مع مرور كل يوم يتعزز مفهوم الادخار ويكسب مساحات إضافية, مما يستوجب معه على الإنسان أن يتحوط ويستعد للمستقبل بما قد يخبئه من تطورات ومفاجآت ومتطلبات تستوجب وجود إمكانات مادية فورية لتغطيتها. ولكي يواجه الإنسان هذه المستجدات والطوارىء, ولكي يستطيع اقتناء الأشياء التي يرغب في امتلاكها, يتعين عليه أن يدرك القيمة الحقيقية للأموال التي تعتبر الأداة الوحيدة لامتلاك الأشياء ومواجهة الصعوبات التي قد يتعرض لها في أي موقف وأية لحظة من اللحظات. ولكن ربما تختلف المقدرة على التوفير والادخار من حالة إلى أخرى ومن شخص إلى آخر, وذلك حسب التعود أولا وحسب القدرة على اتخاذ سياسات جديدة لتخفيض الإنفاق, وفي كل الحالات توجد أساليب لتحقيق هذا الهدف عبر نقاط واضحة نستعرضها في السطور المقبلة. لابد للإنسان ـ كي يبدأ برنامج توفير طويل الأمد ـ من أن يحدد أولا وقبل كل شيء المبلغ الذي يستطيع توفيره كل شهر, وأن يلتزم التزاما صارما ببرنامج الادخار. ومن جهة أخرى لابد من تحديد قنوات الادخار أو المجالات التي يمكن استثمار المدخرات فيها, بحيث يتم توجيه الأموال نحوها بشكل منتظم ومتواصل. وهناك العديد من قنوات الادخار مثل الودائع البنكية وحسابات التوفير والأسهم والسندات, وبعض هذه القنوات ـ مثل الودائع وحسابات التوفير ـ تتيح لأصحابها فرصة الحصول على فوائد. والفوائد هي ذلك الجزء من المبلغ المودع الذي يتم إيداعه في حساب التوفير أو الوديعة بعد انقضاء أجل معلوم ومتفق عليه, ويمكن أن تتخذ هذه الفوائد شكل الأرباح السنوية التي يتم توزيعها على حملة الأسهم في الشركات والمؤسسات التجارية والمالية. وتشكل الفوائد أحد أهم عناصر توفير الأموال, لأنه يتم دفعها مقابل إيداع مبالغ معينة يتم إيداعها مقابل الحصول على فوائد. وعندما تقرر العائلة نوعية قناة الادخار أو مجال الاستثمار, يتوجب عليها النظر في الجوانب التالية: ـ المخاطرة: وهي التي يحتمل أن يتعرض لها المبلغ الذي يتقرر ادخاره والتي تؤدي إلى فقدانه أو إلى هبوط قيمته في المستقبل. ـ العوائد: وهي المبالغ التي يتم الحصول عليها نتيجة لادخار مبلغ معين في قناة ما أو استثمار المبلغ في أحد المجالات. ـ السيولة: أي سرعة سحب مبالغ نقدية من قناة الادخار أو مجال الاستثمار. ـ الفترة الزمنية: أي عدد السنوات أو الأشهر التي يجب أن تستمر خلالها عملية الادخار أو الاستثمار. وبعد أن يتم تحديد قناة أو أكثر أو مجال استثماري أو أكثر, يتعين إجراء موازنة بتقليل المخاطر وزيادة العوائد المالية والتأكد من إمكانية الحصول على مبالغ نقدية في أي وقت من الأوقات. ومن أجل تسهيل الحياة وتعزيز النزوع نحو الادخار طور علماء الاقتصاد العديد من النظريات الخاصة بإدارة المال وخصصوا قسما خاصا للتدبير المنزلي استعرضوا فيه أسس إعداد الميزانيات ووضع جداول أو برامج للمصروفات الاستهلاكية وأسس ومبادىء الادخار والاستثمار. وبما أن الاعتقاد الشائع حول المال هو أنه أداة تمكن الإنسان من الحصول على المقتنيات والأشياء التي يرغب في امتلاكها, فإن المال يفترض أن يذهب لتوفير هذه الأشياء, على الرغم من الصعوبات الجمة التي تكتنف عملية الحصول عليه. يحدث هذا على الرغم من العديد من الحكم والأقوال المأثورة التي تحض على توفير المال وعدم الإسراف في الإنفاق الاستهلاكي وذلك تحسبا لما هو غير متوقع من أحداث ومستجدات أو تحوطا لتمويل بعض المشروعات المستقبلية مثل شراء منزل أو سيارة أو تمويل دراسة الأبناء. وقد يقول البعض إن هناك صعوبة كبيرة في ادخار الأموال في هذا العصر الذي تتعدد فيه مجالات الإنفاق والصرف الاستهلاكي التي تستنزف كل ما في جيوب البشر, إضافة إلى الاحتياجات المتزايدة للأطفال الذين ينتقلون من مرحلة سنية إلى أخرى. إن الادخار يشبه عملية إنقاص الوزن التي يرغب ذوو الأوزان الزائدة في اتباعها, إلا أنهم لا يجتهدون في اتخاذ اجراءات يمكن أن تقلل من أوزانهم. إن أول خطوة نحو الادخار أو الاستثمار هي ضرورة الاقتناع به واتخاذ قرار لا رجعة فيه بوضع مبلغ بسيط من الدخل الشهري جانبا, حتى ولو كان ذلك المبلغ لا يتعدى 5% من الدخل, والإيمان التام بأن هذه المبالغ البسيطة سوف تتراكم بمرور الزمن حتى يجد الإنسان أن أوضاعه المالية قد تحسنت وأنه أصبح الآن في استطاعته التأقلم مع المصروفات الطارئة, وما أكثرها. وقد يجد البعض صعوبة في استقطاع هذا المبلغ البسيط من الدخل الشهري أو المصروفات الشهرية, إلا أن هناك العديد من الأساليب التي يمكن أن تساعد في تجاوز هذه الصعوبة ولكنها تستوجب الالتزام التام بها, فعلى سبيل المثال يمكن للعائلة اتباع الأساليب التالية: * تقليل عدد زيارات العائلة للمطاعم: فمثلا إذا اعتادت العائلة تناول وجبة العشاء يوم الجمعة من كل أسبوع بأحد المطاعم, يمكن أن تقرر تناول هذه الوجبة مرة واحدة في الشهر, وبذلك توفر ثمن ثلاث وجبات كل شهر, أي ست وثلاثين وجبة كل عام. فإذا كانت الوجبة الواحدة تكلف مئة وخمسين درهما, فإن العائلة ستوفر بهذه الطريقة مبلغا جيدا من المال كل عام يمكن أن توظفه في مجال آخر. * اختيار يوم من أيام الأسبوع للبقاء في المنزل وعدم مغادرته بهدف توفير ثمن وقود السيارة وتقليص الاستجابة للمغريات التي تحتشد بها مراكز التسوق والمطاعم, مثل المشروبات الغازية وألعاب التسلية والترفيه والوجبات السريعة والملابس. وإضافة إلى ذلك يمكن الاستفادة من الوقت بالقيام ببعض الواجبات المنزلية مثل أعمال النظافة أو صيانة الأجهزة الكهربائية والأثاث. وفوق كل هذا وذاك التقاء جميع أفراد العائلة, الأمر الذي يقوي ويعزز من علاقاتهم ببعضهم البعض ويتيح فرصة ممتازة لمناقشة المشكلات الصغيرة وإيجاد الحلول المناسبة لها. * التقدم بطلب للحصول على عضوية بإحدى المكتبات العامة أو المراكز الثقافية وذلك تقليلا للإنفاق في شراء الكتب والمجلات وأشرطة الفيديو. وبطبيعة الحال هناك بعض الأساليب الأخرى التي يمكن لأفراد العائلة استنباطها, إلا أن هذه الأساليب سوف لن تحدث ثورة في الموقف المالي للعائلة, إلا أن اتباعها سيؤدي من دون أدنى شك إلى توفير بعض الأموال التي يمكن أن تتراكم وتتكاثر حتى تشكل رصيدا ماليا جيدا يمكن الاستفاد منه في مجالات أخرى. وإضافة إلى ذلك لابد من وضع برامج وأهداف واضحة للادخار, مثل شراء منزل أو السفر في إجازة. وسيكون لمثل هذه البرامج والأهداف أثر كبير في تعزيز نزعة الادخار وستتحول إلى حافز لاستكشاف مجالات أخرى يمكن للعائلة أن تحقق فيها وفورات كبيرة. إلا أن كل هذه الجهود قد تصطدم ببعض الصعوبات التي يثيرها بعض أفراد العائلة, نظرا لاختلاف احتياجاتهم وعدم تطابق رغباتهم وميولهم. كما أن موضوع اقناع بعضهم بضرورة ادخار بعض المبالغ قد يكون مهمة صعبة للغاية إن لم تكن مستحيلة تماما, ففي الوقت الذي نجد الآباء مثلا يخططون لتوفير جزء ولو طفيف من دخولهم, فإننا نجد الأمهات والأطفال ينزعون نحو الصرف والإنفاق الاستهلاكي وتملك مقتنيات تصنف في خانة الكماليات التي لا داعي لها, مثل العطور الغالية والملابس الثمينة وغيرها من المقتنيات التي قد (تخرب بيت العائلة) . ويعتبر الأطفال, خاصة صغار السن, من أشد أعداء برامج وخطط الادخار, بل إنهم يشكلون أكبر التحديات, ولابد من وضع سياسات خاصة للغاية لإقناعهم بجدوى الادخار والاستثمار. وهنا أيضا يتطوع بعض الخبراء بتقديم مجموعة من النصائح التي يمكن أن تحبب الادخار لهؤلاء الصغار, منها: ـ إطلاق حملات توعية داخل العائلة تركز على أهمية الادخار وعدم الإسراف في الإنفاق. ـ تحديد مبالغ معينة لإنفاقها كل أسبوع. ـ تقديم النموذج والقدوة للأطفال بإحجام الآباء والأمهات عن شراء كل ما يرغبون في الحصول عليه. ـ تعليم الأطفال أسس ومبادىء الاختيار, أيهما يحتاج أكثر حذاء أو بنطالا ولماذا؟ ـ إعداد الأمهات لبعض الأطباق المحببة للأطفال مثل البيتزا والحلويات الشامية داخل المنازل. وبما أن العائلات تستطيع الاستفادة من مدخراتها في تمويل العديد من الخطط, وعلى رأسها تسديد الديون بطبيعة الحال, إن لم يكن شراء سيارة جديدة بدلا عن تلك السيارة الجديدة أصلا, أو ترميم المنزل أو تمويل دراسة الأبناء, فلابد هنا أيضا من خطة للتخلص من الديون بتوظيف المدخرات كصندوق لتمويل تسديد الديون. ومن الأساليب التي تسهل عملية تسديد الديون على الرغم مما يصاحبها من صعوبات ومشكلات ما يلي: ـ عدم استدانة قروض جديدة قبل التخلص من القروض الحالية. ـ المتابعة اللصيقة لعملية تسديد الديون. ـ تحمل الشدائد التي قد تصاحب عملية تسديد الديون. ـ تغيير نمط الإنفاق الاستهلاكي. ـ رصد المصروفات لمدة لا تقل عن ثلاثين يوما, فقد تتعرف العائلة على بعض أوجه الانفاق التي لم تكن تدري بوجودها. ـ إقناع الأطفال بأن الهدف الأساسي من تسديد الديون هو محاولة تحسين الموقف المالي حتى يمكن الاستجابة لاحتياجاتهم المستقبلية, خاصة التعليم. ومع ذلك ستظل هناك بعض الهفوات التي يقع فيها أفراد العائلة, وقد يتم خرق الخطة أو نسفها لفترة زمنية قصيرة إلا أن العودة السريعة للالتزام بخطط الادخار والاستثمار قد تكون الحل الوحيد لتزايد وتكاثر الأموال التي تبدأ صغيرة ثم تتراكم وتتكاثر.