مثل غيرها من دول العالم, ترفع الإمارات شعار (صنع في الإمارات) , لتأكيد هويتها الصناعية الوطنية, وإنتاج السلع التي تحقق من خلالها الاكتفاء الذاتي في أسواقها الداخلية, ولتغطية حاجات مواطنيها, ومن ثم الخروج إلى الأسواق العالمية والاتجاه نحو التصدير. وفي هذا الإطار عقد في أبوظبي معرض (صنع في الإمارات) , ليترجم الاهتمام الكبير من جانب مسئولي الدولة لتحقيق هذا الشعار, الذي يمثل هوية وطموحا وطنيا وإضافة إلى اقتصادنا الوطني في آن معا. أصبحت العبارة التي تلصق على أي منتج لتبين مكان الصنع مميزة للسلع والبضائع, وارتبطت بها فأصبح جمهور المستهلكين يبحثون عن أسماء بلدان بعينها قبل السلعة, نظرا لما تحظى به هذه البلدان من شهرة عالمية واسعة, نتيجة للجودة العالية وغيرها من المواصفات التي اشتهرت سلعها وبضائعها بها, والتي أصبحت الوسيلة لنفاذ هذه السلع والبضائع إلى مختلف أسواق العالم. ولم تكن الإمارات, وعلى الرغم من مرور ثلاثة عقود فقط على إنشاء الدولة, بعيدة عن ذلك إذ رفعت بدورها شعار (صنع في الإمارات) , ومنذ أن عرفت طريقها إلى الصناعة في بدايات تأسيسها, وجعلت هذا الشعار أحد أهم المرتكزات في العملية الإنتاجية, الأمر الذي انعكس في إيجاد قاعدة متنوعة من المنتجات الوطنية المتميزة التي تحمل هذا الشعار, وقد نجحت الدولة في جعل هذا الشعار حقيقة وواقعا, حيث نشاهد حاليا عشرات المنتجات الوطنية التي تتمتع بالنوعية والجودة المتميزة مقارنة مع مثيلاتها المستوردة. وعندما فكرت الدولة في إرساء قاعدة صناعية وإنتاجية كانت تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في البداية, وخاصة في السلع والمنتجات الغذائية والمواد والمنتجات المستخدمة في مجال التشييد والبناء, حيث اتبعت الدولة سياسة الإحلال محل الواردات في بعض الصناعات ونجحت إلى حد كبير في ذلك, وتزامن مع ذلك أيضا اتباع سياسة الإنتاج من أجل التصدير, وأصبح لدى الإمارات مجموعة من السلع المعدة والمؤهلة بالفعل للتصدير, وغزو الأسواق الخارجية والمنافسة بقوة فيها. وانطلاقا من الاهتمام بعملية التصنيع وتأكيد وترسيخ عبارة (صنع في الإمارات) لتصبح حقيقة, وليس مجرد شعارات, شهدت أبوظبي مؤخراً معرض (صنع في الإمارات) الذي جاء ليترجم مدى الاهتمام الكبير من جانب الأجهزة المعنية والمسئولين بالدولة لتحقيق ذلك, باعتباره مطلبا وطنيا واستراتيجيا ليس من أجل الانتاج في حد ذاته على الرغم من أهميته بالطبع, ولكن من أجل رفع اسم الدولة وإظهار الجانب الإنتاجي والصناعي في الاقتصاد الوطني والذي يعد العماد الرئيس له, حيث تعكس الصناعة الوطنية وما تتميز به من تنوع وارتفاع إسهامها في الناتج المحلي الإجمالي قوة الاقتصاد الوطني. وفي الحقيقة فإن المعرض, الذي نظمه اتحاد غرف التجارة والصناعة بالدولة بالتعاون مع غرفة تجارة وصناعة أبوظبي, عكس مدى التطور والنضج الذي وصلت إليه الصناعة الوطنية, من حيث الكم والنوع, وأصبحت منتجاتنا الوطنية محل فخر واعتزاز الجميع, وتضاهي منتجات دول عريقة سبقتنا في ميدان الصناعة ولها باع طويل في هذا المجال. ومما لا شك فيه أن (صنع في الإمارات) لم يعد مجرد شعار, بل تحول إلى حقيقة ملموسة, وصار هناك عشرات المنتجات والسلع الوطنية التي تحمل هذه العبارة طوال السنوات الماضية. لكن المرحلة المقبلة تتطلب مزيدا من ترسيخه في حياتنا الاقتصادية, والتأكيد على أنه يمثل لنا هوية وطموحا يجب الحرص والسعي إلى تحقيقه بما نمتلكه من إرادة قوية وإمكانات وموارد مالية تتيح لنا ذلك, وأن نخرج منتجاتنا وسلعنا التي تحمل (صنع في الإمارات) إلى الأسواق الخارجية, باعتبار أن التصدير يمثل قوة دفع مهمة جدا لتنمية صناعتنا الوطنية وتطويرها, ويوفر لنا إمكانية هائلة للتغلب على ضيق وصغر مساحة أسواقنا المحلية, خاصة وأن الصناعة الوطنية وصلت إلى مستويات متقدمة جدا تتيح لها المنافسة, جودة وسعرا, في الأسواق الداخلية والخارجية, ويمكن من خلالها الإسهام في تنويع مصادر الدخل القومي. * معالي الدكتور محمد خلفان بن خرباش, وزير الدولة للشئون المالية والصناعية, أكد ذلك خلال افتتاحه المعرض, مشيرا إلى أن الإمارات نجحت إلى حد بعيد في تنويع مصادر الدخل في ظل التوجهات الرشيدة لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان, رئيس الدولة. موضحا أن إسهام قطاع الصناعة يشكل نسبة مهمة جدا في الناتج المحلي الإجمالي. وذكر أن المنافسة العالمية تفرض علينا الالتزام بمعايير الجودة وإنتاج سلع تحقق رضا المستهلك, مؤكدا أن الإمارات تهدف إلى قيام مشروعات صناعية متطورة شعارها الجودة والقدرة على المنافسة محليا وخارجيا. وقال إن الوزارة تدرس حاليا إنشاء هيئة لتنمية وتنشيط الصادرات الصناعية والوطنية, ولدعم وتشجيع المصدرين المحليين للخروج إلى الأسواق العالمية, بعد أن وصلت صناعتنا الوطنية إلى مستويات متطورة تستطيع أن تنافس في تلك الأسواق من حيث الجودة والسعر. حيث تمثل هذه الأسواق فرصة كبيرة لتنشيط وتطوير الصناعة الوطنية, وبالتالي فإنه يجب العمل من أجل الاستفادة منها. وأبدى الدكتور خرباش إعجابه بالمستوى الرفيع الذي وصلت إليه الصناعة الوطنية ومطابقتها للمواصفات والمعايير الدولية, معربا عن تفاؤله بمستقبلها, مع ضرورة فتح استثمارات مالية كبيرة من قبل القطاع الخاص الوطني الذي أصبح يلعب دورا فاعلا ورئيسا في هذا القطاع, بعد أن اعتمد في البداية على الاستثمارات الحكومية التي أقامت المناطق الصناعية المجهزة بالمرافق والبنية التحتية الحديثة. * عبدالله راشد الخرجي, رئيس مجلس إدارة اتحاد غرف التجارة والصناعة بالدولة, يقول إن الصناعة في الإمارات مدعومة ببنية تحتية متطورة ومجموعة من التسهيلات والمزايا الجاذبة للمستثمرين إلى هذا القطاع الحيوي. وأوضح أن التزايد الحاصل في إنتاج النفط وارتفاع أسعاره العالمية خلال مرحلة السبعينات, ساعد إلى حد كبير على تنامي الموارد والدخول التي انعكست بشكل إيجابي على مجمل الفعاليات والأنشطة الاقتصادية, وأدى ذلك إلى ارتفاع واضح في معدلات النمو خلال تلك السنوات, ومنها معدلات دخل الفرد في الدولة, مما دفع بالعديد من المستثمرين إلى التوجه نحو قطاع الصناعة التحويلية إلى جانب القطاعات الإنتاجية والخدمية الأخرى. وقال إن اتحاد غرف الدولة أعطى قطاع الصناعة الوطنية جانبا كبيرا من الاهتمام, وذلك من خلال متابعات متطلبات الصناعة ورؤى الصناعيين. وستكون فكرة معرض (صنع في الإمارات) مرآة تعكس التطور المستمر في الصناعات الوطنية. * عبدالله سلطان عبدالله, أمين عام اتحاد الغرف, أشار إلى أن المعرض يمثل نافذة نطل من خلالها على ما حققته صناعاتنا ومنتجاتنا الوطنية, ويقدم أحدث الانجازات المحلية لقطاع الصناعة. مضيفا أن دولة الإمارات وقد عرفت منذ القدم بأهميتها كمركز استراتيجي في منطقة الشرق الأوسط والخليج, تعمل اليوم على تطوير موقعها الاقتصادي وتخطو خطوات واثقة نحو التصنيع لتلبية حاجة المستهلك من منتجات وخدمات مصنوعة محليا. ووفقا لتقرير حديث حول النشاط الصناعي بالدولة, فقد شهد العام 1999 تحسنا ملحوظا في الأداء الاقتصادي مقارنة مع العام 1998. وبلغ الناتج المحلي الإجمالي للدولة العام 1999 نحو 4.190 مليار درهم, مقابل 173 مليار درهم العام ,1998 وبمعدل نمو بلغ 10%. وبلغت نسبة إسهام قطاع الصناعة التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي 6.16%, كما حققت الدولة فائضا في الميزان التجاري قدره 4.13 مليار درهم, بينما كان العام 1998 نحو 5.3 مليارات درهم, وذلك بسبب النمو الكبير في قيمة الصادرات السلعية بما فيها الصادرات النفطية. وأوضحت الدراسة أن عدد المصانع العاملة والمقيدة في السجل الصناعي قد ارتفع من 705 مصانع العام 1990 إلى 1859 مصنعا العام ,1999 بزيادة قدرها 7.163%. وقد تفاوتت نسبة النمو السنوي في عدد المصانع من عام لآخر, حيث بلغ أعلى مستوى لها العام ,1992 حيث ازدادت بنسبة 8.15% عن العام ,1991 بينما بلغت أدنى مستوى لها العام 1991 إذ ازدادت بنسبة 3.5% فقط عن العام ,1990 وفي العام 1999 بلغت الزيادة نسبة 7.9%. أما المعدل السنوي للزيادة خلال الفترة ما بين 1990 و1999 فقد بلغ 4.11%. وفي الواقع أن الدولة أولت منذ نشأتها اهتماما خاصا بقطاع الصناعات التحويلية, ودأبت على تنميته وتطويره. وتشير المؤشرات الاحصائية اليوم إلى أن هذا القطاع بلغت نسبة إسهامه في الناتج المحلي الإجمالي 2.15%, وهي نسبة لابأس بها. غير أنه من المتوقع أن تتباطأ نسبة النمو هذه إذا لم يحدث تطور في انفتاح الأسواق الخليجية والعربية, وتفعيل عملية زيادة معدلات التجارة البينية بين مختلف دول العالم العربي. ويشير تقرير لمصرف الإمارات الصناعي إلى أن قطاع الصناعة التحويلية في الدولة حقق تقدما ملحوظا, بحيث أصبح يحتل المرتبة الثانية بعد التجارة من حيث الأهمية في الاقتصاد غير النفطي لدولة الإمارات. موضحا أنه على الرغم من أن الصناعة التحويلية لن تتمكن من أن تحتل المرتبة الأولى في الاقتصاد غير النفطي في السنوات القليلة المقبلة, إلا أنها تتمتع بنمو واعد بالنظر للموقع الاستراتيجي للدولة والبنى التحتية الجيدة والأسواق المفتوحة, وازدياد عدد السكان ونمو القطاعات غير النفطية. وقد بلغت الدولة مرحلة لم تبلغها من قبل في الاكتفاء الذاتي في بعض المنتجات الصناعية, والتي حلت محل الواردات الأجنبية. وقد وصلت القيمة المضافة للصناعة التحويلية إلى 8.20 مليار درهم العام ,1998 على الرغم من انخفاض الناتج المحلي في ذلك العام, إلا أن الصناعة التحويلية استمرت في التوسع وتقدر نسبة النمو المحققة بنحو 2% فقط. * إنعام قرشي مبارك الباحثة الاقتصادية بالدائرة الصناعية بوزارة المالية والصناعة, تقول إن صناعتنا الوطنية قد اعتادت على المنافسة الأجنبية واستطاع الكثير منها أن يحقق نجاحات كبيرة ويغزو الأسواق الأجنبية والعربية منذ فترة غير قصيرة. لذلك لن تكون هناك مشكلات كبيرة أمام هذه الصناعات في ظل الظروف الاقتصادية الدولية الجديدة, خاصة مع قيام منظمة التجارة العالمية. مشيرة إلى أنه ستبقى هناك بعض الصناعات التي ستعاني ـ بلا شك ـ في المستقبل نتيجة فتح الأسواق بشكل كامل أمام المنتجات العالمية, أي أمام المنافسة الأجنبية الشرسة من الشركات العالمية القديمة الأكثر شهرة وخبرة, والتي على الرغم من كل ذلك هيأت نفسها منذ فترة لغزو أسواق العالم بسلع رخيصة السعر. وتضيف أن الصناعات غير القادرة على المنافسة ستواجه أوضاعا صعبة إلى حد بعيد, إذا لم تقم بتطوير نشاطها وتقليل تكلفة إنتاجها وتحسين جودتها, وذلك من خلال عمليات الدمج. وعلى ذلك فلا مجال الآن للمصطلحات التي عفا عليها الزمن, مثل وقف إصدار تراخيص جديدة أو الدعم والحماية أو فرض رسوم جمركية حمائية.. إلى آخر هذه المصطلحات التي لم تعد مقبولة في العالم اليوم, بل المطلوب هو العمل والجهد والفكر العلمي للخروج من المآزق والتعامل مع المعطيات الجديدة. وتؤكد أن الاندماج أصبح أمرا حتميا في مجال الصناعة, وذلك لتفادي المنافسة الشديدة وتجنبا للتصفية أو الإفلاس ولزيادة الإنتاج وتطويره وتخفيض العمالة الزائدة, وتطوير الأنظمة الإدارية والمالية وأساليب التسويق, واستخدام التقنية الحديثة, وتجنبا للممارسات الإغراقية التي تتبعها الشركات الأجنبية.