خلال أيام قليلة تطالعنا الصحف بأخبار جرائم اقتصادية كبيرة يروح ضحيتها عشرات الافراد والمؤسسات, فشركة مقاولات تحتال على الناس, فتجمع منهم أموالا كدفعة مقدمة فاقت المليوني درهم ولم تباشر العمل, ويتم اكتشافها بعد ان طال أجل المماطلة من قبل الشركة, وتبدأ بعدها بلاغات الشكوى تنهال على مراكز الشرطة, وتاجر هندي يهرب مخلفا وراءه ديونا بالملايين وشيكات مرتجعة. وشركة وساطة مالية تحتال على مئات الافراد بمبالغ تفوق 400 مليون درهم وهي واحدة من عشرات الشركات التي سبقتها في المجال نفسه, وغير ذلك الكثير من جرائم النصب والاحتيال والشيكات المرتجعة. في الحقيقة ان الجو الاستثماري العام في الدولة جو نظيف وواعد ومبشر, وان مثل هذه الشركات لابد من التصدي لها وبقوة حتى لا تعكر ذلك الجو الاستثماري الصافي الذي اكتسب شهرة عالمية. ولكي يتم القضاء على تلك الظواهر الاقتصادية السلبية التي لا تتناسب اطلاقا مع اقتصادات الدولة وشهرتها العالمية وسمعتها الطيبة لابد وان تتحمل الدولة مسئولية توفير الأمن الاقتصادي للمستثمرين. وان مسئولية الدولة في ذلك يجب ان ينظر اليها من زاويتين, هما: الناحية الوقائية والناحية العلاجية, فيتطلب العلاج أولا اعادة النظر في القوانين والتشريعات الاقتصادية وذلك من خلال تسجيل ملاحظات حول الفجوات القانونية التي تمت من خلالها الجريمة الاقتصادية ورصد تلك الجرائم مع مراقبة تلك الفجوات أو نقاط الضعف التي من خلالها تحدث الجرائم الاقتصادية وتتكرر. وتكون الجهات التشريعية التي تضع تلك القوانين هي العيون أو الرادار المسئول عن رصد تلك الفجوات أو نقاط الضعف وبعدها تتم دراسة تلك النقاط وتعديل القوانين بناء عليها. تقوية وتدعيم السلطات الامنية والسلطات الاقتصادية كمؤسسات اتحادية وتغليب دورها ونفوذها على نفوذ الافراد كافة, وهذه من أهم النقاط التي تتطلب التدخل المباشر من قبل أعلى السلطات لفرض نفوذ وقوة تلك المؤسسات الاتحادية والمحافظة على مكانتها وهيبتها ووقارها. وهذه النقطة تهم الجانبين العلاجي والوقائي معا. ولابد كذلك من اعادة النظر في قضية الشريك النائم ووكيل الخدمات الذي لا يتحمل المسئولية ويترك زمام الأمور كاملة للمستثمر الاجنبي الشريك, حيث لا يجد الشريك الأجنبي من يحاسبه ويراقب نشاطه فيفعل ما يشاء ويخطط لما يريد. ولابد من تشديد العقوبات بأكثر من ذلك على المخالفين وجعلهم عبرة لغيرهم من الناحيتين التشريعية والتنفيذية معا, وتوحيد السلطات القضائية, ولابد من الرقابة الدورية (الشهرية مثلا) على الشركات والمؤسسات وضبط المخالفين حتى قبل تلقي البلاغات والشكاوى, وهذا دور ووظيفة جهات الترخيص المحلية في كل امارة. وتبقى مسئولية الافراد باللجوء الى مكاتب المحاماة للاشراف على تصرفاتهم وانشطتهم ومتابعتها واقرارها قبل واثناء تنفيذها وذلك من أجل ضمان سلامة ذلك التصرف من الناحية القانونية وضمان حقوقهم. واللجوء الى مكاتب استشارية قبل وأثناء الشروع بأنشطة اقتصادية استثمارية أو بناء عقارات أو ما الى ذلك. وهنا لابد من اعادة النظر بالقوانين والتشريعات التي تحكم تلك المكاتب الاستشارية (المحامين والمهندسين والاقتصاديين والاداريين وغيرهم) حتى نخفف من حدة استغلال تلك المكاتب للأفراد ايضا, ونضع لها الضوابط الكفيلة بتنظيم أعمالها وتحديد رسومها وفقا لنظام معين. د. محمد ابراهيم الرميثي