تشير وقائع الأمور داخل منطقة الشرق الأوسط إلى أن الضغوط التي تمثلها المشكلات السكانية تتباين في الخطورة من دولة إلى أخرى. وتشير الدراسات الخاصة بهذا الأمر إلى أن أية دولة تتعدى معدلات النمو السكاني بها 3% سنويا, ستواجه مشكلات في مواصلة تحقيق نمو عال في دخل أفرادها. وتشير تقديرات (وكالة الاستخبارات الأمريكية) إلى أن تسع دول/ مناطق في المنطقة تملك معدلات نمو سكاني تزيد عن 3%, وهذه الدول/ المناطق هي: غزة والعراق وليبيا وعمان وقطر والسعودية وسوريا والضفة الغربية واليمن, حيث تزيد معدلات النمو السكاني عن 3%. وفي هذا النطاق تبرز مشكلة أخرى تتمثل في أنه حتى في حالة وجود معدل نمو سكاني أقل من هذا بكثير ستتولد مشكلات أخرى, إذا كان عدد كبير من السكان من الصغار, وإذا وصل التعداد الكلي للسكان إلى الحد الذي يمكن لاقتصاد الدولة التجاوب معه. وإذا نظرنا إلى بعض الأمثلة في هذا الشأن, نجد أن دولة مثل مصر كان يبلغ تعداد سكانها العام 1980 نحو 41 مليونا, والآن وصل إلى 66 مليونا. وعلى الرغم من أن معدل النمو السكاني بها يقف عند 9.1%, فإن توقعات البنك الدولي تشير إلى أن عدد السكان بها سيصل إلى 93 مليونا العام 2030. ودولة مثل إيران كان عدد سكانها 39 مليونا العام ,1980 والآن وصل إلى أكثر من 69 مليونا, وعلى الرغم من أن معدل النمو السكاني بها يزيد قليلا عن 2%, فإن البنك الدولي يتوقع أن يصل عدد السكان بها إلى 96 مليونا في العام 2030. وفي هذا الصدد أريد أن أشير إلى أنني أتحدث عن تحديات وليس أزمات, فالنمو السكاني الزائد عن الحد يتفاعل ويتحد مع أية إخفاقات قد تحدث في عمليات التنمية الاقتصادية, مما يؤدي إلى خفض دخل الأفراد في الدولة المعنية, وينتج عن ذلك تغيرات اجتماعية سلبية. ومن ثم فإنه لا مجال للشك في أن منطقة الشرق الأوسط في حاجة شديدة إلى جهود دؤوبة, بهدف الحد من معدلات النمو السكاني المرتفعة وجعلها متوافقة مع معدل النمو الاقتصادي. والنقطة الثانية التي أود الإشارة إليها تتمثل في مشكلة الإصلاح الاقتصادي. فالمشكلة التي تواجهها منطقة الشرق الأوسط لا تتمثل في أن المنطقة تواجه مستقبلا مظلما, ولكنها تكمن في أن دول المنطقة تتحرك بخطى بطيئة في سبيل تحقيق هدف إيجاد مستقبل أفضل لشعوبها. فمنطقة الشرق الأوسط عند مقارنتها بما كانت عليه في فترة الستينيات والسبعينيات والثمانينات, يتضح أن هناك تقدما ما تم تحقيقه, ولكن في الوقت نفسه لا يمكن أن نؤكد أنها منطقة ناجحة اقتصاديا عندما تتم مقارنتها بما حدث في دول العالم النامية الأخرى, والتي شهدت موجات عالية من التقدم. فقد تخلفت منطقة الشرق الأوسط كثيرا عن دول شرق آسيا وامريكا اللاتينية, ومؤخرا لم تستطع المنافسة مع دول جنوب آسيا والعديد من الدول الأفريقية. وبمقارنة متوسط النمو نجد أن متوسط النمو في الناتج الاجمالي المحلي لدول المنطقة كان 1.2%, في الفترة ما بين 1981 و,1990 مقابل 5.7% لدول شرق آسيا, و6.5% لدول جنوب آسيا. وفي الوقت الذي تحسن فيه معدل النمو في المنطقة وارتفع إلى 9.2%, في الفترة ما بين 1991 و,1997 وصل المعدل نفسه في دول شرق آسيا إلى 4.9%, وفي دول جنوب آسيا إلى 6.5%, ودول امريكا اللاتينية إلى 8.3%. ومن هنا يتضح أن دول المنطقة في حاجة ماسة إلى ما هو أبعد من النوايا الطيبة والخطط الطموحة, فعلى هذه الدول أن تقيس معدلات نجاحاتها بما يحدث من تقدم في سياسات الاقتصاد الكلي, ولا يجب أن تخلط بين النمو الاقتصادي والأهداف الأخرى, مثل تحقيق السلام والديمقراطية والتعاون الإقليمي. فكل هذه الأشياء أشكال وأنماط من النجاحات مرغوب فيها ويؤمل في تحقيقها, ولكن تحقيق نجاح في مجال منها لا يعني نجاحا في المجال الآخر. والنقطة الأخيرة التي أود إلقاء الضوء عليها, هي مشكلة التغير الاجتماعي. وما أريد التركيز عليه في هذا الموضوع الشائك هو أن حالات التحول التي تطرأ على المجتمعات يجب أن تتعامل بقدر كبير من الوعي مع القضايا الاجتماعية. فحالات التحول والانتقال التي تطرأ على عمليات النسيج الاجتماعي لأي مجتمع ترتبط بالضرورة بالضغوط السكانية والمشكلات الاقتصادية. وعلى سبيل المثال نجد أن الشرق الأوسط يواجه مشكلة (الانفجار الشبابي) . فمعدل النمو السكاني للمنطقة كان سريعا, لدرجة أن نحو 40% من السكان تتراوح أعمارهم ما بين الرابعة عشرة وأقل, وهذا الأمر يعني أن هذا العدد الكبير يحتاج إلى زيادات ضخمة في الوحدات السكانية والوظائف والبنية الأساسية.. وبالتالي فإن مشكلة الانفجار السكاني أصبحت من الخطورة لدرجة أنه لا يمكن تجاهلها, مثل مشكلة انتشار أسلحة الدمار الشامل على سبيل المثال. ولكي أكون أكثر تحديدا في هذا الصدد, أود الإشارة إلى أن خلاصة الأمر تتمثل في أن منطقة الشرق الأوسط عليها أن تنظر بصورة أكثر جدية إلى عمليات التحول الاجتماعي, التي يحتاج إليها السكان من أجل مواجهة المشكلات الاقتصادية والسكانية التي تواجهها المنطقة, وهذه العمليات بدورها تتضمن التغيير السياسي, التمدن, التعليم, وحقوق المرأة, وغيرها. وبدوري أعتقد أن نجاح المنطقة يرتبط بقدرتها على المنافسة عالميا مع الدول النامية الأخرى, وقدرتها على الاندماج مع الاقتصاد العالمي. أبوظبي ـ عبد الفتاح منتصر