رغم الوعود الكثيرة التي قطعها صندوق النقد والبنك الدوليان في اجتماعاتهما السابقة بمحاربة الفقر ومساعدة الدول الفقيرة, إلا ان شيئا من ذلك لم يحدث منذ تأسيس هاتين المؤسستين الماليتين العالميتين بعد الحرب العالمية الثانية بهدف إعادة الاعمار والتنمية والتعاون التجاري والنقدي. لذلك لم يكن غريبا او مستغربا ان تواجه اجتماعات المؤسستين في واشنطن هذا الطوفان من المظاهرات التي نددت بالصندوق والبنك وبسياستهما واتهامهما بعدم العمل كما يجب لتخفيف ديون الدول الفقيرة مطالبين بزيادة الاهتمام بتحسين مستوى العمال وانتقدوا القروض المقدمة لقطاع الطاقة والشركات الكبرى. لقد انتهت معركة واشنطن دون ان ينجح المتظاهرون في وقف الاجتماعات لكن على الرغم من ذلك واستمرارا لنهج (الوعود) لم تخرج هذه الاجتماعات بقرارات ذات شأن. فقد تضمن البيان الختامي للجنة المشتركة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وعوداً أكثر منها قرارات محددة. غير ان المسئولين ابدوا ارتياحهم لانتهاء اجتماعاتهم نصف السنوية دون سفك دماء وإن كانوا شعروا بمرارة لأن المتظاهرين استهدفوهم من الاساس. ففي مؤتمر صحفي قال رئيس البنك الدولي جيمس ولفنسون ـ وقد بدت عليه الحيرة (نحن في حيرة, إننا فعلنا الكثير في السنوات الخمس الأخيرة لاحتضان المجتمع المدني في عملية اتخاذ القرار, لقد كان لهذه المظاهرات تأثير على الجميع. وقال جوردون براون وزير المالية البريطاني الذي ترأس اجتماعات اللجنة النقدية والمالية الدولية اعتقد ان رسالتنا لهؤلاء المتظاهرين ان الطريق المؤدي لتخفيف الفقر في مختلف ارجاء العالم هو الا ندير ظهورنا للاقتصاد العالمي او نتراجع عن التعاون الاقتصادي الدولي. وقال شيرمان كاتز من معهد الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن بالمقارنة مع (سياتل) مقر اجتماع منظمة التجرة العالمية, احرز الصندوق والبنك الدوليان نقطة والمتظاهرون نقطة. وقال (اعرف ان عددا كبيرا من الامريكيين الان ان المؤسسات الثلاث مسئولة عن تحقيق التنمية وتخفيف الفقر ولكنني لا اعتقد ان المتظاهرين نجحوا في عرض قضية قوية ومقنعة بأن ما يجرى في هذه المؤسسات ابعدما يكون عن المساعدة أو انه خطأ او ضار. ولكن جوزيف ستجليتز كبير الاقتصاديين السابق بالبنك الدولي قال ان المظاهرات قد تؤدي الى الاسراع في عملية التغيير الحالية في المؤسستين. لقد كشف وزراء مالية الدول الاعضاء في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي العام الماضي عن مبادرة لتخفيف عبء الديون على افقر الدول في العالم واشاد الكثيرون بهذه المبادرة واغدقوا كلمات الاطراء عليها. كانت تهدف هذه المبادرة التي اطلق عليها مبادرة اكثر الدول المدينة فقرا في العالم وكشف عنها خلال اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في الخريف الماضي الى منح الدول المستحقة قروضا سريعة للانقاذ والاغاثة من عبء الديون. لكن بعد انتهاء الاجتماعات وعودة وسائل الاعلام التي اشادت بالمبادرة الى حيث اتت لم تشمل هذه المبادرة الدول الفقيرة المستحقة بالسرعة التي كانت متوقعة وتم الاعلان عنها وظلت عقبات كثيرة في طريق تنفيذ المبادرة. حتى الآن لم تحصل الا اوغندا وبوليفيا وموريتانيا على تصنيف يؤهلها لتكون ضمن هذه الدول الفقيرة المستحقة لمساعدات المبادرة. كان من المقرر ان تفيد من هذه المبادرة في بادىء الامر احدى عشرة دولة قبل حلول اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين هذا العام او بما ان موزمبيق وتنزانيا على وشك الدخول في قائمة المبادرة, يبدو ان خمسة او ستة بلدان اخرى لا تزال خارج هذه المبادرة برغم الفقر المدقع الذي تعيشه. المال كالعادة يمثل مشكلة كبيرة. وكانت العقبة الرئيسية هي الافتقار الى التمويل لتنفيذ الجزء الاكبر من المبادرة المتمثل في صندوق ائتمان مبادرة الدول المدينة الاكثر فقرا في العالم. ويعني ذلك تمويل برنامج خفض الديون من بنوك اقليمية متعددة الجنسيات مثل بنك التنمية الأمريكي. فإذا لم تكن البنوك الاقليمية تستطيع ايجاد الموارد للتمويل من مواردها الخاصة ـ ويخضع ذلك لجدل كبير لان الحكومات التي تقترض من هذه البنوك لابد ان تدفع فوائد اعلى, فإن اوغندا المدينة لبنك التنمية الافريقي وبوليفيا المدينة لبنك التنمية الامريكي, لن تستطيعا الافادة من المبادرة. لقد بذلت حكومة كلينتون جهودا كبيرة لتأمين تمويل بموافقة الكونجرس للمساهمة في مبادرة الدول المدينة الافقر في العالم وحث وزير الخزانة الامريكي لورانس سومرز الكونجرس الامريكي على ايجاد موارد تمويل لصندوق المبادرة.. وقال اذا لم تلعب الولايات المتحدة دورها بكل صراحة في هذا الموضوع فإن قروض الاغاثة لكل من بوليفيا وجويانا وهندوراس ونيكاراجوا لن تتوفر أبدا. تجديد الجهود والدعوة وتم تجديد الدعوة خلال الفترة الاخيرة عندما اعلنت لجنة العلاقات الخارجية بالكونجرس الامريكي برئاسة الجمهوري جيسي هيلمز موافقتها على توفير 600 مليون دولار كمساهمة امريكية في برنامج قروض الاغاثة للدول الفقيرة المدينة, ولابد ان يوافق الكونجرس الأمريكي على ذلك قبل اي شيء حتى يتم تخصيص الأموال المذكورة, بما فيها 210 ملايين دولار مطلوبة على وجه السرعة, لكن المؤيدين للبرنامج قالوا أن موافقة اللجنة تعتبر امراً مشجعاً. غير أن الامر قد يزداد تعقيداً بسبب توصية من اللجنة للكونجرس خلال الشهر الجاري بأن بنوك التنمية الاقليمية ينبغي ان تمول مبادرة تخفيف عبء الديون المستحقة على الدول الفقيرة من خلال مواردها الخاصة. وفي الوقت نفسه يقول المشاركون في عملية تحديد استحقاق الدول الفقيرة المدينة لهذه القروض ان عملية تأهيل هذه الدول للحصول على هذه المساعدات تسير ببطء شديد اكثر من المتوقع. ويقال ان سياسة الحكوة اليابانية التي ترفض تقديم مساعدات بشكل ثنائي للدول التي تعجز عن سداد الديون وهي الدول التي تشملها مبادرة الدول الفقيرة المدينة, تحبط الحكومات في دول مثل غانا وبنين وتجعلها لا تطلب الحصول على قروض الاغاثة. وقال سيث امجوت من مؤسسة اوكسفام انترناشيونال في واشنطن لاحظنا ان اليابان هي اكبر مصدر للمساعدات في العالم لكنه من الحيوي جدا اضافة مساعدات الاغاثة للدول المدينة الفقيرة الى المساعدات الاخرى, وليس ان تحل محلها حتى عندما ترغب حكومات الدول الفقيرة في طلب قروض الاغاثة من الديون, ليس من السهل ان تقنع الدول الاخرى عن طريق البلاغة الكلامية بأنها تستحق هذه المساعدات فالعملية تقتضي اصدار مستندات خاصة لاستراتيجية تخفيض الفقر من جانب دول المبادرة ذاتها والتي تحدد فيما تنفق هذه القروض وفي اي المجالات. من الناحية النظرية لابد ان يوفر البرنامج اساسا لاستراتيجية تكامل الاغاثة من الديون مع التنمية, وهذا يتناقض مع فرض شروط من الخارج من جانب صندوق النقد والبنك الدوليين. لكن المسئولين يقولون ان الولايات المتحدة بصفة خاصة كانت متشددة على غير المتوقع في تحديد الدول التي تستحق هذا النوع من المساعدات, رغم ان المراقبين المتعاطفين معها يرجعون ذلك اساسا الى الصعوبات التي تواجهها داخل الكونجرس وليس لاحجامها عن المساهمة في هذا الجهد. واعربت بعض دول مبادرة الدول المدينة الفقيرة عن شكواها من ان مقابلاتهم مع المسئولين في صندوق النقد الدولي لم يختلف عن الظروف العادية لنشاط الصندوق. وقال احد المسئولين في احدى الدول الصناعية السبع الكبرى رغم انه من المبكر جداً الحكم على نجاح هذه المبادرة, يبدو انه يتعين على البنك الدولي ان يبذل جهودا اكبر ليكتسب التأييد ويقنع الاخرين. واضاف ان البنك الدولي في حاجة ان يثبت للدول أن الاصرار على تخصيص صناعة القطن مثلا امر اكثر اهمية في الواقع من اجل تخفيف حدة الفقر مقارنة بأي شيء آخر يأتي من واشنطن. ولابد من تدخل كوفي عنان سكرتير عام الأمم المتحدة في هذا الجدل حول مبادرة الدول المدينة الفقيرة حتى يعيد القضية الى دائرة الضوء والاهتمام العام مرة اخرى. انخفاض الاستثمارات الاجنبية المباشرة في الدول النامية لايزال المستثمرون الدوليون محجمين عن اسواق المال في الاقتصاديات النامية التي تمر بمرحلة تحول, وحيث الاستثمارات الاجنبية المباشرة هي المصدر الوحيد للتمويل. وقال البنك الدولي في تقريره السنوي عن التنمية العالمية الذي يشمل تقييما لقدرة الدول النامية على جذب رأس المال الاجنبي ان الازمة المالية لعام 1997 لا تزال تؤثر على الاستثمارات في الدول النامية. وقال يوري رادوسن مدير مجموعة التوقعات في البنك الدولي التي اصدرت هذا التقرير ان الدول النامية بدأت اخيرا تحقق انتعاشا من اثر الازمة العالمية. وسوف يصل النمو في الدول النامية الى 4.6% خلال العام الجاري, مقارنة بنسبة 4.8% في عام 2001 ـ 2002. لكن النمو سيكون الاسرع في الدول النامية التي نوعت اقتصادها والتي تلقت اكبر قدر من الاستثمارات الاجنبية المباشرة. وقال التقرير ان تدفقات رأس المال من خلال قروض البنك والسندات والمحافظ الاستثمارية الاخرى على الدول النامية انخفضت في العام الماضي مقارنة بالمستويات التي وصلت اليها في مطلع التسعينيات. واضاف انه ينبغي ان ترتفع هذه المستويات من التدفقات المالية خلال السنوات المقبلة الى مستويات عام 1995, لكنها سوف تظل اقل من المستويات العادية التي كانت عليها خلال فقاعة المضاربات في عام 1996 وعام 1997 قبل انتشار اثار الازمة المالية. ويقول التقرير انه في غياب هذه التدفقات فإن قدرة الدول النامية على جذب الاستثمارات الاجنبية المباشرة عن طريق الاستقرار الاقتصادي والسياسات المواتية تصبح على المحك. واشار التقرير الى دول مثل المكسيك وبولندا على انها ا ستثناء لانها حافظت على مستوى مرتفع من الاستثمارات الاجنبية المباشرة بسبب قوة السياسات الاقتصادية والتكامل التجاري مع الدول الصناعية المجاورة لها. واشار الى ان الصين وفيتنام شهدتا انخفاضا كبيرا في الاستثمارات الاجنبية المباشرة في العام الماضي بسبب الحواجز الادارية التي منعت المستثمرين الاجانب. وقال التقرير ان تاريخ تدفقات رأس المال على مدى الـ130 عاما الماضية اثبت ان التدفقات الى الاسواق الصاعدة شهدت عدة ارتفاعات كانت تميل الى الانخفاض المفاجيء مع تدخل الازمات المالية او السياسية. فقد انتهت طفرة معيار الذهب قبل عام 1914 والتوسع الذي شهدته العشرينات وانتهى بالكساد الكبير, والارتفاع في التدفقات خلال فترة السبعينيات الذي حول موازين المدفوعات ثم ظهرت المشكلات بسبب أزمة البترول, وفقاعة اسواق رأس المال في التسعينيات, انتهت جميعا بأزمات. ويثبت ذلك ان هناك حاجة لاقتصاديات الدول النامية في مواجهة هذه التذبذبات في تدفقات رأس المال بسبب فرض قيود على التدفقات النقدية مثلا, الى اقامة خطوط جاهزة للائتمان الدولي. واضاف التقرير ان كل هذا سوف يمثل تكاليف باهظة على الاقتصاديات المحلية, لكنها قد تكون اقل كثيرا من تكلفة ازمة مالية شاملة.
رغم تعهدات صندوق النقد والبنك الدوليين المستمرة ، استمرار اتساع الفجوة بين الدول الفقيرة والصناعية الغنية
