على الرغم من الفوائد العديدة التي تقدمها تقنيات التجارة عبر الإنترنت والهاتف, إلا أن لها مخاطر وجوانب سلبية كثيرة تتمثل في عمليات الغش والخداع التي يعرف المحتالون الذين يقومون بها أصول اللعبة وكيف يحيكون الشباك التي يوقعون فيها ضحاياهم. وبناء على ذلك فإنه يتعين على المستهلكين إدراك أن الذين يتحدثون معهم من الطرف الآخر ويعرضون عليهم منتجات وسلعا للبيع ليسوا ـ في معظم الأحيان ـ سوى مجموعة من النصابين العتاة الذين يسعون للإيقاع بالناس لسلب مدخرات العمر, وذلك باتباعهم حيلا وأساليب غش متعددة. فإذا انطلت إحدى هذه الحيل عليك ودفعت قسطا من أموالك لأحد هؤلاء النصابين, فليس أمامك إلا أن تنسى تلك الأموال التي تكون قد تبخرت.. إلى الأبد! شهدت التجارة تطورات هائلة خلال الفترة الأخيرة, وأصبحنا نسمع عن التجارة الإلكترونية وعقد الصفقات وتحويل الأموال عبر شبكة الإنترنت وعن عمليات البيع والشراء عبر أسلاك الهاتف وغيرها من التقنيات التجارية الجديدة التي أحدثت ثورة هائلة في المفهوم التقليدي للتجارة, والذي بدأ أولا في شكل مقايضة أشياء بأشياء أخرى, وتطور حتى تم اختراع النقود والشيكات البنكية وبطاقات السحب الآلي وبطاقات الائتمان بمختلف مسمياتها وألوانها الذهبية والفضية والبلاتينية. ونقف اليوم عند التجارة عبر الهاتف والتي تعتبر وسيلة سهلة لإجراء التعاملات التجارية التي يمارسها وبشكل قانوني كثير من الشركات والأعمال التجارية. إلا أنه يجب ألا ننسى أن الهاتف وسيلة يمكن أن يستخدمها النصابون واللصوص كل يوم في ارتكاب جرائم نصب مسلح ضد المستهلكين. ويكفي هنا أن نشير إلى أن الولايات المتحدة وحدها تشهد ما يزيد على 14 ألف حالة نصب تكلف نحو 40 مليار دولار أمريكي كل سنة, وتشير البيانات الرسمية إلى أن أكثر الأشخاص عرضة لهذه الجرائم التكنولوجية هم أولئك الأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم الخمسين عاما أو ما يزيد. ولماذا نذهب بعيدا وأمامنا العديد من عمليات الاحتيال التي استهدفت بعض رجال الأعمال المحليين, وهو الأمر الذي أصدرت بموجبه الجهات الرسمية تحذيرات قوية حملتها الصحف اليومية نبهت إلى النشاطات الإجرامية التي يقوم بها بعض العصابات في أفريقيا, والتي درجت على الاتصال ببعض رجال الأعمال الخليجيين تطلب منهم إرسال أرقام حساباتهم المصرفية لإيداع مبالغ نقدية, وبالفعل وقع بعض هؤلاء ضحايا لعمليات النصب والاحتيال تلك. وبطبيعة الحال فإنه قد يصعب في كثير من الأحيان التفريق بين البائع الفعلي الذي يمتهن التجارة, من جهة, والنصاب من جهة أخرى, إذ لا يمكن التأكد من ذلك من نبرات الصوت فقط أو من الطريقة الودودة والحميمة التي يبدو عليها الشخص بالطرف الآخر من الخط. إن الباعة مهرة في إقناع المستهلكين بالشراء. وكذلك النصابون أيضا. ولكن هناك بعض المؤشرات التي تدل على أن العملية برمتها لا تتعدى مجرد عملية نصب مخطط لها جيدا ومحبوكة بطريقة لا تثير أية شكوك. ويمكن الاستعانة بالمعايير التالية لاكتشاف عمليات النصب التجاري: ـ قد يتلقى أحدهم محادثة هاتفية أو بطاقة بريدية من جهة ما تخطره بأن الحظ قد حالفه وربح جائزة قيمة وتطلب منه إرسال مبلغ من المال لاستكمال الإجراءات الإدارية أو لسداد الرسوم الجمركية أو الضرائب أو أية رسوم أخرى. من الواضح أن هذه عملية نصب محكمة, إذ إن الفوز بجائزة ما أو الجهات التي تنظم وتدير هذه الجوائز لا تطلب من الفائزين دفع مبالغ نقدية, لأن ذلك وببساطة شديدة مخالف للقانون. ـ يتصل أحدهم ويخطرك بضرورة قبول العرض الذي يعرضه عليك في الساعة والتو وإلا فقدت فرصتك. هذه أيضا محاولة نصب, لأن الشركات المرخص لها قانونا لا تضغط على المستهلكين لقبول عروضها قبل أن يقتنعوا بالبضاعة ويشاهدوها مشاهدة العين. ـ يرفض المتحدث بالطرف الآخر إرسال أي مستند مكتوب أو معلومات قبل أن تلتزم التزاما تاما بالقيام بشيء ما. وهذه أيضا محاولة أخرى, إذ إن الشركات المحترمة تسعد كثيرا بإرسال معلومات واقعية عن العروض التي تقدمها للمستهلكين. ـ ترفع سماعة الهاتف ويأتيك صوت من الطرف الآخر يخطرك بأنك ستربح مبالغ ضخمة إذا قمت باستثمار أموالك في مجالات لا مخاطر فيها, وهذا كذب صريح لأن المخاطر تحيط بجميع أنواع الاستثمارات, والشركات القانونية يجب أن تكشف للمتعاملين معها المخاطر التي قد تحيط باستثماراتهم. ـ يخطرك أحدهم عبر الهاتف أو بريديا بأنك ستجني أموالا هائلة من خلال إسهامك في وكالة تجارية أو أية فرصة استثمارية وبأقل جهد ممكن. كيف يمكن أن يحدث ذلك, إذ أننا نعلم جميعا أن المشروعات التجارية تتطلب المعرفة والدراية والجهد, وأن الشركات التي تحترم نفسها لا تضمن تحقيق أية أرباح, فكل ذلك في علم الغيب. ـ يتصل أحدهم ويطلب منك أن ترسل تبرعات مالية أو عينية ولا يفصح لك عن كيفية استخدام تلك التبرعات وكيف يمكن أن تستجلي حقيقة الأمر. إن المؤسسات الخيرية تكشف عن نسبة التبرعات التي تستخدم في مشروعاتها وعن النسبة التي ستذهب إلى مجالات الإنفاق الضرورية لاستمرارها, كما أنها تخطر المتبرعين بالجهات التي يمكن الاتصال بها للتأكد من قانونية الأعمال التي تقوم بها. ـ يخطرك النصاب الذي يتخفى في صوت بائع متمرس بضرورة إرسال قيمة البضاعة نقدا وبالبريد السريع. وهذه محاولة نصب أخرى واضحة لأن الشركات المحترمة تتيح للمستهلكين فرصة معاينة البضاعة وإمكانية تغيير رأيهم إن قرروا ذلك, وهي لا تطلب إرسال قيمة السلع والبضائع بواسطة شركات النقل السريع أو البريد المستعجل. ـ يتصل بائع ـ أو هكذا يدعي ـ ويخطرك بأن الشركة لا تتعامل إلا بالنقد, وليس هناك شيء اسمه البيع بالآجل. محاولة شيطانية أخرى, لأن الشركات التي تحترم نفسها لا تفعل ذلك, ولكن النصابين يفعلون لأنهم يجدون غالبا صعوبة كبيرة في إقناع الشركات بالموافقة على بيعهم بضائع بالآجل, إضافة إلى أنهم يرغبوه في تعقيد وتصعيب متابعتهم. ـ يطلب منك المتحدث من الطرف الآخر الكشف عن رقم جواز سفرك أو بطاقتك الشخصية. إنها محاولة أخرى.. لكنها متخلفة, لأن الشركات لا تطلب منك ذلك إلا إذا تقدمت بطلب لتسهيل الحصول على مشترياتك وتقسيط القيمة. ـ يطلب البائع ـ الشبح ـ منك إخطاره برقم بطاقة الائتمان أو رقم الحساب المصرفي أو أية معلومات وبيانات مالية أخرى في الوقت الذي لا تستخدم فيه هذه الأدوات في تمويل أي من مشترياتك. وهذه محاولة نصب شائعة لأن المؤسسات والمراكز التجارية وحتى المحال الصغيرة تستفسرك عن أوضاعك المالية فقط حتى يتسنى لها تحديد حجم التعاملات التجارية وقيد قيمة المشتريات في حسابك الجاري معها. ـ تتصل بك إحدى الشركات بلا انقطاع وبإصرار شديد, وحتى بعد أن تخطرها بعدم معاودة الاتصال مرة أخرى. إن الشركات التي تعرف ما تفعل تنظر إلى كلمة (لا) على محمل الجد وتكشط اسمك من قائمة الزبائن المحتملين إذا طلبت منها ذلك, ولكن النصابين يعاودون الاتصال حتى يرهقوك ذهنيا أو يسلبوا منك مزيدا من الأموال. ـ تتصل إحدى الشركات وتعرض عليك في كرم بالغ أن تسعى للحصول على قرض أو بطاقة ائتمان نيابة عنك شريطة أن تدفع مبلغا مقدما. وهذه محاولة نصب واضحة, فمؤسسات التمويل والجهات التي تصدر بطاقات الائتمان لا تطلب من العملاء دفع مبالغ نقدية مقدما, إضافة إلى استحالة قيام جهة بالحصول على قرض أو بطاقة نيابة عن شخص أو جهة أخرى. ـ يتصل أحدهم ـ من العارفين ببواطن الأمور ـ ليعلن استعداده بأن يعيد إليك المبلغ الذي سبق وسلبته إحدى الشركات المتخصصة في النصب, شريطة أن تدفع بعض الأموال مقدما. وهذا عجيب أيضا لأن الجهات المسئولة عن إنفاذ القانون لا تتقاضى أية مبالغ ولا تسعى للاتصال بالمستهلكين لكي تعرض عليهم خدماتها. قد يعتقد بعض المستهلكين أن الشخص الذي يتحدث من الطرف الآخر إنسان مهذب ومؤدب يحاول أن يكسب قوت يومه بطريقة شريفة ومشروعة, وقد يظن هذا البعض أنه بائع شاب وطموح يسعى لزيادة مبيعات الشركة. وقد يدعي بعض المستهلكين أن المحادثات الهاتفية أو الرسائل البريدية التي يتلقونها ليست جرائم يحاكم عليها القانون بل هي محاولات يائسة لبيع السلع والمنتجات والخدمات. ونظرا إلى أن كبار السن هم أكثر عرضة لهذه الحيل التجارية, فهناك بعض الإشارات التحذيرية التي تؤكد تعرضهم لمحاولات النصب, ومن هذه الإشارات: ـ تلقي مجموعة كبيرة من الرسائل والبطاقات والمكالمات الهاتفية التي تعرض رحلات مجانية أو جوائز نقدية أو عينية. ـ تلقي محادثات من أشخاص يعرضون فرصا عظيمة لجمع الأموال أو التبرعات الخيرية. ـ وجود مجموعة كبيرة من الأشياء التي لا قيمة لها بحوزة الشخص المستهدف مثل الساعات والأقلام الرخيصة ومنتجات التجميل وبعض الأشياء التي يكون قد اشتراها إما ليكسب جائزة أو كجوائز كبيرة, وأفضل مثال لذلك أغطية زجاجات المشروبات الغازية. ـ قيام الشخص المستهدف بسحب مبالغ مالية لأغراض مجهولة لم يتعود عليها. ـ محاولة التكتم على المحادثات الهاتفية وسحب الهاتف بعيدا عن مكان تجمع الأسرة والتحدث بصوت منخفض. ـ قيام الشخص المستهدف بإرسال مبالغ نقدية إلى جهات مجهولة بواسطة شركات النقل السريع. ـ الوقوع في مشكلات مالية مفاجئة والفشل في شراء الضروريات. ولكن كيف يمكن أن تتصرف إذا اكتشفت أن قريبا أو صديقا يتعرض لعمليات نصب واحتيال؟ إن أفضل وسيلة لحماية هؤلاء الضحايا هي عدم توجيه أي لوم إليهم أو اتهامهم بالجهل أو الغباء, لأن النصابين أكثر ذكاء مما تتوقع ويعرفون جيدا ما يفعلون ويستغلون تهذيب وأدب وسماحة وطموح وتطلعات المستهلكين, هذا إضافة إلى عدم تهديد الضحية بمصادرة استقلاله المالي لأن هذه التهديدات لا تؤدي إلا إلى زيادة تكتمه على المحدثات الهاتفية وما يتلقى من رسائل وبطاقات بريدية. وعلاوة على ذلك يتعين التركيز على الطبيعة الجرائمية لهذه المحادثات والبطاقات ومساعدة الضحايا في تعلم كيفية تحديدها, إضافة إلى تشجيعهم على وضع سماعة الهاتف أو عدم إغلاق الخط لمدة طويلة لعل الطرف الآخر يقع في ضيق شديد نتيجة الانتظار لمدة طويلة ويقرر إنهاء المكالمة الهاتفية. وأخيرا, من منا لا يحس بسعادة غامرة عند الفوز بجائزة مالية ضخمة أو اكتناز الأموال من عوائد الاستثمارات المربحة؟ الجميع يرغب ويعتقد بأن هذا اليوم هو يومه المحظوظ. ويتعامل الضحايا بغضب عارم أو ريبة شديدة عندما يحاول الأصدقاء أو الأهل إرسال رسائل الخطر التي تؤكد أنهم على وشك الوقوع في مصيدة نصاب كبير. إنها النفس البشرية التواقة دوما نحو ما هو أفضل, إلا أن هذا (الأفضل) قد لا يأتي من فم نصاب يتدثر صوت بائع يأتي من بعيد ليعرض عليك خدمة ما أو ينقل إليك خبرا رائعا ويطالبك في النهاية بدفع مبالغ لا يستحقها.. إنه النصب بعينه.