصل الى 9%. لكن السؤال هو هل لايزال المستثمرون يفكرون بنفس الطريقة؟ الحذر السائد الآن بين المستثمرين يعكس التجربة المريرة لما حدث في روسيا عام 1998. فقد تفاوضت اوكرانيا وباكستان ورومانيا على تغير شروط سنداتها, واخفقت الا يكوادور في الوفاء بالتزاماتها في السندات. لكن هذه الممارسات لم تسبب اغلاق اسواق السندات في الاقتصادات الصاعدة كما قال بعض المستثمرين, لكنها زادت من درجة المخاطرت وخفضت من فرص التدفقات الرأسمالية. واذا كان السبب الرئيسي في الازمة المالية يرجع الى اخطاء من الاقتصادات الصاعدة, فإن الامر قد تحسن الآن. وتحاول هذه الاقتصادات ان تخفض من درجة تعرضا للخطر رغم انها في حاجة الى بذل مزيد من الجهود. كما ان النظام المالي العالمي افضل مما كان عليه عندما كان هناك ضعفا فيه. وهكذا هناك علامات تحسن برغم ان المستثمرين اكثر حذرا. واذا كان الاقراض بلا ضوابط هو السبب الرئيسي في الازمة فهذا يشير الى ان النظام المالي الدولي قد اصبح اكثر امانا على الاقل لفترة ما. غير ان اقل تقدم تم احرازه هو في مجال ايجاد سبل جديدة لمعالجة الذعر المالي وبما ان الذعر المالي في طريقه الى الانحسار, فهذا مؤشر على ان دورة الطفرة في الاقتصادات الصاعدة لاتزال تخبىء الكثير من التقدم والتحسن. وهنا ينبغي على اصحاب القرار في النظام المالي العالمي ان يبذلوا جهودهم.