تزداد مع الوقت الدلالات والظروف المحيطة التي تنادي بأهمية التركيز أكثر على القطاع الصناعي في دول الخليج, والتي تطالب بتحقيق تطورات كبيرة ومتسارعة فيه ليساند قطاع النفط الذي يعتبر استمرار الاعتماد عليه كمورد وحيد للدخل مشكلة كبيرة وخطرا يتهدد الوجود الاقتصادي لأية من دول المنطقة مستقبلا. ولكن لماذا القطاع الصناعي تحديدا؟ الإجابة تطرحها المفردات الاقتصادية الجديدة على مستوى العالم, وكذلك القوانين والتشريعات التي على دول العالم القبول بها والتعامل معها, لأنه إن لم تفعل ذلك فسوف تكون خارج الرتل العالمي الذي تشكله كتل ومجموعات قوية لا مكان فيها للضعيف والمبتدئ. وقد وعت دول الخليج هذه الحقيقة وقامت بتكثيف اهتمامها ودعمها لهذا التوجه الذي سيحدد مكانها بين هذه التكتلات, وذلك عن طريق السياسات والدراسات التي تناولت سبل تطوير الصناعة بفروعها وتحسين الاستثمار الصناعي فيها وبينها. قطعت دول مجلس التعاون الخليجي شوطا متقدما على طريق تحقيق الهدف الجماعي المتمثل بالخروج من دائرة الاعتماد على النفط كمورد وحيد للدخل, حيث بدأت الصناعة تسهم, وبوتائر متنامية, في الناتج المحلي الإجمالي. ومع التسليم بحقيقة أن قطاع النفط لايزال المساهم الأكبر في الناتج المحلي الإجمالي لدول المجلس, إلا أن الصناعة التحويلية استطاعت تسجيل تقدم ملحوظ خلال السنوات الأخيرة, الأمر الذي يتجسد في زيادة ناتج الصناعة التحويلية في دول المجلس من 35.13 مليار دولار أمريكي العام 1988 إلى 52.25 مليارا العام ,1997 وارتفاع نصيب هذه الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من 10% خلال الفترة نفسها, في حين بلغ معدل النمو السنوي المركب لها 11%. وتشير مصادر منظمة الخليج للاستشارات الصناعية إلى أن حجم الاستثمارات في القطاع الصناعي الخليجي خلال السنوات العشر المنتهية في العام 1998 زادت بنسبة 180% ليصل إلى 80 مليار دولار, وارتفع عدد المصانع المنتجة في دول المجلس من 4692 مصنعا العام 1988 إلى 7359 مصنعا ومنشأة صناعية العام 1998. وأكدت المصادر أن هذه المعطيات جاءت كنتيجة لتبني دول المجلس مجموعة من السياسات والإجراءات التي تهدف إلى تطوير وتفعيل قطاع الصناعة, مع تشجيع القطاع الخاص على المشاركة بدرجة أكبر في التنمية الصناعية من خلال مده بالأفكار الاستثمارية المدروسة ضمن توجه تدعمه العديد من المقتضيات والمؤشرات, من أبرزها تراجع دور الدولة كمستثمر صناعي في انخفاض المداخيل الحكومية وضغوط المنافسة العالمية التي تتطلب الصناعات القادرة على الصمود في الأسواق المفتوحة, والتدفقات الاستثمارية الأجنبية المباشرة التي تندفع باتجاه البيئة الجاذبة للاستثمارات الأجنبية. وتوضح المنظمة أن هناك جملة من الإجراءات المتخذة في هذا الصدد والتي تشكل حوافز مهمة للمستثمرين في القطاع الصناعي في دول مجلس التعاون الخليجي, وتشمل الآتي: ـ تهيئة البنى التحتية اللازمة لإقامة الصناعات الأساسية المستخدمة للموارد الطبيعية المتوفرة في المنطقة, مما يجعل المجال معدا لاستكمال السلاسل الإنتاجية, والانطلاق منها إلى الصناعات الوسيطة والنهائية. ـ إنشاء المناطق الصناعية بما تقدمه من تسهيلات للمستثمرين الصناعيين المحليين والأجانب. ـ توفير القروض الميسرة والإعفاءات الضريبية, وإعطاء الأولوية للمنتجات الوطنية في المشتريات الحكومية, وتقديم المساعدة الفنية في مرحلة ما قبل الاستثمار, بما فيها تمويل دراسات الجدوى. ـ قيام المؤسسات المحلية والإقليمية ذات العلاقة بالتنمية الصناعية بإعداد دراسات فرص الاستثمار الصناعي وتوفيرها للقطاع الخاص بشكل مجاني, ومن هذه المؤسسات بنوك التنمية الصناعية في دول المجلس, ومنظمة الخليج للاستشارات الصناعية. لقد ظل التعرف على الفرص الاستثمارية ذات الجدوى الاقتصادية والقادرة على الإسهام بفعالية في رفع الناتج المحلي الإجمالي يشكل هاجسا للمهتمين بإحداث تحولات هيكلية في بنية الاقتصاد الخليجي تساعد على تنويع مصادر الدخل, وتقلل من الاعتماد على عوائد النفط المتذبذبة. وانطلاقا من تلك الأهداف عمدت منظمة الخليج للاستشارات الصناعية العام 1987 إلى طرح برنامج دراسات فرص الاستثمار الصناعي الذي يمثل أحد أبرز مخرجات المنظمة, وتتولى بموجبه تشخيص دراسة فرص استثمارية لمشروعات صناعية جديدة وذات جدوى اقتصادية في القطاعات الصناعية المختلفة, ويتم الترويج لها في ندوات تعقد دوريا في إحدى دول المجلس, وتقدم خلال كل منها عددا من الفرص المنتقاة بحضور عدد كبير من الصناعيين ورجال الأعمال وممثلي المؤسسات ذات الصلة بالتنمية الصناعية. وحتى نهاية العام 1999 عملت المنظمة على عقد 20 ندوة قدمت فيها 260 فرصة استثمارية صناعية جديدة, وصل حجم الاستثمارات فيها إلى 8781.5 مليارات دولار أمريكي, وتنفيذها كفيل بتوفير أكثر من 14377 فرصة عمل جديدة. وتبين من خلال المتابعة أنه تم ترخيص 89 مشروعا من تلك المشروعات ووجد 51 مشروعا منها طريقه للتنفيذ. وتشير المنظمة إلى أن عملية اختيار المشروعات تخضع عادة لمعايير وشروط محددة أبرزها أن تسهم المشروعات المنتقاة في تحقيق التكامل الإنتاجي والتشابك بين القطاعات الصناعية, وأن تأتي ملبية لحاجات السوق المحلية, وأن تكون صناعات تصديرية تستفيد من الميزات التنافسية التي تتمتع بها دول المنطقة, وأن تكون مجدية من الناحية الاقتصادية, وأن تتوفر التقنيات الحديثة المتطورة والملائمة لإقامتها بحيث تتم المفاضلة بين التقنيات, وذلك لاختيار التقنية المناسبة للمشروعات المقدمة وفقا لعدد من المعايير والأسس, أهمها أن تكون تقنيات متطورة وتعتمد على أساليب وطرق إنتاج حديثة, وأن تكون مطبقة ومجربة صناعيا, وأن تراعي متطلبات الحفاظ على البيئة, وتناسب احتياجات ومتطلبات الصناعة الخليجية وتعتمد على المواد الخام ومدخلات الإنتاج المتوفرة في المنطقة, إضافة إلى ذلك يتوجب أن يكون لدى مالكيها الاستعداد لنقل التقنية وتدريب الكوادر الفنية اللازمة لتشغيلها, والرغبة في إقامة مشروعات مشتركة مع المستثمرين الخليجيين, بجانب ألا تكون كثيفة العمالة, وإنما تعتمد على العمالة الماهرة. وتؤكد المنظمة أنه لا بديل أمام دول مجلس التعاون سوى الاستمرار في الجهود الرامية لتنويع مصادر الدخل القومي من خلال دعم القطاعات غير النفطية, خاصة القطاع الصناعي. كما أن التقليل من الاعتماد على النفط يتطلب التوسع السريع في الاستثمار الصناعي, ومن هنا فإن تشجيع مبادرات القطاع الخاص يشكل إحدى أهم ركائز السياسة التنموية المستقبلية في المنطقة. من هنا جاءت توصيات اجتماع المديرين التنفيذيين للمناطق الصناعية لدول مجلس التعاون الخليجي الذي عقد في مسقط مؤخرا في هذا الاتجاه, وقد شهد الاجتماع طرح العديد من الأفكار الجديدة والمهمة لتفعيل دور المناطق الصناعية والتأكيد على أهمية تطوير الخدمات المقدمة للقطاع الخاص وزيادة العلاقات بين المناطق الصناعية من خلال تبادل المعلومات والخبرات والمنشورات, والتنسيق في ما بينها وبين الجامعات ومراكز البحوث الصناعية, والاستفادة من التجربة الكويتية من خلال إعطاء القطاع الخاص دوره في تنمية المناطق الصناعية والبنى الأساسية المساعدة لها, ومناقشة هذه التجربة من قبل إدارات المناطق الصناعية الخليجية, خاصة وأن المناطق الصناعية القائمة في دول المنطقة تدار إما من قبل البلديات الاقليمية أو من قبل وزارات الصناعة, في الوقت الذي تحتاج هذه المناطق إلى تعزيز الجهود لمواكبة التغيرات العالمية حتى تستطيع المنافسة وتقدم الخدمات الراقية والمتميزة للمستثمرين وكذلك للمستهلكين. وتشير نتائج بحث أعده الدكتور منار علي محسن مصطفى, المدرس بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة وخبير اقتصادي سابق بمنظمة الخليج للاستشارات الصناعية, إلى أن نظام الحوافز الخليجي للصناعة التحويلية قد اتسم بالعمومية وعدم التوحيد بين دول المجلس, موضحا أنه أمكن تصنيف الحوافز التي تمنحها دول المجلس وفقا لقواعد منظمة التجارة العالمية إلى ثلاث مجموعات هي: (مجموعة حوافز ممنوعة, ومجموعة حوافز مسموح بها, ومجموعة حوافز مسموح بها ولكن مسوغة باتخاذ إجراءات تعويضية) . وطالب الباحث بضرورة إعادة النظر في نظام الحوافز المطبق حاليا في دول المجلس, وتبني نظام حوافز جديد أكثر فاعلية يحترم المهلة المقررة من منظمة التجارة العالمية, ويوصي بأن يكون مثل هذا النظام اشتراطيا, ومتنوعا, ومتدرجا وانتقائيا. ويؤكد الباحث أنه من الطبيعي أن يحد انضمام دول المجلس لمنظمة التجارة العالمية من حرية هذه الدول في استخدام جميع أنواع الحوافز لقطاعها الصناعي وتضع عليها قيودا وتحدد لها المهلة لإلغاء بعض منها. فوفقا للمنظمة العالمية فإن دول المجلس لا تتمتع بالحق في منح بعض أنواع الدعم ـ على الرغم من كونها دولا نامية ـ حيث لا يقل متوسط دخل الفرد السنوي عن ألف دولار, ولكنها في الوقت نفسه تتمتع بمهلة لإلغاء الدعم على صادراتها تصل إلى 8 سنوات, والدعم الخاص بتفضيل السلع المحلية على المستوردة في غضون 5 سنوات, ولها الحق في تطبيق الحماية على منتجاتها الصناعية في حدود المهلة المقررة لها والتي تصل إلى 10 سنوات من بدء تطبيقها.