بقلم: روبرت صامويلسون ان ما نعرفه عن فلاديمير بوتين هو اننا لا نعرف الكثير. لقد فاز برئاسة روسيا كقائد قوي سيستعيد الكبرياء الوطني, وهو ايمان نبع بشكل اساسي من مواصلته العنيدة للحرب في الشيشان. ومن جهة اخرى, فإنه لم يقل كيف سيصلح الاقتصاد الروسي المنهار. وهذه هي المسألة الحاسمة التي قد يتوقف عليها مصيره في النهاية. الاقتصاد الروسي يتحدى التوصيفات البسيطة. فهو ليس النظام السوفييتي القديم المتميز بالسيطرة والهيمنة. فالاسعار تم تحريرها. والشركات الحكومية تمت خصخصتها. لكن النتيجة لم تكن رأسمالية السوق. ففي ظل الرأسمالية, يقود دافع الربح إلى نشاط اقتصادي اكبر ومستويات معيشة اعلى. والناس يضعون منتجات جديدة ويحسنون الكفاءة. والانتاج والارباح ينموان. وعلى النقيض من ذلك, فإن القوى المحركة في روسيا يبدو انها تتمثل في السلب وحفظ الذات. فالناس يحمون حصتهم من الكعكة او يأخذون حصة غيرهم. ووفقاً لبعض التقديرات فإن الناتج المحلي الاجمالي لروسيا في عام 1991 كان لا يتجاوز 60% من المستوى الذي كان عليه في عام 1989. ولقد كان لهذا الوضع آثار جانبية. فقد انخفض متوسط العمر المتوقع على نحو كبير. ففي عام 1989 كان متوسط العمر المتوقع يبلغ 64 عاماً للرجال, وبحلول عام 1997 اصبح ذلك المتوسط يبلغ 61 عاماً. والتراجع الاقتصادي يعكس غياب الحوافز الواسعة الانتشار لزيادة الانتاج. وقد حولت (الخصخصة) الجانب الاكبر من ثروة البلاد ـ وخاصة حقول النفط ـ إلى أيدي عدد قليل من الاشخاص وهم (المنتفعون) المشهورين. ولقد حصلوا على الكثير بسهولة كبيرة لدرجة ان دافعهم الاساسي هو استخدامه لتعزيز قوتهم الاقتصادية والسياسية الشخصية. وجزء من هذه الثروة تم تحويلها إلى الملاذ الآمن الخاص بحسابات البنوك الاجنبية. وبعض مراجعة العديد من الدراسات, تقدر هيئة البحوث في الكونجرس الامريكي عملية (هروب رأس المال) هذه بـ 150 مليار دولار في الفترة ما بين 1992 و1999. وهذا الرقم جعل الاستثمار الاجنبي المباشر داخل روسيا والبالغ 12 مليار دولار منذ 1992 يبدو قزماً بالنسبة اليه. اما المشكلة الاخرى التي تواجه الاقتصاد الروسي فهي المقايضة. فالشركات لا تدفع فواتيرها او ضرائبها او اجورها. والحكومات لا تفي بتعهداتها فيما يتعلق بالاتفاق. والمال لا يستخدم فالمقايضة تحل محله, او ان الشركات تبقى على قيد الحياة من خلال مقايضات غير نقدية معقدة بهدف الغاء الضرائب او الحصول على الامدادات ـ وهذه عادة ما يتم ترتيبها بواسطة وسطاء. وفي عام 1998, تفيد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في باريس بأن قرابة 60% من دفعات الشركات لم تكن على شكل اموال نقدية. ان المقايضة تعد عديمة الفعالية على نحو كبير فهي تضيق الخيارات امام المستهلك وتزيل الحافز للربح وتشجع على الفساد. ويبتز الوسطاء الرشاوى مقابل ترتيبهم لصفقات مفيدة. ان مهارات الخداع تؤخذ بعين الاعتبار. بينما المهارات الادارية ـ مثل تحسين الانتاج ـ فلا تؤخذ بعين الاعتبار ابداً. هناك منهج متبع في هذا الجنون. ففي بحث رائع يظهر خبير الاقتصاد في البنك الدولي برايان بنتو ان الروس قاموا بتطوير نظام غير رسمي لتقديم العون المادي للشركات غير الرابحة. ولتبسيط الامر قليلاً فإن شركات التصنيع لا تدفع فواتير الكهرباء والغاز الطبيعي او جزءاً منها, وبالمقابل فإن الشركات المحتكرة للغاز الطبيعي والكهرباء لا تدفع الضرائب المترتبة عليها للحكومة. والهدف من ذلك هو الحيلولة دون حصول عمليات الافلاس والبطالة المترتبة عليها. وهذا الامر لا ينجح. فالحكومة المركزية ـ المحتاجة للضرائب ـ تخفف من اتفاقها. ويعاني كبار السن, المعتمدون على رواتب التقاعد الحكومية, بشكل خاص من هذا الوضع. ويضعف الانفاق الاستهلاكي. ويبلغ معدل البطالة حوالي 12%. هناك مدرستان من التفكير بشأن بوتين. وتقول كيت بوش من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن ان احدى هذه المدارس ترى ان هناك (فرصة سانحة) امام بوتين. فهو يصل إلى السلطة في وقت يشهد الاقتصاد انتعاشه ـ رغم انها من مستويات انتاج منخفضة. ففي عام 1999 نما الناتج المحلي الاجمالي بنسبة 3%. وباستثناء زيادة طفيفة في عام 1997, فقد كانت هذه اول زيادة في غضون 11 عاماً حسبما تقول بوش. وعلى نحو يثير المفارقة, فإن تفسير ذلك يكمن في الازمة المالية التي وقعت في اغسطس من عام 1998. ووفقاً للادراك المتأخر, فإن هذا قد يكون نعمة مقنعة. فقد دفعت البلاد إلى التخلي عن سعر صرف غير واقعي, بحيث انها عاقبت المنتجين المحليين من خلال جعل الواردات رخيصة. وفي اوائل اغسطس 1998, كان سعر الصرف حوالي 6 روبلات للدولار الواحد, اما الآن فإنه يبلغ حوالي 28 روبل للدولار. وقد ادي الارتفاع الناجم عن ذلك في اسعار الاستيراد إلى تحويل الشراء إلى الشركات الروسية. ففي شهري يناير وفبراير الماضيين, كان الانتاج الصناعي اعلى بنسبة 13% مما كان عليه قبل سنة. وقد ادى انخفاض الواردات وارتفاع اسعار النفط ـ الذي يعتبر اكبر صادرات روسيا ـ إلى زيادة الفائض التجاري إلى 33 مليار دولار في عام 1999. وقد تحسنت انظمة تحصيل الضرائب الحكومية. وانخفضت الاجور غير المدفوعة والدفعات البينية داخل الشركات. وتقول بوش انه اذا ما اخذنا بعين الاعتبار شعبية بوتين, فإنه سيحصل على تعاون اكبر من الدوما (البرلمان الروسي) من سلفه الرئيس السابق بوريس يلتسين. ان ما يحتاجه الاقتصاد الروسي كما يذهب بنتو إلى القول, هو ايجاد حوافز لتوسيع نطاق الانتاج. ويحتاج نظام الاعانة غير الرسمي إلى التفكيك. ويتعين على الشركات ان تدفع فواتيرها وضرائبها, اما تلك الشركات غير المربحة فتحتاج إلى محو الخسائر او التوقف عن العمل. وينبغي ان تؤخذ المهارات الادارية وليس مهارات الاحتيال بعين الاعتبار. ويقول بنتو ان هذه السياسة نجحت في بولندا ويمكنها ان تنجح في روسيا. فهل يمكن لهذا ان يحدث؟ والمدرسة الثانية في التفكير بشأن بوتين فهي مدرسة متشككة. وتعتقد هذه المدرسة ان روسيا غير قادرة ثقافياً على ايجاد اقتصاد داينميكي. فروسيا القيصرية لم تتبن ابداً الرأسمالية بشكل كامل. والنظام السوفييتي اخمد اي اثر متبقٍ لروح المخاطرة. كما ان روح المغامرة في مجال الاعمال ضعيفة للغاية. والفساد طريقة حياة. ووفقاً لهذه المدرسة فإن بوتين ـ مهما كانت مزاياه الشخصية وطموحاته ـ يخوض معركة خاسرة مع التاريخ.