في مؤشر آخر على وجود بعض الصعوبات لدى الامريكيين والاوروبيين في الاتفاق في وجهة النظر حول القضايا الاساسية, اتخذ الجانبان قرارين متناقضين تجاه روسيا في الايام الاخيرة. فاحتجاجاً على الأعمال الروسية في الشيشان, قرر المجلس الاوروبي في السادس من ابريل الجاري اتخاذ اجراءات انتقامية ضد موسكو بتجريد ممثليها البرلمانيين من حق التصويت في المجلس. ومن المتوقع ان يتخذ البرلمان الاوروبي اجراءات اضافية من الضغط على روسيا. غير انه وفي اليوم نفسه اكد بنك (اكسيمبانك) الامريكي على انه وافق على منح ضمانة قرض بقيمة 500 مليون دولار لشركة (اوايه اوتويمين اويل) الروسية. وللوهلة الاولي, قد لا يكون هناك ارتباط بين القرارين على اعتبار ان احدهما قرار سياسي بينما الآخر يتعلق بشكل مباشر بنشاط الاعمال. وفي الواقع ان هناك ارتباطا بين القرارين. فنظراً لما يمثله بنك اكسيمبانك الامريكي فإنه يبدو من الواضح ان قراره سياسي بالدرجة الاولى. وهذه هي حقيقة الوضع نظراً للطريقة التي جرى بها بحث ذلك القرض بعينه على امتداد اشهر عديدة. لقد كان هذا القرض الذي اقترح لاول مرة الصيف الماضي من المقرر له ان يؤثر في قدرة شركة تويمين اويل الروسية على شراء مصفاة للنفط ومعدات للمنشآت النفطية من شركة هاليبيرتون بوأس الامريكية التي يقع مقرها في دالاس. وفي حين وافقت الحكومة الامريكية على القرض. الا انه وبعد ذلك ببضعة اشهر تم تجميد القرض لسببين. اولاً, ارادت السلطات الامريكية ان تعبر عن احتجاجها على مناورة قانونية معقدة اتهمت بموجبها شركة تيومن بخداع شريكتها الاجنبية بي بي ـ اموكو فيما يتعلق بحصتها في شركة سيدانكو للنفط. وقد اتهمت السلطات البريطانية والامريكية تويمن بأنها قامت عن عمد بدفع سيدانكو نحو الافلاس لشرائها مجدداً بثمن رخيص, على حساب بي بي ـ اموكو, المساهمة الرئيسية الاخرى في سيدانكو. وفي نهاية المطاف, وافقت تويمن اويل في الاسابيع الاخيرة على التوصل لاتفاقية مقبولة من الطرفين مع بي بي ـ اموكو, وتلك الموافقة لعبت بشكل واضح دوراً في القرار الذي اتخذه بنك اكسيمبانك الامريكي. غير انه وفي حين كانت القضية القانونية بين تويمن وبي بي ـ اموكو منذ البداية احد الاسباب وراء تجميد القرض, الا انها لم تكن السبب الوحيد. فهناك سبب آخر لا يقل اهمية عن هذا وهو ان اكسيمبانك ما كان يمكن ان يسمح له باقراض المال لروسيا طالما انها لم توافق على وضع حد لعملياتها العسكرية في الشيشان. وللاسباب نفسها, تم تجميد قرض بديل متوقع من صندوق النقد الدولي لروسيا في الشتاء الماضي بمبادرة من الولايات المتحدة. ووفقاً للاوروبيين والمجلس الاوروبي فإن العمليات الروسية الجارية في الشيشان لا تزال تستدعي فرض عقوبات بشكل او بآخر. الا انه بحسب الامريكيين, الذين كانوا من بين الاوائل الذين احتجوا على العمليات العسكرية الروسية في القوقاز, فإن من الواضح ان هذا الاجراء لم يعد ضرورياً. فلماذا هذا الاختلاف في وجهات النظر بين الولايات المتحدة واوروبا خاصة في وقت يعترف الروس انفسهم بأن العمليات العسكرية في الشيشان مستمرة مع قيام الرئيس الروسي المنتخب حديثاً فلاديمير بوتين بصد المبعوثة الخاصة للامم المتحدة الرئىسة الايرلندية السابقة السيدة روبنسون؟. وعندما يتعلق الامر بالتعامل مع روسيا, فإنه لا يكون هناك ابداً اي تفسير بسيط. وهذا الامر ينطبق بشكل خاص ايضاً على العلاقات الامريكية ـ الروسية. ومع ذلك, يمكن اختصار الامر كله في كلمتين: السياسة والنفط. وكما اشارت بعض المصادر فإن قرار اكسيمبانك, الذي خضع للمراجعة لعدة اسابيع, لم يحظ بالمصادقة اخيراً الا بعد انتخاب فلاديمير بوتين. وقد ادلى رئيس اكسيمبانك جيمس هارمون على الفور بتصريح مسجل في الرابع من ابريل الجاري ليؤكد على عدم وجود (اي صلة) بين الحدثين. لقد كان بامكانه ان يتجنب الادلاء بهذا التصريح, حيث انه في النهاية لم يصدقه احد. وبدلاً من ذلك, كان التركيز منصباً على التصريحات الصادرة عن وزارة الخارجية الامريكية, مع تأكيد المتحدث باسم الوزارة جيمس فولي على ان هذا الامر حظي بالموافقة لاسباب تتعلق بـ (الامن القومي الامريكي) وبسبب ايمان واشنطن بتعهدات الرئيس الروسي الجديد بالمضي قدماً في اصلاح الاقتصاد الروسي. وهذا في الواقع يعتبر صحيحاً في جانب منه فقط. وبدلاً من ذلك, فإن النقطة الجوهرية فيه هي ان الامريكيين اعتقدوا ان الحكمة تقتضي تقديم ايماءة بحسن النية للرئيس الروسي المنتخب حديثاً لتدشين علاقات ثنائىة على الاساس الصحيح. وبالطبع وفي حين يبدو هذا التفسير منطقياً حتى وان كان يعني ان الشيشان, بقدر ما يهم الامريكيين, لم تعد تحظى بالاهمية التي كانت تحظى بها قبل اسابيع قليلة, فإنه من المتوقع ايضاً ان تكون القضية هي وجود اسباب اخرى لهذا التحول. وكما اضطرت واشنطن إلى الاعتراف في الاشهر الاخيرة, فإن روسيا تعتبر حالة خاصة بين حالات اخرى, في الواقع كان للضغط الدولي بما في ذلك الاجراءات الانتقامية المالية, تأثير ضئيل عليها. وعندما تدخلت الولايات المتحدة لاعاقة قرض اكسيمبانك ولتجميد اتفاقية صندوق النقد الدولي البديلة, فإنها توقعت ان يسارع الرئيس الروسي في حين بوريس يلتسين للبدء بمفاوضات مع الغرب. والولايات المتحدة بشكل خاص الا ان هذا لم يحدث وعوضاً عن ذلك, وبدون حتى محاولة التفاوض على حل وسط مع صندوق النقد الدولي, مضت روسيا قدماً لحضور الاجتماع التجاري لنادي لندن الذي عقد في الشهر الماضي, حيث اعادت التفاوض بشكل ناجح حول عملية اعادة جدولة لديون الاتحاد السوفيتي السابق بقيمة 32 مليار دولار, ويتوقع ان تكرر نفس الشيء قريباً في نادي باريس لعملية جدولة اخرى لديون سابقة بقيمة 40 مليار دولار. وفي الوقت نفسه مضت روسيا لتوها قدماً في دفع الاموال المتأخرة المستحقة علىها لصندوق النقد الدولي قاطعة الطريق على أي ذريعة قد تتخذها الولايات المتحدة او صندوق النقد الدولي في ظروف اخرى لتشديد الضغط المالي. وفي الواقع ان روسيا كانت واحدة من الدول العديدة التي استفادت في العام الماضي من الزيادة في اسعار النفط, وجميع شركات النفط الروسية جنت ارباحاً قياسية. وهكذا فإن روسيا وعلى امتداد عام 1999 قامت بتصدير 123.9 مليون طن من النفط محققة دخلاً صافياً قيمته 13.333 مليار دولار. وخلال الشهرين الاوليين من عام 2000, صدرت روسيا 20.11 مليون طن مقابل دخل مقداره 3.508 مليارات دولار, وهو ما يمثل زيادة مضاعفة ثلاث مرات عن الدخل الذي حققته العام الماضي عن الفترة نفسها والبالغ مليار دولار. وكما تأكد على لسان ميخائيل كراسيانوف النائب الاول لرئيس الوزراء الروسي في بداية ابريل, فإنه لا توجد (اية مخاوف) بالنسبة للمستقبل القريب حتى وان انخفضت اسعار النفط قليلاً. وقد جنت روسيا ارباحاً طائلة في الاشهر الاخيرة مما يتيح لموسكو الوفاء بالعديد من التزاماتها المحلية والخارجية بغض النظر عن العقوبات الاجنبية. وعلى نحو يثير المفارقة, فقد اقر ايضاً انه بدون الارتفاع المفاجىء في اسعار النفط في عام 1999 في اعقاب اجتماع اوبك في مارس عام 1999, ما كان يمكن لروسيا ان تشن حرباً في الشيشان. ووفقاً لدراسة قامت بها مجلة موسكو تايمز بيزنس ريفيو في وقت سابق من هذا العام, فإن عتبة الاسعار كانت 20 دولارً للبرميل, وتحت ذلك المستوى, ما كان يمكن لموسكو ان تذهب للحرب, اما فوقه فكان بمقدورها القيام بذلك. غير انه وفي حين اتاحت الزيادة في اسعار النفط لروسيا يتحمل الضغط المالي الامريكي وشن حرب في الشيشان, الا ان هذه لم تكن هي النتائج الوحيدة. فمما لا شك فيه ان العوائد الاضافية كانت تعني ان روسيا اصبحت قادرة على المضي قدماً بالمشاريع المؤجلة منذ زمن طويل والموجهة لاشاعة الاستقرار في الاقتصاد الروسي. ويقال بأن هذا قد أثار تحذيراً خاصاً في واشنطن, حيث انه تزامن بالفعل مع انتخاب فلاديمير بوتين الذي يعتبر اكثر قوة بكثير من بوريس يلتسين المريض. وبرأي ايريك كراوي المحلل الاستراتيجي الرئيس لدى نيكويل كابيتال ماركتس التي تتخذ من موسكو مقراً لها, فإن بوتين استهدف شيئاً واحداً وهو: اعادة روسيا كقوة عظمى) . وبالطبع, فقد كانت هذه هي العقيدة العامة لجميع القادة الروس منذ انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991. غير انه يعتقد انه وفي حين افتقر الزعماء السابقون مثل بوريس يلتسين للارادة الشخصية في تنفيذ هذه الاستراتيجية, فإنهم افتقروا ايضاً للوسائل المالية والاقتصادية للقيام بذلك. ومن الآن فصاعداً تغير الوضع بشكل جوهري. ففلاديمير بوتين الشاب نسبياً, والذي لديه سنوات من الخبرة السياسية في جهاز الكي جي بي السوفييتي السابق, يتمتع بشكل جلي بالارادة السياسية لتنفيذ مثل هذا المخطط. وعلاوة على ذلك فإنه يمتلك ايضاً في الوقت الحاضر على الاقل الوسائل المالية والاقتصادية الضرورية للقيام بذلك. وبينما يعتبر من غير الوارد ان يحمل هذا في مضامينه ان روسيا قد تصبح قوة عظمى اخرى قادرة على تحدي الولايات المتحدة بشكل مباشرة, في اي وقت قريب, الا ان من المسلم به ان روسيا سيكون لديها ما يكفي من (القدرة على الازعاج) لتحدي الولايات المتحدة في العديد من المجالات. وهذا بالطبع ليس بالشيء الذي يمكن ان يمر مرور الكرام في واشنطن خاصة خلال عام الانتخابات الرئاسية. وستكون مواجهة متجددة مع موسكو آخر شيء تحتاج اليه الولايات المتحدة نظراً لأن ادارة كلينتون اكتسبت الكثير من الفخر في ادعائها الفضل لنفسها في ترسيخ العلاقة التي قامت حديثاً بين الولايات المتحدة وروسيا خلال العقد الماضي, وعلى وجه التخصيص اكثر لأن نائب الرئيس الامريكي آل جور, المرشح الآن للرئاسة عن الحزب الديمقراطي كان شخصياً مساعد رئيس اللجنة الامريكية ـ الروسية خلال العقد الماضي. وبالتالي, فإن أي ازمة مفاجئة تنشب بين الدولتين قد تكون بسهولة في صالح الجمهوريين الذين سيجدون متعة في اظهار ان خيارات السياسة الخارجية التي اتخذت من جانب ادارة كلينتون انتهت جميعها بالفشل. وبناء عليه فإن اهتمام واشنطن الحالي في هذه المرحلة قد تكون له علاقة اقل بالتأكيد بالشيشانيين من الحاجة إلى تجنب ازمة خلال هذا العام ومن هنا جاء القرار باعطاء الضوء الاخضر لقرض اكسيمبانك. وإلى جانب الحاجة إلى تجنب ازمة سياسية والتي قد يكون لها نتائج سلبية على السياسة الداخلية الامريكية, يقال بأن الولايات المتحدة تشعر بقلق اكبر حيال بعض المبادرات الروسية الاخيرة وعواقبها بالنسبة للاستراتيجية الامريكية الشاملة. وكما تم التأكيد عليه من قبل وزير الطاقة الامريكي بيل ريتشاردسون بمناسبة خطابه الذي القاه في الثاني من ابريل امام مجلس نيويورك للعلاقات الخارجية, فإن سياسة الطاقة الامريكية تعتمد على الحاجة إلى الوصول إلى مصادر متعددة للامدادات. وفي عام 1999 تمت تلبية حاجات امريكا من النفط والغاز من جانب ما لا يقل عن 40 مزوداً مختلفاً مع ان دول الخليج بدءاً بالسعودية كانت لها حصة الاسد. وفي المدى المتوسط والبعيد, يقال بأن واشنطن متأملة بأن يتم اضافة دول من القوقاز ووسط آسيا إلى القائمة لسببين وهما: انهما تحتويان على مصادر هامة قريبة من الشرق الاوسط ومنطقة الخليج ولأن الشركات الامريكية قد استثمرت بالفعل مليارات الدولارات في هاتين المنطقتين. الا انه لا مجال إلى اخفاء حقيقة ان هذا الامر برمته قد يصبح موضع شك في حال نشوب ازمة خطيرة بين روسيا والولايات المتحدة. وفي هذا الخصوص دق تقرير حديث بثه راديو اوروبا الحرة الذي يقع مقره في براج جرس الانذار, عندما افاد بأن روسيا توشك بفضل الارتفاع في عوائد النفط, على اكمال بناء خط انابيب جديد من باكو إلى نوفوروسيسك يتجاوز بالكامل منطقة الشيشان المضطربة. ووفقاً لنائب وزير الوقود والطاقة الروسي فلاديمير ستانز, فإن 230 كيلو متراً من خط الانابيب قد تم اختبارها بنتيجة ايجابية. وبالاضافة إلى ذلك, فإن حوالي 90 كيلو متراً من خط الانابيب لا يزال يتعين اختبارها, وعندها يتعين ان تكون جاهزة للعمل بالكامل بحلول منتصف مايو المقبل. وتبعاً لذلك, فإنه يتعين ان تكون في وضع يؤهلها لتصدير ما يصل إلى 18 مليون طن في السنة من النفط. وكنتيجة لذلك, حذر التقرير في ان هذا قد يؤدي إلى تقويض الخطط الامريكية الاساسية المؤيدة لخط انابيب باكور جيهان.