بقلم: مستشار يحيى المصري لاشك ان رؤوس الاموال الاجنبية التي تدفقت على دول جنوب شرق آسيا بشكل كبير في اوائل التسعينيات, قامت بدور ملحوظ في تنمية وتقدم هذه الدول, حيث صاحبها تحرير القطاعات المالية امام المستثمرين الاجانب, والغاء كافة اشكال الرقابة والقيود التي فرضت من قبل, غير ان ذلك ادى إلى تركيز اغلب هذه الاموال في استثمارات محلية داخل قطاعات غير انتاجية مثل قطاعي العقارات والتجارة الداخلية, وهي قطاعات ساعدت المستثمرين الاجانب في الحصول على اكبر عائد ممكن وسريع, والقيام بتحويله إلى الخارج دون عقبات. ونتيجة للتحويلات الكبيرة وغير المتوقعة لهذه العوائد, بدأت عملات بعض هذه الدول في الانخفاض, وكان اولها عملة (تايلاند) (اليات) التي تعرضت لهجمات كبيرة من المضاربين الاجانب على مدى النصف الاول من عام 1997, وقد ادى تدخل البنك المركزي التايلاندي إلى انخفاض كبير في ارصدة الاحتياطي من النقد الاجنبي الذي كان يحتفظ به قبل عام 1997, وفي ضوء ذلك تكالب الاجانب على تحويل رؤوس اموالهم من تايلاند, مما ساعد على زيادة التدهور في اقتصادياتها. وفي شهر مايو عام 1997 قام اغلب المستثمرين الاجانب ببيع الاصول المالية التي يملكونها من الاسهم والسندات خوفا من انخفاض اسعارها, مما ادى إلى انهيار بعض البورصات, كما قام الاجانب بتحويل قيمتها إلى الخارج فزاد التدهور في سعر العملة المحلية وبلغ انخفاضها 40%, واضطرت تايلاند التي كانت اول دولة آسيوية تظهر فيها الازمة بوضوح, اضطرت إلى تعويم عملتها نتيجة للانخفاض الكبير الذي حدث بها والذي استمر مدة طويلة. وانتقلت الازمة إلى باقي دول جنوب شرق آسيا, حيث انخفضت ايضا عملاتها المحلية بعد التكالب الكبير على بيع الاوراق المالية في البورصات وتحويل رؤوس الاموال إلى الخارج ـ فانخفضت الروبية الاندونيسية بنسبة 50% والببسو الفلبيني بنسبة 30%, والكاتب المياغاري بنسبة 50%, والكيب اللاوي بنسبة 70%, والدينج الفيتنامي بنسبة 15%, كما امتدت الازمة إلى كوريا الجنوبية وبعض المؤسسات المالية في اليابان, وإلى خارج دول آسيا كالبرازيل وروسيا, وكان ذلك امينا نتيجة التكالب على تحويل رؤوس الاموال الاجنبية من هذه الدول ودون اي ضوابط. وفي يوليو عام 1997 كان حجم الازمة يتزايد حيث امتدت إلى كل دول جنوب شرق آسيا, بعد ان قام المستثمرون الاجانب بتحويل اموالهم منها, وهو ما ساعد عليه ضعف الرقابة الحكومية, وعدم توافر اية قواعد ولا ضوابط للتحويلات الرأسمالية, حيث رأى المستثمرون الاجانب ان الاسراع بتحويل اموالهم بأي ثمن هو البديل الطبيعي لضياعها. وقد ادت هذه الاوضاع إلى: ـ انهيار كامل لبورصات الاوراق المالية في ضوء التكالب للمستثمرين الاجانب على بيع ما يملكونه من اسهم وسندات. ـ افلاس عدد كبير من الشركات والمؤسسات التجارية التي كان المستثمرون الاجانب يملكون نصيبا كبيرا في رأسمالها. ـ انخفاض كبير للعملات المحلية نتيجة لعدم تثبيتها على أسس او سلات قوية, ولعدم وجود تعاون نقدي فعال بين هذه الدول. ـ انهيار الاوضاع الاقتصادية وتغيير كبير في الاوضاع المعيشية حيث تحول عدد كبير من الاغنياء في هذه الدول إلى فقراء. ـ توقف آليات الخدمات التي كانت مخصصة لسكان هذه الدول كمدارس اللغات الخاصة والمستشفيات الاستثمارية والمواصلات الخاصة. ومن هنا يمكن القول ان الاستثمارات الاجنبية التي جاءت إلى هذه الدول دون تخطيط ودون تنظيم ولا تحديد للمشروعات التي تستخدم فيها, وان خروجها من هذه الدول وبهذا الشكل السريع دون الالتزام بصالح قومي, هذه الاستثمارات قد لعبت دورا كبيرا في وقوع الازمة وفي تثبيتها وفي انتشارها وتوسيع نطاقها, حيث امتدت إلى عدد كبير من الدول في اوروبا الشرقية وفي امريكا الجنوبية كالبرازيل التي كان اقتصادها سابع اقتصاد دولي في العالم. وعلى سبيل المثال ففي ماليزيا, وهي احدى دول جنوب شرق آسيا التي كانت مرشحة كدولة متقدمة اقتصاديا, لعب الاستثمار الاجنبي دورا كبيرا في تنميتها وتقدمها, بينما كان له دوره السلبي في قيام الازمة وانتشارها, لان استرداد هذه الاستثمارات بهذا الشكل الكبير والسريع وخلال شهور قليلة في عام 1997 ساعد على تخصيص عملتها المحلية بنسبة 40% وانخفاض مؤشر البورصة من 1200 إلى 260 نقطة, مما ادى إلى خسارة ماليزيا في عام واحد فقط بحوالي 300 مليار دولار امريكي اي ما يعادل الدخل القومي السنوي لخمس دول عربية. وفي محاولة ماليزيا لمعالجة ازمتها الاقتصادية اتجهت إلى عزل التطورات الاقتصادية الماليزية عن تأثير حركة رؤوس الاموال قصيرة الاجل, وذلك من خلال فرض اجراءات للرقابة على النقد, وعلى حرية تحويل رؤوس الاموال إلى الخارج, ومنع المضاربات لتجار العملة, فقررت على سبيل المثال عدم السماح بخروج رؤوس الأموال المستثمرة في البورصات الماليزية إلى الخارج الا بعد مرور عام على آخر تعامل لها, كما فرضت ضريبة على خروج رؤوس الأموال الاجنبية من ماليزيا خلال عام من ورودها من الخارج. ويمكن القول ان السياسة الاقتصادية الجديدة التي طبقتها ماليزيا بعد الازمة, ومازالت تطبقها حتى الآن, هذه السياسة نجحت فعلا في معالجة بعض آثار الازمة وفي استقرار سعر صرف العملة المحلية (الرنجت) وزيادة الاحتياطي من الفقر الاجنبي الذي كان قد تضاءل جدا نتيجة للأزمة, وكذلك في ارتفاع مؤشر البورصة وتزايد الاستثمارات المباشرة التي وضعت ضوابط لاستثمارها محليا. غير ان ماليزيا وغيرها من دول جنوب شرق آسيا, مازالت تعاني من الكساد والبطالة وضعف الطلب المحلي, ويعتقد بعض الاقتصاديين العالميين ان هذه الدول لن تستعيد قوتها الاقتصادية الا بعد خمس سنوات على الأقل, كما انها لن تعود قريبا الى ما كانت عليه من تقدم اقتصادي ملحوظ طالما طبقت نفس السياسات الاقتصادية التي كانت تطبقها قبل الأزمة, أو حتى لو اخذت بالبرامج التي يضعها لها صندوق النقد الدولي. ان الازمات النقدية في دول جنوب شرق آسيا لا يتعين ان ندرسها او نمر عليها مرور الكرام دون ان نستخلص منها بعض الحقائق التي يمكن ان تتبلور فيما يلي: أولا: ان التحرير الاقتصادي الكامل والغاء رقابة الدولة على القطاعات الاقتصادية المختلفة لم يعد أمرا مستحبا, كما انه يؤدي الى ازمات اقتصادية تؤثر على الدول التي تأخذ به, ولقد اثرت على الولايات المتحدة الأمريكية نفسها في مايو عام 1971 عندما خرجت رؤوس الاموال الاجنبية منها بعد ان اعلنت المانيا وفرنسا وبعض الدول الأوروبية الاخرى توقفها عن قبول الدولار الامريكي في الدفع, في ضوء العجز الكبير الذي ظهر في ميزان المدفوعات الامريكي, وقد ادى ذلك الى تخفيض الدولار الامريكي رسميا بنسبة 10%, بينما كان يعتبر حتى ذلك الوقت المقياس الثابت الذي لم يتغير على مدى الربع قرن السابق, لكافة العملات في العالم, وكانت نتيجة ذلك الخروج عن النظام النقدي العالمي وتعديل بعض المواد في اتفاقية صندوق النقد الدولي من أجل السماح بأنظمة صرف متعددة لاتقوم على الدولار الأمريكي فقط وانما تحكمها قواعد اخرى. ثانيا: ان الازمات النقدية التي حدثت في دول جنوب شرق آسيا وغيرها من الدول بدأت تهز القطاع الرأسمالي الحر والمفتوح على مصراعيه, فالولايات المتحدة الامريكية وهى قائد النظام الاقتصادي الحر في العالم بدأت فعلا تبحث تغيير بعض الاسس فيه بغرض الانتقال الى نظام رأسمالي جديد يخضع لتوجيهات الدولة ويكون له حدوده وضوابطه دون ان يترك سداح مداح!! ويقود الحزب الديمقراطي الامريكي هذا الفكر الجديد بقيادة الرئيس كلينتون الذي استطاع معالجة اغلب المشاكل الاقتصادية التي واجهت الشعب الامريكي قبل حكمه, بل ان الحزب الديمقراطي بقيادة كلينتون, وبالاتفاق مع بلير رئيس الوزراء في انجلترا يقودان حاليا ما يعرف بنظام (النظرية الثالثة) الذي يقوم في اغلبه على فكر وسط بين القطاعين الاشتراكي والرأسمالي ويسعد كافة شعوب العالم. ثالثا: ادت الازمات الاقتصادية الاسيوية الى اعادة النظر في قواعد معاملة رؤوس الاموال الاجنبية في كثير من الدول النامية التي شعرت بضرر هذه الاموال, ما لم تضع الضوابط التي تساعد على الاستفادة منها, وبالتالي وضعت قوانين وقواعد جديدة تلزم المستثمرين الاجانب بالاستثمار في مشروعات انتاجية محددة لا يجوز تجاوزها, وبنسب مئوية من رأس المال المدفوع يقل عن خمسين في المئة حتى تظل السيطرة على المشروع لرؤوس الاموال الوطنية, وعدم تحويل اكثر من نسبة معينة للعائد من المشروعات في السنة, وبشرط ان لاتؤدي هذه التحويلات الرأسمالية الى توقف المشروع الذي يعمل فيه, وفي مجال استثمار رؤوس الاموال الاجنبية غير المباشرة فقد وضعت بعض ادول النامية شروطا لا يجوز للمستثمرين تجاوزها حتى لا يؤدي الى المضاربة في اعمال البورصات او انهيار بعضها كما حدث في دول جنوب شرق آسيا. رابعا: ان التعاون الاقتصادي الاقليمي اصبح ضرورة قصوى, بل اصبح مسألة حياة وبقاء لكل الدول النامية, وقد لاحظنا ان عدم توافر تعاون اقتصادي ونقدي اقليمي بين دول جنوب شرق آسيا ساعد على انهيارها في لحظات, حيث لم يكن هناك تنظيم اقليمي يؤدى الى عمليات انقاذ من الازمة اذا تعرضت دولة منها الى الانهيار الاقتصادي, كما ان عدم توافر تعاون نقدي ومجلس عملة لحماية عملات هذه الدول اذا تعرضت للانخفاض, ساعد على انتشار الازمة النقدية وامتدادها بين الدول بسرعة لم يسبق لها مثيل, ومن هنا فإنه يتعين الاستفادة من هذه التجربة في الاسراع بإقامة السوق العربية المشتركة واقامة تعاون نقدي اقليمي يبدأ بانشاء سلة من العملات العربية تتحدد هذه العملات على اساسها وتمنع قيام اية مشاكل نقدية في سعر الصرف وفي غيره من النواحي النقدية. وارجو ان تكون الاحداث الاقتصادية الاسيوية عبرة لكل الدول العربية وان تسارع بدراستها وابعاد خطرها عن المنطقة العربية, حتى لا تعطى الفرصة للمستثمرين الاجانب والمضاربين ـ امثال جورج سوروس ـ للتلاعب ووقف لعبة الموت ضد من تسول له نفسه ان يلعبها. * مستشار بوزارة الاقتصاد المصرية