لا تبدو أي علاقات انحسار في معدل النمو الاقتصادي الامريكي, وبرغم جهود البنك المركزي يستمر الاقتصاد في النمو السريع وعدم ظهور علامات تدل على الهدوء في هذا المعدل, مما يدفع غالبية المحللين إلى رفع توقعاتهم الاقتصادية لهذا العام. وفي الوقت نفسه استعادت سوق الاسهم عافيتها عقب الكبوة التي حدثت مؤخراً, وارتفع مؤشر داوجونز للشركات الصناعية. كما ان التوقعات في النمو الاقتصادي مستمرة في الارتفاع وقال المحللون الذين استطلعت آراءهم نشرة المؤشرات الاقتصادية للاسهم الممتازة ان الاقتصاد الامريكي سوف يحقق نمواً بنسبة 4.1% خلال العام الجاري, برغم ان آخرين توقعوا ان تصل النسبة إلى 5%. لكن المحللين توقعوا في يناير ان يصل النمو الاقتصادي إلى 3% ومن المتوقع ان ترتفع التقديرات الشهر المقبل مع نشر مزيد من البيانات الاقتصادية عن الحكومة. وفي الوقت نفسه يقول المحللون الاقتصاديون الذين توقعوا بطئاً في الاقتصاد الامريكي خلال الربع المقبل من العام ان المعدل السريع في النمو قد يستمر حتى الاشهر الاخيرة من العام بما يزيد من الارتفاع في سعر الفائدة الذي يقوم به البنك المركزي. وقال ايان شبردسون المحلل الاقتصادي في نيويورك ان الذين توقعوا الانخفاض اخفقوا في تقدير الدفعة الاقتصادية الامريكية. واضاف ان كثيراً من العناصر التي ظننا انها سوف تهدىء من سرعة النمو الاقتصادي خلال العام الجاري لم تقع وقد لا تقع خلال الاشهر المقبلة. وقد انبهر كثير من المحللين باستمرار مرونة الاقتصاد الامريكي في مواجهة ارتفاع اسعار الطاقة واسعار الفائدة الحقيقة ان كثيراً توقعوا ان يتقاعس النمو الاقتصادي مع بداية العام بعد ان وصل إلى 6.9% خلال الربع الاخير من العام الماضي, عندما بلغ انفاق الشركات والمستهلكين الامريكيين مليارات الدولارات تحسباً لازمة علة القرن التي لم تحدث. وفي الفترة الاخيرة تزايد الدليل على استمرار قوة الاقتصاد. واستمر قطاع الصناعات التحويلية الذي تأثر كثيراً لكنه لا يزال يمثل عماد الاقتصاد, في النمو وسط ارتفاع الطلب العالمي على السلع الامريكية الصنع. وقد تأثر انفاق رأس المال والنشاط الانشائي برفع اسعار الفائدة, وهي القطاعات التي تتأثر طبيعياً برفع اسعار الفائدة في الغالب ولا يزال انفاق المستهلكين مرتفعاً. واذا استمرت توقعات ارتفاع النمو على ما هي عليه فقد يعني ذلك انباء سارة بالنسبة لالبرت جور نائب الرئيس الامريكي المرشح للرئاسة وجعل من النمو الاقتصادي في ظل حكومة بيل كلينتون محركه الاساسي في الحملة الانتخابية. ورغم ذلك قال الجمهوريون ان النمو الاقتصادي الطويل الحالي استمر لفترة طويلة مما يجعل الناخبين يرجعونه لاسباب خارجية مثل محافظ البنك المركزي آلان جرينسبان او البورصة, وليست بسبب سياسات البيت الابيض. وفي الوقت نفسه قد يدفع النمو الاقتصادي السريع البنك المركزي إلى اتخاذ مزيد من الاجراءات لتهدئة سرعة النمو حتى لا يؤدي إلى ارتفاع معدل التضخم, وهو ما يخشاه البنك المركزي. لقد رفع البنك المركزي اسعار الفائدة خمس مرات منذ يونيو الماضي ولم يؤثر ذلك كثيراً في سرعة النمو الاقتصادي, ويقول الخبراء انهم يتوقعون رفع سعر الفائدة ثلاث مرات اخرى قبل نهاية العام الجارى. وقال جريس فارفيز المحلل الاقتصادي فرسانت لويس ان المخاطر غير متوقعة حتى ان المصرف المركزي قد يلجأ إلى اجراءات صارمة لتهدئة النمو الاقتصادي السريع. لكن هناك محللين آخرين يشغرون بالقلق من مبالغة المصرف المركزي في رد فعله خاصة وان اول رفع لاسعار الفائدة لم تظهر آثاره بعد على النمو الاقتصادي, ولم يظهر ايضا اثر ارتفاع اسعار الطاقة حتى الآن. ويشكل ارتفاع اسعار العقود عنصراً خطيراً جديداً على السياسة النقدية لان الشعور باثره سوف يتأخر قليلاً ولا يتضح الآن, تماماً كما هو الحال بالنسبة لرفع اسعار الفائدة, كما يقول مارك فيتز الخبير الاقتصادي في نورث كارولينا. كما ان العاطلين الذين تقدموا للحصول على اعانات بطالة في الفترة الماضية ارتفع عددهم, رغم انه لا يزال منخفضاً مقارنة باوقات سابقة, مما يعني ان سوق العمل الامريكي بدأت تظهر عليه اعراض غير مستحبة. وقالت وزارة العمل ان عدد الذين يطلبون وظائف في الاسبوعين الماضيين ارتفع اربعة آلاف إلى 266 الفاً, وهو اكبر ارتفاع منذ بداية الشهر الماضي, لكن العدد لا يزال اقل من توقعات المحللين. ارتفاع معدلات الاقراض ليست البورصة الامريكية فقط هي التي تتحدى البنك المركزي, او بنك الاحتياط الفيدرالي بل ايضا سوق السندات والرهونات وقروض الشركات او بمعني آخر كل الجهات التي تقترض ارتفعت معدلات حصولها على القروض. وقال لويس بارتر الخبير المالي ان المعجزة هي ان اسعار الرهونات قد انخفضت برغم جهود البنك المركزي وقال انه لم ير شيئاً كهذا من قبل. الحقيقة ان معدلات الاقراض والرهونات ترتفع منذ عام, لكن السعر الحالي لفائدة الرهونات يبلغ 8.24% اي اقل منه في شهر فبراير عندما كان 8.38% وفق ما تقوله فريدي ماك وهي مؤسسة تمتلكها مؤسسات الادخار في انحاء امريكا وتساعد في توفير التمويل لقروض بناء المنازل من خلال شراء الرهونات من البنوك ومؤسسات اخرى. حتى عندما رفع البنك المركزى سعر الفائدة للمرة الثانية, وجد انه من الصعب الحد من القروض وتقليل عدد من المقترضين. ويشير ذلك إلى ان هناك حاجة إلى رفع سعر الفائدة مرة اخرى في الاشهر المقبلة, مما يؤدي إلى ارتفاع سعر الفائدة على الرهورنات وقروض الشركات وجميع انواع القروض, ولكن هذا لم يحدث في الفترة الاخيرة. نجح البنك المركزي لفترة وجيزة في رفع تكلفة الاقتراض في محاولة لتهدئة النمو الاقتصادي المحموم تجنباً للتضخم. فائدة قروض الشركات حتى اسعار فائدة قروض الشركات يبدو انها تتجاهل جهود البنك المركزي. والشركات التي صنفها مؤشر مودي لخدمات المستثمرين على انها في ادني فئة استثمارية تواجه الآن اسعار فائدة 8.28% على السندات التي تستحق بعد 30 عاماً, مقابل 8.50% قبل فترة قصيرة, و8.55% في اكتوبر الماضي (تضع مودي هذه الشركات في تصنيف يسمي بي.ايه.ايه بينما تضعها شركة ستاندارد اندبوز في فئة تسمى بي الثلاثية. ليس معنى هذا ان جهود البنك المركزي ليس لها اي اثر لكن الشركات من فئة بي. الثلاثية كانت تدفع سعر فائدة 7.50%, لكن كثيراً من الشركات لم تراع ارتفاع اسعار الفائدة لتقلل من اقتراضها, تماماً كما لم يخضع المستثمرون في البورصة لاسعار فائدة البنك المركزي. وقد ارتفعت اصدارات الشركات من السندات وقروض الشركات الجديدة إلى مقترضين على درجة عالية من المخاطرة وهي تسمى قروض المخاطر عقب انخفاضها في فبراير ويناير الماضيين فقط. وقد اصدرت الشركات الامريكية سندات بقيمة 187 مليار دولار خلال العام الجاري, مقابل 203 مليارات دولار العام الماضي. وبلغ حجم قروض المخاطرة 11.8 في مارس العام الماضي. وانخفضت اسعار الفائدة على قروض المخاطرة خلال الاشهر الاخيرة. وينفي دينيس ادلر خبير الاستراتيجية المالية في شركة سالمون سميث اندبارني ان البنك المركزي لم يفعل شيئاً, لكن الاصدارات لا تزال بنفس معدل العام الماضي مع تحول الشركات المصدرة إلى القروض قصيرة الاجل. ويستطيع البنك المركزي ان يتحرك في مجال القروض قصيرة الاجل فقط اذا كانت سترفع اسعار القروض هي الاخرى معها. بصفة عامة ليس امام البنك المركزي وسائل كثيرة لرفع تكلفة القروض للشركات والافراد. وقد رفع البنك المركزي اسعار الفائدة الفيدرالية, اى فائدة القروض المتبادلة بين البنوك إلى 6% مقابل 5.75%, ثم ترفع البنوك غالباً سعر الاقراض الاساسي, الذي يعد مؤشر اسعار الفائدة الاخرى مثل الفائدة على البطاقات المدينة. وقد رفع احد البنوك الكبيرة, وهو بنك اوف امريكا سعر الخصم إلى 9% مقابل 8.75 بناء على هذا الارتفاع. قوى جديدة محركة للاقتصاد ليس رفع اسعار الفائدة من جانب البنك المركزي هو الذي لا تأثير له, لكن المراقبين يقولون انها عامل مساعد في رفع تكلفة الاصدارات وخفض الاصدار في سوق القروض الذي ساد خلال الشهر الماضي ـ لكنه لا يزال مجرد احد العناصر المؤثرة. وهناك عناصر اخرى مثل سوق الاوراق المالية غير المستقرة والمخاوف التي تحيط بالقروض والائتمان والنقد الذي يتوجه إلى الصناديق الاستثمارية, كلها عوامل اكبر تأثيراً من اسعار الفائدة التي يرفعها البنك المركزي. واذا زالت قوة هذه العناصر فقد يزداد صرف القروض ليضخ قوى جديدة في شرايين الاقتصاد الذي يظن البنك المركزي انه يسجل نمواً محموماً. فالشركات التي تجد اسعار الفائدة مرتفعة جداً في احد الاسواق تتجه إلى اسواق اخرى للحصول على النقد. ويقول ادريان كنجشوت رئيس العمليات في مجموعة جولدن ساكس انه لا دليل على ان الشركات تحجم عن الاستثمار بسبب الافتقار إلى النقد ورأس المال, حتى مع ضعف عائدات السندات عالية العوائد, يمكن للشركات ان تجد خيارات اخرى تمويلية. ويضيف ان هذه الشركات لا تعدم وسيلة الحصول على رأس المال وهي لا تفتقر اليه.