افتتح مطار جديد في اسطنبول في يناير الماضي, بعد عشرين عاما من ظهور فكرة انشاء مطار جديد بتمويل من القطاع الخاص وقد تم الانتهاء من المشروع الذي تكلف 3.6 ملايين دولار امريكي قبل موعده بنحو ثمانية اشهر وقام بتنفيذه مجموعة شركات تركية ونمساوية وستديره حتى عام 2004. ويمثل هذا المطار والانتهاء من تنفيذه قبل موعده أملا جديدا في ان تنطلق تركيا على اعتاب مرحلة جديدة. وما يعزز هذه الامال هو قبول ترشيح تركيا في ديسمبر الماضي لعضوية الاتحاد الأوروبي. كما شهد بداية العام الجاري اصلاحات تهدف الى التخفيف من معدل التضخم والاصلاح الهيكلي الذي يدعمه صندوق النقد الدولي. لكن افتتاح هذا المطار الجديد تزامن مع تطور اخر مثير للسخرية هو ان كثير من المراقبين يرون ان الرئيس ديميريل الذي أفتتح المطار وعددا كبيرا آخر من المشروعات في البنية التحتية من قبل هو المسئول عن الامور الخاطئة في البلاد. لقد تولى ديميريل رئاسة الوزراء سبع مرات من قبل في تركيا على مدى ثلاثة عقود تميزت بعدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي. وهدد بولنت اجفيت رئيس الوزراء والمنافس الخطير لديميريل بحل الائتلاف الحاكم لضمان ان يستمر ديميريل في فترة رئاسة ثانية. وادى الى هذا التناقض ان كلا الزعيمين اصبحا من المخضرمين سياسيا, حيث يقول اجفيت ان العالم تغير وتغيرت تركيا ايضا والكل تغير. واعرب عن مخاوفه من ان فتح مجال التنافس سوف يفت في عضد الائتلاف المكون من ثلاثة احزاب ويعرض الاستقرار السياسي للخطر, وهو ضروري لتحقيق النجاح الاقتصادي والاصلاح. ويعتبر تماسك الائتلاف الحاكم حتى الان معجزة بالمعايير التركية. فقد بدأت الحكومة الاصلاحات الاقتصادية التي تعد غير مقبولة سياسيا مع ان الحكومة تضم اليساريين والوطنيين اليمينيين, الذين اعتادوا على ارتكاب اغتيالات ضد بعضهم البعض في التسعينات. ويقول احد المسئولين ان عدم الاستقرار السياسي الذي ساد البلاد حتى انتخابات العام الماضي هو السبب الرئيسي وراء الاخفاق الاقتصادي. ويضاف الى ذلك التضخم المرتفع والفشل في جذب الاستثمارات الاجنبية التى لها مستقبل كبير في تركيا. فقد جذبت تركيا التي تضم 65 مليون نسمة خمسة مليارات دولار امريكي من الاستثمارات الاجنبية على مدى السنوات العشر الماضية, أو ما يعادل الاستثمارات الاجنبية في المجر في عام واحد. ويقول مسئول انه لا يستطيع ان يذكر ان تركيا نجحت كثيرا في مجال جذب الاستثمارات الاجنبية المباشرة, لان المشكلة هي ارتفاع معدل التضخم وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي ويتضح النقص في الاستثمارات الاجنبية من سيادة ملكية الدولة لمشروعات البنية الاساسية والتي تعاني من الاهتراء بسبب احتكار الدولة لها سواء في المواصلات او الاتصالات واختناقات المرور في اسطنبول التي تضم 9 ملايين نسمة. وتعالج الاتفاقية التي توصلت اليها تركيا مع صندوق النقد الدولي كثيرا من العوائق التي تعترض تنمية البنية الاساسية والتنمية الاقتصادية عامة. وينص البرنامج على تنظيمات مالية واصلاحات جذرية هيكلية تشمل خصخصة عشرات من الشركات التي تملكها الدولة. وبدأت العملية ببيع نسبة 51% من اسهم بترول اوفيسي اكبر شركة لتجارة الوقود والبترول بالتجزئة في البلاد, اضافة الى بيع 15 - 20% من اسهم تبراز لتحكرير البترول والتي تحتكر هذه الصناعة في تركيا. وفي الوقت الذي يظل فيه التضخم مرتفعا وعنيدا, فقد أدت التوقعات الايجابية من الاصلاح الى انخفاض اسعار الفائدة. وقد يسهل ذلك ايضا عملية تمويل مشروعات البنية التحتية. والهدف الرئيسي من برنامج الاصلاح هو خفض التضخم الذي يبلغ حاليا 64%, ليصل الى 5 - 7% بحلول نهاية عام 2002. لكن الهدف الفوري او على المدى القصير من البرنامج هو دفع معدل النمو الاقتصادي الذي تعرقل بظهور أزمة السوق عام 1998 واثر فيه زلزال اغسطس العام الماضي بشكل سيىء جدا. وهذا الهدف يجعل من ازالة العقبات امام التنمية الاقتصادية والاستثمار الاجنبي هو الاهم. وقد استغلت الحكومة الاغلبية الكبيرة التي تتمتع بها في البرلمان في تمرير اكثر من مئة قانون جديد تتراوح بين الموافقة على خصخة قطاع الاتصالات الى تنظيم قطاع البنوك واسواق المال. واهم تطور في مجال مشروعات البنية الاساسية هو التعديل الدستوري الذي يسمح بالتحكيم الدولي في النزاعات على العقود التي تكون الدولة طرف فيها. ورغم هذه التغيرات التشريعية إلا أن القطاع العام في تركيا لايزال يرزح تحت اعباء بيروقراطية وفساد يجعل من الصعب التوصل الى صفقات اتفاقيات. لكن النظام الجديد يعد القوانين والتشريعات التي استصدرتها الحكومة هي الافضل مقارنة بروسيا, التي جذبت استثمارات اجنبية مباشرة اكبر من تركيا حتى اغسطس 1998 بسبب انخفاض سعر الروبل الروسي. لكن المشكلة الاكبر, اذا استمرت هذه الحكومة, هي كيفية تحقيق الشفافية ونظام حكومي كفء يشمل المناقصات العامة وتطبيق قواعد السوق. وكان انشاء هيئة تنظيمية لقطاع الطاقة من شروط الاتفاق مع البنك الدولي لكي يصرف 750 مليون دولار من القروض لاجراء الاصلاحات الاقتصادية. ويرى المراقبون ان اكبر ضمان للنجاح في تركيا هي الاصلاحات التي تهدف الى خفض التكلفة في كثير من القطاعات سواء كانت الطاقة او الاتصالات او غيرها. ويقول محافظ البنك المركزي التركي جازي ارجيل, انه لا توجد خطة بديلة, فلابد من تنفيذ هذا البرنامج. عن صحيفة هيرالد تريبيون