ان المظاهرات الصاخبة التي قامت مؤخراً مناهضة للسياسات المالية التي يتبعها صندوق النقد الدولي والصيحات الهستيرية التي يطلقها بعض القادة والزعماء والمسئولين وخصوصاً الثوريين منهم والتي بلغت الى درجة مناداة بعضهم بهدم صندوق النقد الدولي، وايجاد مؤسسة مالية دولية بديلة تتبنى فلسفة اقتصادية وسياسات مالية تهدف الى رفع الظلم والمعاناة عن شعوب الدول النامية وايجاد حلول عملية لديونها الخارجية التي لاشك تثقل كاهل الاقتصاد وتستنزف موارده, والحقيقة ان حل مشكلة الديون الخارجية للدول النامية والتخفيف من حدة أعبائها الخارجية كي نخلق نوعاً من الاستقرار الاقتصادي في الداخل لايمكن ان يتم بهذه الطرق التعسفية التي تخلو من أي منطق عقلاني أو أسلوب علمي, فصندوق النقد الدولي والبنك الدولي هما مؤسسات اقتصادية مصرفية دولية بالفعل وهما ليسا ملكاً للولايات المتحدة الأمريكية ولا لأية دولة بعينها أو كيان اقتصادي أو سياسي اقليمي. وان تأثير الولايات المتحدة الأمريكية والدول الصناعية الكبرى بشكل عام في قرارات الصندوق والبنك الدوليين هو وضع طبيعي جداً منذ ان تأسست هاتان المؤسستان بعد الحرب الكونية الثانية وذلك نظراً للثقل السياسي والاقتصادي لتلك الدول الصناعية بيد ان كافة الدول الأعضاء تساهم في تدعيم الأصول المالية للبنك والصندوق. ومن هذا المنطلق تصبح كافة القروض والتسهيلات الائتمانية التي يقدمها كل من البنك والصندوق للدول النامية هي في الحقيقة من أموال كافة الأعضاء. وبالتالي فان كافة الأعضاء من حقهم الادلاء برأيهم حول تلك المديونيات. ولو رجعنا في الحقيقة الى طبيعة تلك المديونيات التي غالبا ما تكون بمعدلات فوائد مخفضة للغاية نرى انه وعلى الرغم من كافة الدراسات والتحريات التي يجريها البنك والصندوق حول تلك التمويلات والتأكيد التام على انها استخدمت بالفعل للغرض الذي تم التمويل من أجله الا ان الصندوق والبنك يبقيان عاجزين عن السيطرة التامة على الأنظمة الادارية والاقتصادية والمالية الداخلية هذا فضلاً عن عجزهما عن السيطرة على القوانين والتشريعات وما يمكن ان ينجم عنها من تحايل تجاه استغلال تلك الأموال استغلالاً سيئاً ولغير الاغراض التي اقترضت من أجلها. والادلة على ذلك كثيرة جداً من أرض الواقع. وهناك في الحقيقة دول غنية جداً بمواردها الاقتصادية وبعضها لديها نفط وغاز طبيعي وخامات معدنية كثيرة وفي الوقت ذاته تحصل على قروض من الصندوق والبنك الدوليين. فهل نحن كدول نفط مسئولون عالمياً عن تمويل التنمية في تلك الدول؟, ان الازمات المالية والاقتصادية التي تواجهها تلك الدول المدينة لاترجع في الحقيقة الى الديون الخارجية التي يقدمها الصندوق والبنك الدوليان وانما مردها في الواقع الى طريقة تلك الدول في إدارة تلك الأموال بشكل خاص والى طريقتها في إدارة الاقتصاد بشكل عام. ان التمويل المقدم من الصندوق والبنك (القروض والمساعدات معاً) لايمكن ان يقوم عليها اقتصاد دولة وانما هي تبقى مساعدات, فحسن ادارتها واستغلالها لصالح الاقتصاد القومي قد يعملان على حل بعض المشاكل الاقتصادية والعكس صحيح. ان اغلب الديون الخارجية المتجهة الى الدول النامية لاتستغل في مشاريع استثمارية منتجة لكي يبقى مردودها مستمراً ودائماً وانما تستغل لاغراض استهلاكية فتفنى باستهلاكها وتزول. ان للصندوق حدوداً في الشئون الداخلية للدول طالبة التمويل لايستطيع تجاوزها بالفعل وهذا ما يخلق بالفعل الازمة الحقيقية حيث توضع بعدها الاموال تحت الإدارة المحلية. د. محمد إبراهيم الرميثي