هناك شيء غريب يحدث في الاقتصاد الأمريكي, لكن لا احد يعرف ما هو رغم ان الجميع يتفقون على ذلك. البعض يعتقد انه امر يثير التفاؤل, انه الاقتصاد الجديد, لكن آخرين يعتقدون انها الفقاعة التي تنتهي بها كل الفقاعات الاقتصادية. من الممكن ان تؤدي بعض التحسنات الحقيقية في اداء الاقتصاد الى ارتفاع في الطلب مدفوع بعدم استقرار اسعار الاصول. وقد أوضح رئيس البنك المركزي آلان جرينسبان كيف يرى أداء الاقتصاد الامريكي عندما قال انه اصبح من الواضح خلال السنوات الماضية ان تلك الدورة الاقتصادية تختلف بشكل جذري عن دورات اخرى مرت بها البلاد خلال فترة ما بعد الحرب العالمية. فقد حقق التوسع الاقتصادي انتعاشا قياسيا من حيث الفترة الزمنية فضلا عن النمو الاقتصادي غير المتوقع. والشيء الملحوظ ايضا هو ان التضخم ظل مستقرا الى حد كبير. وكان وراء هذا الاداء الاقتصادي الجيد غير المسبوق عنصر ارتفاع الانتاجية ونموها. يبذل خبراء الاقتصاد جهودا منذ ربع قرن من الزمان لفهم الظاهرة التي وصفها روبرت سولو الحاصل على جائزة نوبل واكد ان عصر الكمبيوتر سينتشر في كل مكان ويؤثر في كل شيء باستثناء احصاءات الانتاجية. الان يمكن اثر الحاسب الآلي على الانتاجية فقد جاء في بحث لكل من ستيفن اولنرو دانييل سيشل الخبيرين في البنك المركزي ان استخدام تكنولوجيا المعلومات وانتاج الحواسيب الآلية يشكلان ثلثي الارتفاع في الانتاجية بين النصف الأول والثاني من التسعينيات. وقد استخدم الباحثان في بحثهما نموذجا تعكس فيه ارتفاع انتاجية العمالة ارتفاع نسبة رأس المال الى العمالة والتقدم التقني الشامل الذي يعرف بإسم نموذج (إنتاجية العوامل المتعددة) . ويقولان ان النمو السنوي في الانتاجية في القطاع غير الزراعي ارتفع بين 1.61% عام 1991 و1995 إلى 2.67% بين عام 1996 و1999. ونصف هذا الارتفاع تقريبا (0.46% من نسبة 1.6%) ترجع الى تزايد اتاحة تكنولوجيا المعلومات وثلث هذه الزيادة (0.35%) يرجع إلى التقدم التقني في انتاج الحواسيب الآلية وأشباه الموصلات. اذن لماذا استغرقت هذه الثورة التكنولوجية هذا الوقت الطويل حتى يظهر اثرها في ارقام معدلات الانتاجية؟ يقول جيرمي جرينود من جامعة روشستر في نيويورك ان هذا لا يمثل اي مفاجأة. هذا بالتحديد هو ما حدث خلال الثورة الصناعية الأولى والثانية في بريطانيا في اواخر القرن الثامن عشر وفي الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر. كان الاثر المبدئي حينئذ هو الانخفاض الظاهري في معدل نمو الانتاجية, حيث كانت التكلفة داخلة في الاعتبار عند فهم وتطوير التكنولوجيا الجديدة. وعندئذ ايضا كان هناك انخفاض في مستوى الجودة بسبب ندرة الذين توافقوا مع التكنولوتجيا الجديدة. وتساعد ظاهرة بطء التكيف والارتباك في تفسير الملمح الثاني المهم في التغييرات التي تحدث اليوم, اي غياب التحسن في معدل نمو الانتاجية خارج الدولة المتصدرة للثورة التكنولوجية. وتوقع جولدمان ساكس ارتفاع الانتاجية في كل من اليابان وألمانيا وبريطانيا بمعدل ابطأ ما بين عامي 1995 و2000 مقارنة بالفترة من 1977 و1995. ومن المتوقع ان يكون معدل نموها اسرع قليلا في فرنسا. لكن فرصة اللحاق بالركب لاتزال مفتوحة أمام المتخلفين عنه بشرط ان يجروا التغيرات اللازمة في السياسات والسلوك التجاري. لكن قبل تصديق ان الارتفاع في الانتاجية الأمريكية كبير ومستمر, من المفيد ان نعود الى بحث روبرت جوردون بجامعة نورث ويسترن الذي قال ان النمو في معدل الانتاجية, بين نصفي التسعينيات كان 0.3% فقط ويرجع في مجمله الى الارتفاعات السريعة في انتاج الحواسيب الآلية. ويقول اولنر وسيشل ان البيانات الجديدة المتاحة حتى نهاية عام 1999 تشير الى ارتفاع معدل نمو الانتاجية الى 0.6% والسبب الرئيسي في هذا الاختلاف بين الاستاذ جوردون وبحث البنك المركزي هو ان الأول يرجع الارتفاع الأخير في الانتاجية الى الجزء المرتفع في دورة النمو ذاته. لكن الباحثين في البنك المركزي يحذفون دورة النمو على اساس ان فصل الدورة عن الاتجاه امر صعب خاصة في منتصف فترة التوسع. هذا صحيح الى حد ما, لكنه يتجاهل ايضا التسوية المحتملة. لقد سجل الاقتصاد الامريكي بين عامي 1996 و1999 نموا بمعدل سنوي بلغ 4.1% وخلال نفس الفترة ارتفع الطلب المحلي الحقيقي بمتوسط سنوي مذهل بلغ 5.3% وما جعل هذين العنصرين يتوافقان هو صمام الأمان المكون من انخفاض معدل البطالة وتزايد العجز في الحساب الجاري, حيث انخفض معدل البطالة بنسبة 1.5% منذ نهاية عام 1995, في الوقت الذي ارتفع فيه العجز في الحساب الجاري بنسبة اكبر من 2% من اجمالي الناتج المحلي بين عامي 1995 و1999. ويرجع جرينسبان هذا الارتفاع في الطلب الى الارتفاع في معدل نمو الانتاجية. وقال في الشهر الماضي أن الارتفاع في الانتاجية يؤدي الى ارتفاع اكبر في الطلب الاجمالي اكثر مما يؤدي الى ارتفاع في العرض الاجمالي المحتمل, وهي آلية تؤدي الى ارتفاع اسعار الاصول. وقد ارتفعت القيمة السوقية للشركات الى معدلات قياسية لم تتحقق منذ عام 1880 ويشير جرينسبان إلى ان هذه الأدلة توضح ان بين ثلاثة أو أربعة سنتات من كل دولار يضاف الى البورصة يرجع الى ارتفاع المشتروات الاستهلاكية. ويؤثر الارتفاع غير المستدام في الطلب الناتج عن ذلك في السياسة النقدية, فضلا عن انه يعزز من مصداقية اي تقييم لنمو الانتاجية. ومنذ عام 1995 حققت الانتاجية نمواً اسرع من اي وقت مضى قبل الانخفاض المفاجيء في النمو الذي حدث عقب اول صدمة بترولية عام 1973. لكن كيفية الارتفاع في الانتاجية لايمكن معرفتها او فهمها حتى يعود الطلب غير المستدام الذي أدى اليها, الى المعدلات الطبيعية.