بقلم: د. نقولا سركيس الضغوط التي مارسها مؤخرا كبار مستهلكي النفط, وتحديدا الولايات المتحدة, على الدول المصدرة من أجل زيادة الإنتاج اليومي وخفض الأسعار تاليا, أوضحت بشكل جلي حقيقة الحسابات التي يتبناها هؤلاء في تعاملهم مع ملف النفط, حيث أمكن بسهولة متابعة محاولة الإدارة الامريكية استخدام النفط كورقة رابحة في لعبة الانتخابات الرئاسية. ومع إقرار نقولا سركيس بما سبق, إلا أنه يحذر من أن المستقبل المنظور يحمل معه مشكلة إنتاج حقيقية, يحتاج العالم لمواجهتها إلى إضافة طاقة إنتاجية جديدة سنويا. عندما حذر الرئيس الامريكي بيل كلينتون الدول المصدرة للنفط بقوله إن أسعار النفط العالية ليست في مصلحة هذه الدول على المدى البعيد, مضيفا أنه يريد أن يرى انخفاضا أكثر في الأسعار, لم يحدد بالضبط مستوى الأسعار الذي يراه مناسبا, ولم يبين أيضا المعايير التي يجب أن تحدد مستويات أسعار النفط. وفي ضوء الحملة الانتخابية الرئاسية الجارية الآن في الولايات المتحدة الامريكية, وفي ضوء حالة عدم الرضا التي أحدثتها زيادة أسعار النفط في بعض الولايات الامريكية, أصبح من المفهوم أن الرئيس الامريكي يحاول أن يكسب ود الرأي العام في بلده. ومن الطبيعي أيضا أن يرسل كلينتون وزير طاقته بيل ريتشاردسون إلى الدول المصدرة للنفط, من أجل عقد (مشاورات) حول هذه القضية. إلا أن الأمر (الأقل) طبيعية هو أن هذه (المشاورات) ـ كما أطلق عليها ـ يمكن أن تتحول إلى ضغوط, وأن يظهر قدر من التضارب في الآراء بخصوص القضايا محور الاهتمام في ما يتعلق بالانتخابات الرئاسية الامريكية من جهة, والمصالح القومية للدول المنتجة وحقائق ووقائع الأمور داخل سوق النفط العالمية من جهة أخرى. والملاحظة نفسها يمكن أن تثار بشأن التصريحات التي أدلى بها المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية روبرت بردل, الذي أشار إلى أن الدول المستهلكة تحتاج إلى كمية أكبر من النفط وتحتاجها في وقت قريب. فماذا سيكون رد فعل وكالة الطاقة الدولية إذا أخبرتها دول الأوبك ـ على سبيل المثال ـ أن الدول الأعضاء في المنظمة عليها رفع أو خفض مستويات احتياطات النفط بها, أو أن عليها رفع أو خفض معدلات الضرائب على منتجات النفط؟ بجانب هذا حذر الرئيس كلينتون من أن الولايات المتحدة يمكنها اللجوء إلى احتياطاتها الاستراتيجية من النفط بهدف خفض الأسعار. فإذا كان مثل هذا الأمر حقيقيا أو ضروريا بالفعل فلماذا لم تقدم عليه الولايات المتحدة؟! ولعل مثل هذا السؤال يكون مناسبا وفي محله في ضوء الإحصاءات التي أوردها معهد النفط الامريكي, والتي أوضحت أن احتياطات النفط في الولايات المتحدة زادت أثناء الأسبوع الأول من مارس. وحقيقة الأمر هي أن الجدال الدائر بشأن أسعار النفط يبدو وكأنه حوار طرشان, فالبعض يأخذون في الصياح والشكوى من أن الأسعار ارتفعت إلى حد لا يمكن السكوت عليه, وأنها وصلت إلى أعلى مستوى منذ أزمة حرب الخليج في العام 1990 ـ ,1991 بينما يجيب عليهم آخرون بقولهم إن هذه الزيادة تعوض الانخفاض الرهيب الذي حدث للأسعار في العام ,1998 وأن أسعار النفط اليوم لم تصل إلا إلى ثلث المستوى الذي كانت عليه في أوائل الثمانينات. وبصرف النظر عن فائدة أو جدوى هذه المقارنات, فإنه ليس هناك معنى في التأكيد على أن أسعار النفط في وقت ما كانت عالية أو منخفضة للغاية. فمن أجل أن تكون أية مقارنة في هذا الصدد ذات فائدة, يجب الإيفاء بشرطين أساسيين: الأول هو أن هذه المقارنة يجب أن تكون بشأن فترة طويلة يمكن القياس عليها, فواقع الأمر هو أن متوسط سعر سلة أوبك خلال الاثني عشر شهرا الماضية كان 60.19 دولارا امريكيا للبرميل, وهو الأمر الذي يشبه المستوى الذي وصل إليه سعر السلة في العام 1996 والذي كان 29.20 دولارا امريكيا للبرميل, وأيضا سعر العام 1997 الذي كان 68.18 دولارا امريكيا للبرميل, وهي السنوات التي سبقت تدهور أسعار السوق في العام 1998. والشرط الثاني هو أنه يجب أن يكون هناك تمييز بين المحاورات السياسية حول الأسعار, ومستلزمات الاستثمار الرأسمالي لصناعة النفط. ففي ما يتعلق بالمحاورات السياسية, فالولايات المتحدة الامريكية ووكالة الطاقة الدولية يدافعان عن المصالح الخاصة بالدول المستهلكة على المستوى القصير, عندما يدعوان إلى زيادة في الإنتاج وخفض للأسعار. والعكس صحيح بالنسبة للدول المصدرة, التي لديها حق في مخاوفها من حدوث سقوط آخر للأسعار, والتي تقاوم بكل ما أوتيت من قوة الضغوطات التي تمارس عليها. وفي ما يتعلق بالمجريات المستقبلية في هذا الشأن, نجد أن معظم التوقعات الموثوق بها تشير إلى أن الاستهلاك العالمي من النفط سيزداد بمعدل سنوي قد يصل إلى 8.1% في السنوات المقبلة, وهو ما يعادل 5.1 مليون برميل يوميا كل سنة خلال السنوات الخمس المقبلة. وبعبارة أخرى, هناك حاجة ضرورية إلى إضافة طاقة إنتاجية جديدة كل عام تعادل الإنتاجية الحالية لدولة ليبيا, أو طاقة إضافية كل خمس سنوات تعادل الإنتاجية الحالية للمملكة العربية السعودية. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن هناك خمس دول شرق أوسطية هي: السعودية, الكويت, الإمارات العربية المتحدة, إيران, والعراق, عليها أن تقوم بأكثر من مضاعفة إنتاجها ليصل مجموعه إلى 5.42 مليون برميل يوميا بقدوم العام 2010. وذلك من أجل أن يكون باستطاعتها الوفاء باحتياجات العالم من النفط الخام ومكثفات النفط, والتي يتوقع لها أن تبلغ 8.94 مليون برميل يوميا في غضون 10 سنوات. ولم تهتم أية جهة, وبالأحرى لم تتشجع أية جهة, بإيضاح أو تخمين المستوى الذي يمكن أن تصل إليه الأسعار في ضوء هذه الزيادة المتوقعة. وفي ما يتعلق بالمستقبل المنظور, وهو الفترة ما بين هذا العام والعام ,2002 يتوقع أن يرتفع الطلب العالمي بمعدل يصل إلى 4.4 ملايين برميل يوميا, وهو ما يعادل 1.6% مقارنة بالعام ,1995 بينما يتوقع أن يزداد الإنتاج العالمي بما لا يتعدى 4.4% طبقا لأكثر التوقعات تفاؤلا, وبما لا يتعدى 2% طبقا لهؤلاء ذوي التوقعات المنخفضة. وحتى طبقا لأكثر التوقعات تفاؤلا فإن هذا يعني أنه في ضوء المستوى الحالي للأسعار وعمليات الإنفاق الخاصة بالاكتشافات وتنمية حقول النفط, فإننا على وشك الاقتراب من خطورة حدوث هبوط سريع في طاقة الإنتاج الاحتياطية وحدوث توتر شديد في الأسعار. وفي ضوء هذه المعطيات والحقائق يجب على المرء أن يقيم المصالح الخاصة بالدول المصدرة على المستوى البعيد, والتي أشار إليها الرئيس كلينتون في تحذيره المشار إليه سابقا وأيضا تقييم مصالح الدول المستوردة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن النمو المطرد في الطلب العالمي على النفط ومستوى الإنفاق غير الكافي في ما يتعلق بعمليات الاكتشاف وتطوير الحقول النفطية, يؤدي إلى حقيقة أنه أصبح من غير المناسب القول إن أي هبوط في الأسعار سوف يؤدي إلى تشجيع تطوير مناطق إنتاجية جديدة تنافس نفط الأوبك. وبالتالي فإن المشكلة المستقبلية الحقيقية التي تقابلنا في هذا الشأن تتعلق بالحاجة إلى تطوير الطاقة الإنتاجية في جميع أرجاء العالم, من أجل مواجهة الزيادة الكبيرة في الطلب الذي ستسفر عنه الأعوام المقبلة. رئيس المركز العربي للدراسات البترولية بباريس